د. أيمن نور يكتب: الطاقة الخضراء… الفرصة الأخيرة لنهضة جديدة . مصر الممكنة 2030 (59) مصر ومحيطها الإقليمي… (4 من 10)

قبل أسابيع قليلة، وبينما كنت أشارك في عدد من اللقاءات السياسية والفكرية في باريس، كان ملف الطاقة حاضرًا في معظم النقاشات تقريبًا، حتى في الاجتماعات التي لم يكن موضوعها الطاقة أصلًا. كان الحديث يبدأ من أوكرانيا أحيانًا، ومن المناخ أحيانًا أخرى، ثم ينتهي دائمًا تقريبًا إلى السؤال نفسه: من يملك مفاتيح الطاقة في العالم الجديد؟ ولم تكن المفاجأة أن اسم مصر كان يتكرر كثيرًا في هذه النقاشات، بل كانت المفاجأة أن كثيرين خارج مصر باتوا يرون في موقعها وإمكاناتها فرصة أكبر مما نراه نحن أحيانًا لأنفسنا.
وخلال أحد تلك النقاشات المتعلقة بمبادرة «المصير المشترك 2035»، أدركت أن أوروبا لا تنظر إلى الطاقة باعتبارها مجرد سلعة اقتصادية، بل باعتبارها قضية أمن قومي ومستقبل حضاري. أما السؤال الذي ظل يشغلني فكان مختلفًا: هل ندرك نحن أيضًا أن ملف الطاقة قد يكون واحدًا من أهم مفاتيح نهضة مصر خلال العقود القادمة؟ أم أننا ما زلنا نتعامل معه باعتباره مجرد قطاع اقتصادي بين قطاعات أخرى؟
شهد العالم خلال القرن العشرين صراعات وحروبًا وتحالفات كاملة بُنيت حول النفط والغاز. تغيرت حدود دول، وسقطت أنظمة، وظهرت أخرى، وتحركت أساطيل وجيوش، وأُعيد تشكيل جزء كبير من النظام الدولي بسبب الطاقة. لكن ما يجري اليوم قد يكون أكثر أهمية من كل ما جرى خلال العقود السابقة.
العالم لا يعيش فقط تحولًا في مصادر الطاقة، بل يعيش تحولًا في فلسفة الطاقة نفسها. فبعد قرن كامل تقريبًا من الاعتماد على الوقود الأحفوري، بدأت البشرية تدخل تدريجيًا مرحلة جديدة عنوانها الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والاقتصاد منخفض الانبعاثات. وهي مرحلة لا تعني فقط حماية البيئة أو مواجهة التغير المناخي، بل تعني أيضًا إعادة توزيع مراكز القوة الاقتصادية في العالم.
وهذا بالضبط ما يجعل اللحظة الحالية استثنائية بالنسبة لمصر.
فالمرة الأولى التي منحت فيها الجغرافيا مصر فرصة كبرى كانت حين جعلتها مركزًا للتجارة العالمية عبر قناة السويس. أما الفرصة الثانية فقد تكون اليوم، عندما تجعلها في قلب التحول العالمي نحو الطاقة الخضراء.
قليل من الدول يملك ما تملكه مصر في هذا المجال. ساعات طويلة من السطوع الشمسي. مساحات واسعة قابلة للاستثمار. مواقع متميزة لطاقة الرياح. موقع جغرافي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا. بنية تحتية للطاقة والغاز والكهرباء. وقرب مباشر من الأسواق الأوروبية التي تبحث عن مصادر مستقرة ونظيفة للطاقة.
ولهذا ليس من قبيل المصادفة أن تصبح مصر خلال السنوات الأخيرة حاضرة بقوة في الخطط الأوروبية المرتبطة بالتحول الأخضر. فالاتحاد الأوروبي، الذي أطلق سياسات واسعة لتقليل الانبعاثات الكربونية والاعتماد على مصادر أكثر استدامة للطاقة، بدأ يبحث عن شركاء استراتيجيين خارج حدوده، وكانت مصر من أبرز الأسماء المطروحة في هذا السياق.
غير أن امتلاك الفرصة لا يعني بالضرورة القدرة على اغتنامها.
فالتاريخ الاقتصادي مليء بالدول التي امتلكت الموارد، لكنها لم تحقق التنمية. ويمتلئ أيضًا بدول أخرى امتلكت رؤية واضحة، فحوّلت موارد محدودة إلى قصص نجاح استثنائية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تملك مصر مقومات التحول إلى مركز للطاقة الخضراء؟ بل: هل تملك الاستراتيجية التي تسمح بتحويل هذه المقومات إلى نهضة اقتصادية حقيقية؟
وهنا تبدأ التحديات.
أول هذه التحديات أن نتجاوز التفكير التقليدي في الطاقة بوصفها مجرد مصدر للدخل أو العملة الصعبة. فالطاقة الخضراء لا يجب أن تتحول إلى نسخة جديدة من تصدير المواد الخام. وإذا كان العالم العربي قد أخطأ طويلًا حين اكتفى، في كثير من الأحيان، بتصدير النفط والغاز دون بناء قاعدة صناعية ومعرفية كافية حولهما، فلا ينبغي أن نكرر الخطأ نفسه مع الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة.
القيمة الحقيقية لا تكمن في إنتاج الطاقة فقط، بل في بناء الصناعات المرتبطة بها. في التكنولوجيا. في البحث العلمي. في التصنيع المحلي. في التدريب الفني. في تطوير الجامعات والمعاهد. في بناء سلاسل إنتاج متكاملة تخلق فرص عمل وتضيف قيمة للاقتصاد الوطني.
التحدي الثاني يتعلق بالعدالة التنموية. فالمشروعات الكبرى لا تصبح تلقائيًا مشروعات تنموية. وقد تعلمنا من تجارب كثيرة أن بعض المشروعات الضخمة تحقق أرقامًا جيدة على الورق، بينما يظل أثرها محدودًا على حياة المواطنين. ولهذا فإن نجاح التحول الأخضر يجب أن يُقاس بقدرته على خلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز التنمية المحلية، لا بعدد الاتفاقيات أو المؤتمرات فقط.
أما التحدي الثالث فهو التحدي المعرفي.
فالاقتصاد الأخضر ليس مجرد محطات للطاقة الشمسية أو مزارع للرياح. إنه اقتصاد جديد بالكامل. يحتاج إلى مهندسين وفنيين وباحثين ومبرمجين ومديرين ومؤسسات تعليمية قادرة على إعداد أجيال مختلفة عن تلك التي أعدتها الجامعات التقليدية خلال العقود الماضية.
وهنا يظهر مجددًا الترابط العميق بين ملفات هذا الكتاب. فالطاقة لا تنفصل عن التعليم. والتعليم لا ينفصل عن العدالة. والعدالة لا تنفصل عن التنمية. والتنمية لا تنفصل عن السياسة الخارجية. وكل محاولة للتعامل مع هذه الملفات بمعزل عن بعضها ستبقى قاصرة، مهما بدت ناجحة في ظاهرها.
ومن المفارقات اللافتة أن التحول العالمي نحو الطاقة الخضراء جاء في الوقت نفسه الذي عادت فيه أوروبا لاكتشاف المتوسط. فالميثاق المتوسطي الجديد، والشراكات الاستراتيجية، وخطط الربط الكهربائي، ومشروعات الهيدروجين الأخضر، كلها تعكس حقيقة واحدة: أن البحر المتوسط لم يعد مجرد مساحة جغرافية، بل أصبح أحد أهم مسارح التحول الاقتصادي العالمي.
ومن هنا تبرز أهمية الشراكة المصرية الأوروبية في هذا الملف تحديدًا. فمصر تحتاج إلى التكنولوجيا والاستثمار والخبرة والأسواق. وأوروبا تحتاج إلى الموقع والموارد والشركاء القادرين على المساهمة في تحقيق أهدافها المناخية والطاقوية. لكن نجاح هذه العلاقة يتوقف على قدرتها على أن تكون شراكة متكافئة، لا مجرد علاقة بين مصدر للمواد الخام ومستهلك لها.
وهذه النقطة بالذات كانت حاضرة بقوة في كثير من النقاشات المرتبطة بمبادرة «المصير المشترك 2035». فالتحدي الحقيقي ليس أن تصبح مصر جزءًا من التحول الأخضر العالمي، بل أن تصبح شريكًا فاعلًا في صياغته والاستفادة منه. فالفرق كبير بين أن تكون محطة على الطريق، وأن تكون أحد من يرسمون الطريق نفسه.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الطاقة الخضراء إلى فرصة ضائعة جديدة. فقد شهدت مصر خلال تاريخها الحديث فرصًا كبيرة لم تُستثمر بالقدر الكافي. بعضها ضاع بسبب سوء الإدارة، وبعضها بسبب غياب الرؤية، وبعضها بسبب الظروف السياسية والاقتصادية. أما اليوم فإن العالم يتحرك بسرعة هائلة، ولا يبدو أن لديه استعدادًا لانتظار المترددين.
ولهذا فإن مصر الممكنة تحتاج إلى رؤية مختلفة للطاقة. رؤية لا تبدأ من المشروعات وحدها، بل من الإنسان. رؤية ترى في الطاقة فرصة لبناء مجتمع أكثر إنتاجًا وعدالة ومعرفة. رؤية تدرك أن المستقبل لن يكون لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يعرف كيف يحولها إلى قيمة مضافة، وإلى معرفة، وإلى نفوذ اقتصادي وسياسي.
ومن المهم هنا ألا ننظر إلى الطاقة الخضراء باعتبارها بديلًا عن الملفات الأخرى، بل باعتبارها جسرًا يصل بينها. فهي مرتبطة بالهجرة لأن الاقتصاد القادر على خلق فرص العمل يقلل دوافع الرحيل. ومرتبطة بالتعليم لأنها تحتاج إلى كوادر جديدة. ومرتبطة بالدبلوماسية لأنها تعيد تشكيل العلاقات الدولية. ومرتبطة بالعدالة لأنها تؤثر في توزيع الفرص والثروة.
ولهذا فإن الحديث عن الطاقة في مصر لم يعد ترفًا اقتصاديًا ولا ملفًا فنيًا متخصصًا. إنه جزء من سؤال أكبر يتعلق بمكانة الدولة نفسها خلال العقود القادمة.
هل تكتفي مصر بدور المستفيد من التحولات العالمية؟
أم تصبح إحدى الدول المشاركة في صناعتها؟
هل نكتفي بتصدير الطاقة؟
أم نصدر معها المعرفة والتكنولوجيا والخبرة؟
هل ننظر إلى الطاقة بوصفها موردًا؟
أم بوصفها مشروعًا وطنيًا للنهضة؟
تلك هي الأسئلة التي ستحدد قيمة الفرصة التاريخية التي تقف أمام مصر اليوم.
فالأمم لا تحصل كثيرًا على لحظات استثنائية.
والجغرافيا لا تقدم هداياها مرتين بسهولة.
والعالم لا يعيد ترتيب أوراقه كل يوم.
وربما لهذا السبب تبدو الطاقة الخضراء أكثر من مجرد ملف اقتصادي.
إنها فرصة نادرة.
وربما تكون الفرصة الأخيرة لكي تتحول مزايا الموقع المصري من مجرد إمكانات كامنة…
إلى نهضة حقيقية يلمسها الناس في حياتهم اليومية.
وحين يحدث ذلك، لن تكون مصر قد نجحت فقط في إنتاج طاقة نظيفة…
بل ستكون قد نجحت في إنتاج مستقبل مختلف.







