شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب… زعيم المنفيين.. الأستاذ مات قبل أن تصل أسرته!


صباح إسطنبول، كان يمشي على أطراف أصابعه، كأنه يخشى أن يوقظ أحدًا من النائمين تحت ترابها. عبرت وحدي الطريق الصاعد إلى مقبرة «يحيى أفندي» في منطقة بشكتاش. كانت الأشجار العتيقة تنثر أوراقها الصفراء كعادتها في خريف أكتوبر. صعدت على ممر حجري في هدوء، فيما كان البوسفور، البعيد بخطوات قليلة، يلمع تحت شمس خجولة، كأنه يعرف أن في هذا المكان رجلًا لم يغادره الحنين إلى النيل يومًا.

توقفت أمام شاهد قبر بسيط… بسيط إلى حد الأسف والدهشة. لا شيء فيه يوحي بأن تحته يرقد رجل كانت كلماته، قبل أكثر من قرن، تهز الشوارع، وتوقظ الضمائر، وتربك دولًا وممالك كاملة.

مددت يدي إلى الحجر البارد، ولم أشعر أنني ألمس رخامًا… بل شعرت أنني أصافح زمنًا كاملًا من الوجع.

كانت تلك زيارتي الأولى إليه في يوم ١١ من أكتوبر، قبل عشرة أعوام، في الذكرى المئة والعشرين لرحيله، التي احتفلت بها معه وحدي. التقطت يومها صورة إلى جوار قبره، ثم غادرت المكان، لكن شيئًا مني بقي هناك.

ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت بالقرب من هذه المنطقة التي توجد بها المقبرة، يراودني إحساس غريب بأن هذا الرجل لم ينتهِ بعد، وأن بعض البشر لا تدفنهم الأرض، بل تحفظهم في انتظار من يعيد حقهم في الذاكرة.

وبعد شهر، سأعود إلى الموضع نفسه، لكن بعد ١٠ سنوات، في الذكرى المئة والثلاثين لرحيل عبد الله النديم، لكنني لن أكون وحدي، بل ضمن فعاليات جمعية الشرق للثقافة والحضارة، وقناة الشرق. سنعود لا لنحيي ذكرى وفاة رجل، بل لنصافح روحًا مصرية دفعت ثمن الكلمة، وعاشت للحرية، ثم رحلت بعيدًا عن كل من أحبت.

وأنا أقف منذ عقد أمام قبره، لم يخطر ببالي أولًا أنه كان خطيب الثورة العرابية، ولا أحد رواد الصحافة الوطنية، ولا الأديب الذي صنع مدرسة كاملة في الكتابة الساخرة، ولا الرجل الذي كان الاحتلال يخشاه أكثر مما يخشى كثيرًا من حملة البنادق.

الذي شغلني يومها كان سؤالًا واحدًا…

كيف استطاع أن يحتمل كل هذا؟

كيف عاش سنواته الأخيرة، وهو يعلم أن أسرته بعيدة، وأصدقاءه بعيدون، لا يملكون شجاعة ذكر اسمه، وتلاميذه الذين ملأوا الساحات بصوته لم يعودوا قادرين حتى على السؤال عنه، أو الإمساك بيده وهو يصارع المرض والموت؟

أدركت، في تلك اللحظة، منذ ١٠ سنوات، أن أقسى ما في الاقتلاع من الجذور ليس فراق المكان… بل فراق الوجوه.

فالوطن ليس ترابًا وحدودًا ونهرًا وعلمًا.

الوطن هو من يعرف ملامح تعبك قبل أن تنطق بها.

وأخ أو ابن يطمئنك، بمجرد أن يطرق بابك أو يجلس إلى جوارك ويحدثك.

وصديق يزورك بلا موعد أو يلتقيك صدفة.

وتلاميذ وأنصار يؤمنون أن معلمهم سيظل واقفًا بينهم إلى الأبد.

كل ذلك حُرم منه عبد الله النديم، وهو يقترب من نهاية الرحلة المبكرة، وهو في سن ٥٤ عامًا.

لم يكن مرض السل وحده ينهش صدره… كان صمت الأحبة يفعل.

وكان الانتظار يفعل.

وكان الشوق الذي لا يجد طريقًا إلى أصحابه يفعل أكثر.

هناك رجال يموتون لأن أجسادهم تعبت…

وهناك رجال تتعب أرواحهم قبل أجسادهم.

وأحسب أن عبد الله النديم كان من هؤلاء. فلم يكسره المرض بقدر ما كسرته الوحدة. ولم تهزمه الغربة لأنها أبعدته عن مصر فحسب، بل لأنها أبعدته عن أسرته، وعن كل الوجوه التي كان يرى فيها مصر.

ولعل ما أبكاني، وأنا أقرأ سيرته، أنه لم يطلب في أيامه الأخيرة جاهًا ضائعًا، ولا منصبًا، ولا انتقامًا ممن ظلموه.

كل ما تمناه…

أن يرى أسرته.

أن يرى من أحبهم.

أن يطمئن قلبه، ولو للحظة، بأن شيئًا من وطنه قد وصل إليه.

يا لها من أمنية متواضعة…

ويا لها من أمنية استعصت حتى على رجل عاش عمره كله يمنح الناس الأمل.

لم يكن النديم قديسًا، ولم يكن أسطورة من صنع الخيال الشعبي. كان إنسانًا.

ولهذا أحبه الناس.

ولهذا خافت منه السلطة.

ولهذا بقي، بعد مئة وثلاثين عامًا، أقرب إلينا من كثيرين عاشوا بعده.

وربما لهذا أيضًا، لم أشعر وأنا أقف أمام قبره أنني أقف أمام رجل من القرن التاسع عشر. بل شعرت أنني أقف أمام صفحة من حكاية لم تنتهِ بعد…

حكاية كل من دفع ثمن رأيه.

وكل من اقتُلع من أرضه لأنه أحبها أكثر مما ينبغي.

وكل من حمل وطنه في قلبه، حتى أصبح القلب وطنه الأخير.

لم يبدأ عبد الله النديم حياته بطلًا في كتب التاريخ، ولم يولد وفي يده قلم من ذهب، ولا على كتفيه نجوم أو نياشين. خرج من قلب الناس، فبقي واحدًا منهم حتى آخر يوم في حياته. وربما كانت هذه هي أولى عبقرياته… أنه لم يتعالَ على الشعب يومًا، لأنه كان جزءًا منه.

كان يعرف الأسواق أكثر مما يعرف القصور، ويجيد الإنصات إلى أحاديث البسطاء أكثر مما يجيد مجاملة أصحاب النفوذ.

لذلك لم تكن كلماته تبدو وكأنها تُلقى على الناس، بل كانت تخرج من بينهم، تحمل لهجتهم، وتفهم أحلامهم، وتعرف مواطن وجعهم.

وإذا كانت الأمم تُعرف أحيانًا بقادتها، فإن الأزمنة تُعرف بأصواتها. وكان عبد الله النديم، دون مبالغة، أحد أعظم الأصوات التي أنجبتها مصر في القرن التاسع عشر.

قرأت بعضًا من مقالاته وخطبه.

كان خطيبًا لا يقنعك فقط… بل يجعلك ترى الفكرة رأي العين. وكانت عباراته تمتلك حرارة الحياة نفسها؛ صورًا، وحكايات، وضحكات، ودموعًا، حتى يُخيّل إلى السامع أنه لا يستمع إلى خطيب، بل يعيش معه ما يقول.

أما قلمه، فقد سبق عصره. لم يكن يكتب للنخبة وحدها، بل كتب للمجتمع كله. جعل من الصحافة مدرسة للتنوير، ومن المقال قضية، ومن السخرية الراقية وسيلة لمقاومة الاستبداد، لا للتشهير بالناس.

وكانت مجلته «الأستاذ» صفحة مشرعة على مستقبل الصحافة العربية، لا مجرد مطبوعة تصدر ثم تُنسى.

ولم يكن الاحتلال البريطاني يخشاه لأنه يحمل سلاحًا، وإنما لأنه كان يحمل شعبًا كاملًا في كلماته، وصوتًا لآلام الأمة المصرية في صوته.

فالسلطة تستطيع أن تصادر صحيفة، لكنها تعجز عن مصادرة فكرة إذا استقرت في قلوب الناس.

ثم جاءت العاصفة…

وسقطت الثورة العرابية.

وتبدلت حياة الرجل كلها.

لم يعد الخطيب الذي تلتف حوله الجماهير… بل أصبح المطارد الذي يخشى أن يلتفت أو يتعرف على وجهه عابر سبيل.

عاش سنوات طويلة متنقلًا بين البيوت والقرى، يغير اسمه، ويبدل هيئته، ويختبئ، حتى أصبح الاختباء أسلوب حياة. لم يكن يخاف على نفسه بقدر ما كان يخاف أن تنطفئ الكلمة التي عاش من أجلها، أو يُضار بسببه من تستروا عليه، حتى تمت الوشاية به أثناء وجوده في قرية «ميت الغرقا»، مركز طلخا، بلدة توفيق عكاشة.

ثم جاء القرار الذي يعرف المنفيون جميعًا طعمه المر…

أن يغادر خارج مصر.

وما أقسى أن يقال لإنسان أحب وطنه حتى أفنى عمره في خدمته:

ليس لك مكان فيه!

خرج عبد الله النديم من مصر، لكن مصر لم تخرج منه. كانت تسافر معه من الشام إلى الأستانة.

كانت مصر في حقيبته.

في أوراقه.

في صلاته.

في أحلامه.

وفي تلك اللحظات، كان يظن، بين النوم واليقظة، أنه ما زال يسمع ضجيج القاهرة، أو يشم رائحة النيل في البوسفور، أو يرى وجوه البسطاء الذين أحبهم.

ولهذا يمكن أن نقول، دون أن نجافي الحقيقة، إن عبد الله النديم أمضى نحو خمسة عشر عامًا من عمره الأخير بين الاختفاء والاقتلاع من وطنه. خمسة عشر عامًا لم يعرف فيها الاستقرار ليلة، وظل خلالها مطاردًا أو مبعدًا، حتى انتهت رحلته بعيدًا عن الأرض التي أحبها أكثر من نفسه.

لم تكن تلك السنوات خمسة عشر رقمًا في سجل… كانت خمسة عشر خريفًا مرّ على قلبه.

وخمسة عشر رمضانًا افتقد فيها دفء أسرته وأمه ولَمّة الإفطار.

وخمسة عشر عيدًا لم يسمع فيها ضحكة أخ، ولا دعاء أم، ولا مصافحة صديق قديم.

وكان كل عام يمضي، يزيد المسافة بينه وبين الوطن، ويزيد الوطن حضورًا في قلبه.

حين اشتد عليه المرض في إسطنبول، لم يكن الجسد وحده هو الذي أنهكه. كانت روحه قد تعبت من طول الانتظار. لم يطلب أن يُعاد إليه منصب، ولا أن يُرد إليه مجد.

طلب شيئًا واحدًا…

أن تأتي أسرته.

أن يرى أمه.

أن يرى أخاه.

كان يريد أن يطمئن، قبل أن يغادر الدنيا، أن شيئًا من مصر قد وصل إليه.

نعم… وافقت السلطات المصرية…

وانطلقت الأسرة في رحلتها الطويلة عبر البحر. لكن الزمن كان قد سبقها.

وصل الأحبة… متأخرين…

فصاحب الموعد كان قد رحل.

وقادهم إلى قبره رجل يعرف هو الآخر معنى المنفى. هو جمال الدين الأفغاني.

أتوقف طويلًا أمام هذا المشهد.

لا أقرأه كسياسي… بل كإنسان.

وأتساءل:

كم من الأحلام ماتت قبل أصحابها؟

وكم من اللقاءات تأخرت دقائق… فصارت مستحيلة إلى الأبد؟

ربما لهذا، حين أقف أمام قبر عبد الله النديم، لا أشعر أنني أزور رجلًا من الماضي.

أشعر أنني أزور ذاكرة حية، تذكرنا بأن الكلمة الصادقة قد تُطارد، وقد تُنفى، وقد يموت صاحبها بعيدًا عن وطنه… لكنها لا تموت معه.

وبعد أيام، سأقف مرة أخرى أمام قبره، في الذكرى المئة والثلاثين لرحيله.

وسأتذكر أن الزمن يمضي…

لكن الوفاء يبقى.

وأتمنى أن تتحول هذه الذكرى إلى مناسبة يستعيد فيها المصريون واحدًا من أنبل أبنائهم.

فمن لم يستطع أن يزور قبره في إسطنبول، فليزره بقلبه.

ليقرأ له صفحة.

أو يبحث عن أحد كتبه.

أو يروي لأبنائه حكايته.

أو يكتب عنه سطرًا.

أو يترحم عليه.

فالأمم العظيمة لا تحفظ رجالها بالحجارة… بل تحفظهم في ضمير أجيالها.

أما نحن…

فسنقف أمام قبره مرة أخرى.

لا لنرثي رجلًا مات قبل أن تصل أسرته…

بل لنقول له، بعد مئة وثلاثين عامًا:

لقد تأخرنا كثيرًا…

لكننا لم ننساك.

سلام عليك يا عبد الله النديم…

وسلام على كل من دفع ثمن حبه لوطنه.

وسلام على كل من غادر الدنيا، قبل أن يكتمل اللقاء الذي انتظره طويلًا.

لا أطلب من أحد نقل رفاته إلى مصر، أو حتى زيارة رسمية لقبره، بل أن نحييه ونشكره بطرقنا المختلفة:

أن نقرأ تراثه،

أو نبحث في سيرته،

أو نحدث أبناءنا عنه،

كما فعلت اليوم مع ابني،

أن نترحم عليه، ونكتب عنه ولو سطرًا.

أما أنا، فحين أغادر المقبرة سألتفت كما فعلت قبل عشر سنوات، لأجدد وعدي:

أن يبقى اسمه حيًا ما دام في العمر بقية.
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى