مقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: شرق المتوسط… الطاقة والصراع والمستقبل. مصر الممكنة 2030 (61) مصر ومحيطها الإقليمي… (6 من 10)


قبل سنوات قليلة، لم يكن اسم شرق المتوسط يتردد كثيراً في نشرات الأخبار أو تقارير مراكز الدراسات الدولية إلا في نطاقات محدودة. أما اليوم فقد أصبح أحد أكثر المصطلحات حضوراً في النقاشات الاستراتيجية العالمية. وحين كنت أتابع خلال الأشهر الأخيرة عدداً من الحوارات السياسية في باريس وبروكسل حول مستقبل المنطقة، بدا واضحاً أن شرق المتوسط لم يعد مجرد امتداد جغرافي للبحر الأبيض المتوسط، بل تحول إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في خرائط الطاقة والأمن والسياسة الدولية.

وخلال تلك النقاشات كان السؤال المطروح غالباً: من يملك الغاز؟ ومن يسيطر على خطوط النقل؟ ومن سيصبح مركز الطاقة القادم؟ أما السؤال الذي ظل يشغلني فكان مختلفاً: كيف يمكن لمصر أن تتجنب الوقوع في صراعات شرق المتوسط، وأن تتحول بدلاً من ذلك إلى أحد أكبر المستفيدين من فرصه؟

فالتاريخ يعلمنا أن المناطق التي تكتشف فيها الثروات الكبرى لا تتحول دائماً إلى مناطق ازدهار. وأحياناً كثيرة تتحول إلى ساحات تنافس وصراع وتوتر. والفرق لا تصنعه الموارد نفسها، بل السياسات التي تديرها.

شرق المتوسط يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فمنذ اكتشافات الغاز الكبرى في العقود الأخيرة، دخلت المنطقة مرحلة جديدة تماماً. دول كانت تنظر إلى البحر بوصفه حدوداً بحرية بدأت تنظر إليه بوصفه مخزوناً للطاقة. وتحولت المياه التي كانت مجالاً للتجارة والملاحة إلى مساحة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والسياسية.

ولم يكن غريباً أن تظهر خلافات حادة حول ترسيم الحدود البحرية ومناطق الامتياز وحقوق الاستكشاف. كما لم يكن غريباً أن تتداخل المصالح الإقليمية والدولية في هذه المنطقة الصغيرة نسبياً جغرافياً، الكبيرة جداً استراتيجياً.

مصر دخلت هذه المرحلة وهي تمتلك مجموعة من المزايا المهمة. فإلى جانب موقعها الجغرافي، تمتلك بنية تحتية متقدمة نسبياً في مجال الطاقة، ومحطات إسالة، وخبرة فنية متراكمة، وعلاقات واسعة مع أطراف متعددة في المنطقة. ولهذا استطاعت خلال السنوات الماضية أن تتحول إلى أحد اللاعبين الأساسيين في معادلة الطاقة بشرق المتوسط.

غير أن أهمية شرق المتوسط بالنسبة لمصر لا ينبغي أن تُختزل في الغاز وحده. فالنظرة الأوسع تكشف أن القضية أكبر بكثير من مجرد حقول أو أنابيب أو اتفاقيات تجارية. إنها تتعلق بموقع مصر في واحدة من أهم المناطق التي يعاد تشكيلها اقتصادياً وسياسياً خلال العقود القادمة.

ولعل أحد الأخطاء الشائعة في قراءة المشهد أن البعض يتعامل مع الطاقة وكأنها الملف الوحيد الذي يحدد مستقبل المنطقة. بينما الحقيقة أن الطاقة أصبحت مدخلاً لسلسلة واسعة من التحولات الاقتصادية والجيوسياسية. فحيث توجد الطاقة توجد الاستثمارات. وحيث توجد الاستثمارات تنشأ مشروعات البنية الأساسية. وحيث تنشأ هذه المشروعات تتغير موازين النفوذ والعلاقات الإقليمية.

ولهذا فإن الرؤية المصرية المطلوبة يجب أن تكون أوسع من مجرد إدارة ملف الغاز. يجب أن تكون رؤية متكاملة لشرق المتوسط باعتباره مجالاً للتعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والبيئي أيضاً.

فالعالم يتحرك بسرعة نحو الطاقة النظيفة. وقد يأتي وقت تصبح فيه قيمة بعض البنى التقليدية أقل مما هي عليه اليوم. أما ما سيبقى مهماً فهو القدرة على تحويل الثروة الطبيعية إلى معرفة وصناعة وتكنولوجيا ومراكز بحث وقدرات بشرية قادرة على المنافسة.

ومن هنا تبدو العلاقة بين شرق المتوسط والطاقة الخضراء وثيقة للغاية. فالمستقبل لا يقتصر على الغاز وحده، بل يشمل الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي والطاقة المتجددة والبنية التحتية الذكية. ومصر تمتلك فرصة حقيقية لتكون في قلب هذه التحولات إذا أحسنت التخطيط لها.

لكن الفرص الكبرى لا تأتي بلا مخاطر.

فشرق المتوسط شهد خلال السنوات الماضية توترات متعددة ارتبطت بترسيم الحدود البحرية وبالصراعات الإقليمية وبالتنافس الدولي. كما أن استمرار الأزمات المفتوحة في عدد من دول المنطقة يجعل من الصعب فصل الاقتصاد عن السياسة أو الطاقة عن الأمن.

ولهذا فإن أحد أهم التحديات أمام مصر يتمثل في الحفاظ على التوازن. توازن يسمح لها بحماية مصالحها الوطنية دون الانجرار إلى استقطابات حادة. ويمنحها القدرة على بناء شراكات متعددة دون الدخول في محاور مغلقة. فالقوة الحقيقية للدولة لا تظهر فقط في قدرتها على خوض الصراعات، بل أيضاً في قدرتها على تجنب الصراعات غير الضرورية.

ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية مرة أخرى. فملفات الطاقة لم تعد ملفات فنية بحتة. إنها ملفات سياسية واقتصادية وأمنية في الوقت نفسه. وأي نجاح طويل الأمد في هذا المجال يحتاج إلى مزيج من الكفاءة الفنية والرؤية السياسية والقدرة على بناء الثقة مع الأطراف المختلفة.

وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الدول التي نجحت في إدارة مواردها الطبيعية هي تلك التي ربطت هذه الموارد بمشروع تنموي أوسع. أما الدول التي اكتفت بتصدير المواد الخام أو التعامل مع الثروة بوصفها غاية في ذاتها فقد وجدت نفسها بعد سنوات أمام فرص ضائعة أكثر مما وجدت أمام نجاحات مستدامة.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح في مصر ليس: كم نملك من الغاز؟

بل: ماذا سنفعل بما نملكه؟

هل سنحول الطاقة إلى قاعدة لصناعة وطنية أكثر تطوراً؟

هل سنستخدم العائدات في تطوير التعليم والبحث العلمي؟

هل سنبني اقتصاداً أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة؟

هل سنحول موقعنا إلى مركز إقليمي للمعرفة والخدمات والطاقة؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من حجم الاحتياطات نفسها. لأن الثروة الحقيقية ليست ما يخرج من باطن الأرض، بل ما تستطيع المجتمعات أن تبنيه فوق الأرض.

وفي هذا السياق تكتسب مبادرة «المصير المشترك 2035» بعداً إضافياً. فالمبادرة تنطلق من فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: أن مشكلات المنطقة لا يمكن حلها بعقلية الصراع الدائم، وأن المصالح المشتركة أصبحت أكبر من أن تتجاهلها الدول والشعوب.

الطاقة مثال واضح على ذلك. فالكهرباء لا تعترف بالحدود السياسية. وخطوط النقل والربط تحتاج إلى التعاون. والاستثمارات تحتاج إلى الاستقرار. والتكنولوجيا تحتاج إلى الشراكات. ولهذا فإن مستقبل شرق المتوسط لن يتحدد فقط بما تملكه الدول من موارد، بل بقدرتها على بناء أطر تعاون تحقق المصالح المتبادلة.

ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة الأوروبية نفسها هو أن التعاون الاقتصادي كان في كثير من الأحيان مدخلاً لتخفيف الصراعات السياسية. ولم تبدأ أوروبا الحديثة باتحاد سياسي كامل، بل بدأت بمصالح اقتصادية متشابكة جعلت الحرب أقل جدوى وأكثر كلفة.

صحيح أن ظروف شرق المتوسط مختلفة، لكن الفكرة الأساسية تبقى صالحة: المصالح المشتركة قادرة أحياناً على فتح الأبواب التي تعجز السياسة التقليدية عن فتحها.

ولهذا فإن مصر الممكنة لا تنظر إلى شرق المتوسط بوصفه ساحة تنافس فقط، بل بوصفه مجالاً لبناء فرص جديدة. فرص في الطاقة، وفي التكنولوجيا، وفي التجارة، وفي النقل، وفي الاقتصاد الأزرق، وفي التعاون العلمي والثقافي.

فالموقع الذي منحته الجغرافيا لمصر لا ينبغي أن يتحول إلى عبء سياسي أو مصدر قلق دائم. بل يجب أن يتحول إلى رصيد استراتيجي يفتح آفاقاً جديدة للنمو والدور والتأثير.

وربما تكون هذه هي القضية كلها.

فشرق المتوسط ليس مجرد ملف للطاقة.

وليس مجرد ساحة للصراع.

وليس مجرد مساحة بحرية تحمل ثروات طبيعية.

إنه اختبار جديد لقدرة مصر على تحويل الجغرافيا إلى سياسة، والسياسة إلى تنمية، والتنمية إلى مستقبل.

والمستقبل في النهاية لا تصنعه الثروات وحدها.

بل تصنعه الرؤية التي تعرف كيف تستخدم هذه الثروات.

وحين تمتلك الأمم هذه الرؤية…

تتحول البحار من حدود تفصلها عن العالم…

إلى جسور تعيدها إليه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى