العالم العربي

إندبندنت: أزمة سبتة تحتاج استجابة جماعية لا هستيريا سياسية


دعت صحيفة «إندبندنت» البريطانية إلى التعامل مع التدفق غير المسبوق لآلاف المهاجرين غير النظاميين من المغرب إلى مدينة سبتة، باعتباره أزمة إنسانية دولية تتطلب استجابة جماعية ومنسقة من إسبانيا والاتحاد الأوروبي ودول الجوار، وليس مجرد أزمة حدودية محلية أو حادث استثنائي.

وأكدت الصحيفة، في افتتاحيتها، أن التعامل مع الأزمة عبر الخطابات المتشددة أو ما وصفته بـ«الهستيريا السياسية» لن يقدم حلولًا حقيقية لملف الهجرة، الذي يرتبط بتعقيدات اقتصادية وإنسانية وسياسية تتجاوز حدود إسبانيا والمغرب.

وأوضحت أن المشاهد التي شهدتها سبتة، من اقتحام الأسوار الحدودية ومحاولات العبور سباحة باستخدام عوامات مطاطية، كشفت حجم المأساة الإنسانية، بعدما أودت الأحداث بحياة ما لا يقل عن 57 شخصًا، بينهم أطفال غير مصحوبين بذويهم، غادر بعضهم المغرب دون علم أسرهم.

ضغط غير مسبوق على سبتة

وأشارت الافتتاحية إلى أن دخول ما يقدر بنحو 60 ألف شخص إلى سبتة خلال يومين فقط شكل ضغطًا غير مسبوق على المدينة، التي لا يتجاوز عدد سكانها 85 ألف نسمة.

ودفعت موجة العبور الجماعي الحكومة الإسبانية إلى نشر الجيش للمساعدة في احتواء الموقف، بالتزامن مع تشديد الاتحاد الأوروبي على ضرورة حماية حدوده الخارجية وتنظيم عمليات الدخول وفق القواعد المعمول بها.

ونقلت الصحيفة عن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وصفها الوضع بأنه «غير مقبول»، وتأكيدها أن دخول أراضي الاتحاد الأوروبي يجب أن يتم وفق القواعد المنظمة للهجرة، في إشارة إلى تمسك بروكسل بسياسات ضبط الحدود.

كما استعرضت الافتتاحية ردود الفعل السياسية التي رافقت الأزمة، ومنها الدعوات إلى تعليق العمل باتفاقية شنغن، رغم أن مدينتي سبتة ومليلية لا تقعان أصلًا ضمن منطقة شنغن.

ولفتت إلى أن قرب سبتة من السواحل الأوروبية يزيد حساسية الوضع، موضحة أن الاتفاق الطارئ الذي أبرمته مدريد والرباط لإعادة أعداد كبيرة من الوافدين إلى المغرب أسهم في الحد من تفاقم الأزمة.

تعقيدات جغرافية وسياسية

ورأت الصحيفة أن الأحداث الأخيرة كشفت محدودية الإجراءات الأمنية المفروضة على حدود سبتة، مع الإقرار بأن الطبيعة الجغرافية للمدينة تجعل السيطرة الكاملة على الحدود أمرًا بالغ الصعوبة.

وأضافت أن الخلافات التاريخية بين المغرب وإسبانيا بشأن السيادة على سبتة ومليلية تزيد تعقيدات الأزمة، وتؤثر في مستوى التعاون بين البلدين في إدارة قضايا الهجرة وحماية الحدود.

وحذرت من أن التركيز الإعلامي المكثف على أحداث سبتة قد يقدم صورة غير دقيقة عن واقع الهجرة إلى أوروبا، مشيرة إلى أن أعدادًا أكبر من المهاجرين تصل إلى الأراضي الإسبانية عبر جزر الكناري وجزر البليار.

وتوقعت أن يعود معظم الذين دخلوا سبتة إلى المغرب، سواء بصورة طوعية أو من خلال إجراءات الإعادة والترحيل إلى وجهات أخرى.

تراجع العبور عبر البحر المتوسط

وأشارت الصحيفة إلى أن بيانات وكالة حماية الحدود الأوروبية «فرونتكس» تظهر تراجع عمليات العبور غير النظامي عبر البحر المتوسط بنحو 25% مقارنة بعام 2025، معتبرة أن ذلك يعكس نجاحًا نسبيًا للسياسات الأوروبية الرامية إلى الحد من تدفقات الهجرة.

وأكدت أن أزمة سبتة تعيد إظهار الهجرة باعتبارها واحدة من أكثر القضايا الدولية تعقيدًا، ولا يمكن التعامل معها من خلال حلول سريعة أو شعارات سياسية تستهدف استثمار المخاوف الشعبية.

ودعت إلى تبني مقاربة شاملة توازن بين حماية الحدود، والاحتياجات الاقتصادية لأسواق العمل، والالتزام بالمبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان، إلى جانب معالجة الأسباب التي تدفع المهاجرين إلى مغادرة بلدانهم.

وخلصت «إندبندنت» إلى أن الهجرة، رغم ما قد يصاحبها من فوضى وتحديات، يمكن أن تحقق فوائد اقتصادية واجتماعية للدول المستقبلة، شريطة إدارتها من خلال سياسات متوازنة ومنظمة، مؤكدة أن أزمة سبتة لا تغير هذه الحقيقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى