
ليست الحروب الكبرى في التاريخ مجرد مواجهات عسكرية بين جيوش، بل هي أولًا وقبل كل شيء عملية لإعادة تشكيل البيئة السياسية التي تدور فيها الحرب، وقد أشار المنظّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز إلى أن الحرب هي «امتداد للسياسة بوسائل أخرى»، بينما يذهب السياسي الأمريكي الأبرز هنري كيسنجر إلى أن الهدف النهائي لأي حرب ليس الانتصار العسكري المجرد، وإنما إنتاج نظام سياسي جديد يخدم مصالح الطرف المنتصر. ومن هذا المنظور، فإن قراءة التصعيد الأمريكي ضد إيران لا ينبغي أن تقتصر على الضربات العسكرية أو تبادل الرسائل النارية، وإنما يجب أن تنظر إلى الصورة الأوسع: ما النظام الإقليمي الذي يجري العمل على إنتاجه؟
الحرب الكبرى أم تفكيك ساحات الصراع؟
خلال السنوات الأخيرة، برز اتجاه واضح في الاستراتيجية الأمريكية يقوم على تقليل الانخراط العسكري المباشر، مع توسيع دائرة الحروب بالوكالة، وهو ما ظهر في وثائق الأمن القومي الأمريكية، وفي التجربة الأوكرانية، كما تجسد في إدارة المواجهات في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة باتت تفضّل أن تقود التحالفات وتوفر الغطاء السياسي والاستخباري والعسكري بمقابل مادي، بينما تتحمل الأطراف الإقليمية الجزء الأكبر من كلفة المواجهة، والولايات المتحدة المستفيدة الوحيدة بكل الحالات.
هذا النمط ليس جديدًا، فقد استخدمته واشنطن في أفغانستان خلال ثمانينيات القرن الماضي، وفي العراق بعد عام 2003، وفي إدارة الصراع في سوريا منذ عام 2011 بدرجات متفاوتة، لذلك فإن أي تصعيد ضد إيران لا يمكن عزله عن هذا النموذج الذي يقوم على توزيع أعباء الحرب وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، حد التحول إلى مايسترو يدير الحرب ولا يحارب، ويحصل على المكافآت بكل أشكالها.
وفي هذا السياق، يبدو أن الهدف الأمريكي لا يقتصر على إضعاف القدرات الإيرانية، بل يمتد إلى إعادة تعريف هوية الصراع نفسه، بحيث يتحول من مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى شبكة من المواجهات الإقليمية المتعددة، يصبح فيها اللاعب الأمريكي قائدًا للتحالف أكثر منه طرفًا مباشرًا في الحرب، بحيث يعطي جهة ما دور المقاتل ومتلقي السلاح، وطرفًا آخر دور المزود بالمال والسلاح، بينما يبقى للولايات المتحدة دور البائع للسلاح، ومن يسطو على الطرفين بعد إنهاكهما لبعضهما بعضًا، بحيث يخسر الجميع؛ فالممول يخسر ثروته، والمقاتلون يخسرون قدراتهم، وتبقى الولايات المتحدة بكامل قدرتها، ومعها حليفها الوحيد الحقيقي «إسرائيل».
إخراج إسرائيل من المشهد لحمايتها
من أبرز التحولات التي يمكن ملاحظتها في إدارة الصراع تراجع حضور إسرائيل في واجهة المشهد الميداني العسكري والسياسي والإعلامي كلما اتسعت دائرة المواجهة مع إيران، وهذه ليست مسألة إعلامية فحسب، بل تحمل أبعادًا استراتيجية أخطر وأهم وأشمل.
فكلما تراجعت صورة إسرائيل باعتبارها الطرف الرئيسي في الحرب، أصبح من الأسهل على عدد من الدول أن تنخرط في تحالفات أمنية أو لوجستية أو سياسية ضد إيران دون أن تبدو وكأنها تصطف إلى جانب إسرائيل بصورة مباشرة، وبذلك يتحول عنوان المواجهة من «الدفاع عن إسرائيل» إلى «حماية الأمن الإقليمي»، أو «ضمان حرية الملاحة»، أو «منع انتشار التهديدات».
كما يمنح ذلك إسرائيل فرصة لتركيز جهودها العسكرية والسياسية في الساحات التي تراها أكثر أهمية بالنسبة لها، وفي مقدمتها قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، مما يوفر لها مظلة «غياب» عالمية عن كل جرائمها، ويدفع بأنظار العالم جهة الشعارات الكاذبة عن حرية الملاحة وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي، إلى جانب متابعة أهدافها الأمنية في لبنان وسوريا، مستفيدة من أسوأ حال عربي؛ فليبيا مشتعلة بفوضى وانقسامات لا حدود لها، والسودان غارق بحرب أهلية دموية، وصراعات وعدم استقرار هنا وهناك.
معركة الرواية قبل معركة الصواريخ
في الحروب الحديثة، لا تقل السيطرة على الرواية أهمية عن السيطرة على الأرض، وقد أكد جوزيف ناي، صاحب مفهوم «القوة الناعمة»، أن كسب الرأي العام الدولي أصبح أحد عناصر القوة الاستراتيجية. برأيي، إن حرب الرأي العام أهم عناصر الحرب، ومن يملكها لا بد أن يملك النصر، إن ملك القدرة على إدارتها كما ينبغي للحروب أن تُدار.
وفي بداية أي مواجهة واسعة، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى الطرف الذي بدأ باستخدام القوة العسكرية، غير أن استمرار الحرب يغيّر مركز الاهتمام من سؤال «من بدأ الحرب؟» إلى سؤال «من يهدد المصالح العالمية؟»، وهو ما ظهر جليًا بعد مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، وتراجع إيران عن رواية أن المعتدي، «أمريكا وإسرائيل»، هو من يغلق المضيق، إلى إعلانها أنها من يقوم بذلك.
ومن هنا تبرز أهمية مضيق هرمز، فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل يمثل شريانًا حيويًا لتدفقات الطاقة العالمية، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز، ولذلك فإن أي تهديد للملاحة فيه يعيد ترتيب أولويات المجتمع الدولي، لتصبح حماية التجارة والطاقة أولوية تتقدم على ملفات أخرى.
وهنا يكمن أحد أخطر التحولات السياسية، إذ إن استمرار التركيز الدولي على أمن الملاحة قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام الإعلامي والسياسي بالحرب في غزة، رغم استمرار الكارثة الإنسانية هناك، وهذا لا يعني أن المجتمع الدولي تجاهل غزة بالكامل، وإنما يعني أن مركز الثقل في النقاش الدولي قد ينتقل تدريجيًا إلى أمن الطاقة والممرات البحرية، وهو ما يخلق بيئة أكثر ملاءمة لبناء تحالفات أوسع ضد إيران.
وقد شهد التاريخ أمثلة عديدة على قدرة الأحداث الكبرى على إعادة ترتيب أولويات الرأي العام العالمي، فهجمات الحادي عشر من سبتمبر غيّرت جدول الأعمال الدولي لسنوات، كما أن الغزو الروسي لأوكرانيا نقل مركز الاهتمام الأوروبي إلى أمن الطاقة والدفاع الجماعي.
هل تتوسع جبهة خصوم إيران؟
إذا استمر مسار التصعيد الحالي، فإن الخطر الاستراتيجي لا يكمن فقط في حجم الضربات العسكرية، وإنما في إمكانية اتساع الدائرة المعادية لإيران عسكريًا وسياسيًا.
فكلما ارتبطت إيران في الوعي الدولي بتهديد الملاحة أو استقرار أسواق الطاقة، ازداد استعداد دول أوروبية وغربية وآسيوية للانخراط، بدرجات مختلفة، في جهود الضغط عليها سياسيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا، حتى وإن لم تشارك عسكريًا بصورة مباشرة، وستكون الدول العربية جاهزة للقيام بذلك ما دامت لا ترى من إيران إلا صواريخها، وهو ما يعني أن على إيران إدراك ذلك واستبدال أدواتها.
وفي المقابل، تواجه إيران تحديًا آخر يتمثل في حدود الدعم الذي يمكن أن تتلقاه من شركائها الدوليين، فقد أظهرت تجارب السنوات الماضية أن الصين وروسيا، رغم تعاونهما مع إيران في ملفات متعددة، تتحركان وفق حسابات مصالحهما الوطنية، وليس وفق منطق التحالف العسكري التقليدي.
وهذا يتفق مع المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية التي ترى أن الدول لا تملك صداقات دائمة، بل مصالح دائمة، فروسيا بحاجة لاستمالة الولايات المتحدة لوقف الحرب لصالحها ورفع العقوبات، كما أن الصين لن تستغني عن العلاقة الأربح والأكثر فائدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربي، لصالح إيران التي لا تلتقي معها بشيء إلا بمعاداة غير متساوية مع أمريكا.
خطر تفكيك جبهة المقاومة
إذا تحولت المواجهة إلى سلسلة من الحروب المنفصلة، بحيث يخوض كل طرف معركته الخاصة وفق ظروفه المحلية، فإن النتيجة قد تكون إضعاف القدرة على إنتاج استراتيجية موحدة، في مواجهة مشروع صهيوني عالمي موحد حد التماثل.
فالعمل العسكري المتزامن لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية مشتركة، كما أن تعدد الجبهات قد يؤدي إلى استنزاف الموارد والقدرات السياسية والإعلامية، بحيث يصبح كل طرف منشغلًا بإدارة ساحته الخاصة، بينما يحتفظ الخصم بصورة أوضح لوحدة الهدف وإدارة العمليات.
وهنا لا يصبح السؤال: من يطلق صواريخ أكثر؟ بل: من ينجح في المحافظة على وحدة السردية ووحدة التحالف ووحدة الأهداف؟
السؤال الأبدي: ما العمل؟
إذا كان الهدف الأول هو وقف المأساة الإنسانية في غزة، ومنع اتساع الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة، فإن ذلك يتطلب منع انتقال مركز الصراع من قضية الاحتلال والحقوق الفلسطينية إلى قضية أمن الممرات البحرية وحدها.
كما يتطلب الحفاظ على التمييز بين مسارات الصراعات المختلفة، بحيث لا يؤدي اتساع المواجهة إلى إنتاج اصطفافات دولية جديدة تجعل إنهاء الحرب أكثر صعوبة.
وفي الوقت ذاته، تكشف الأزمة الحالية مجددًا أن الرهان المطلق على الحلفاء الدوليين قد لا يكون كافيًا، فالدول الكبرى تتصرف وفق مصالحها، وليس وفق التزامات أيديولوجية أو أخلاقية، ومن ثم فإن أي استراتيجية طويلة الأمد لا بد أن تُبنى أولًا على عناصر القوة الذاتية، وعلى إدارة سياسية وإعلامية قادرة على المحافظة على شرعية الرواية، بقدر قدرتها على إدارة الميدان.
إن الحرب الدائرة ليست مجرد صراع على الأرض أو على ميزان القوة العسكري، بل هي صراع على تعريف العدو، وعلى تشكيل التحالفات، وعلى احتكار الرواية التي ستحدد في النهاية من يُنظر إليه باعتباره المعتدي، ومن يُنظر إليه باعتباره المدافع، وفي هذا النوع من الحروب، قد تكون خسارة الصورة أخطر من خسارة المعركة العسكرية نفسها، لأن الصورة هي التي تصنع الشرعية، والشرعية هي التي تحدد شكل النظام الإقليمي الذي سيولد بعد انتهاء الحرب.
لا تتبادل الأدوار مع عدوك
بدأت أمريكا العدوان على إيران كمعتدية باعتراف كل العالم، ونجحت إيران في إثبات أن مضيق هرمز مفتوح من طرفها، وأن المعتدي هو من يغلقه، بينما انتهى الحال بعد مذكرة التفاهم إلى العكس؛ إيران تعلن إغلاق المضيق وتسعى لجباية الأموال، والولايات المتحدة تدافع عن المضيق، وتستبدل أهداف حربها على إيران من إسقاط النظام وتدمير إيران إلى تحقيق حماية العالم عبر حماية «حرية الملاحة وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي».







