«ذاكرة التاريخ».. رحيل محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة وباني نهضتها المعاصرة

شهد تاريخ شهر أغسطس رحيل الزعيم التاريخي محمد علي باشا في الثاني من شهر أغسطس عام 1849 الموافق الثالث عشر من شهر رمضان عام 1265 هجرياً، داخل قصر رأس التين بمدينة الإسكندرية، بعد رحلة حافلة بالصراعات والإنجازات التي غيرت وجه الحياة السياسية والعسكرية والصناعية والزراعية والتعليمية والتجارية على مدار ثلاثة وأربعين عاماً كاملة منذ توليه مقاليد الأمور في السابع عشر من شهر مايو عام 1805 وحتى عام 1848، وسط انقسام واسع بين المؤيدين والمعارضين حول طبيعة تلك المرحلة المفصلية، بينما يبقى الثابت تاريخياً أنه الرجل الذي وضع حجر الأساس للكيان العصري الحديث بفضل رؤيته الاستراتيجية واستعانته بالخبراء الأوروبيين لدعم مشروعاته الكبرى التي جعلت البلاد تحوز ثقلاً إقليمياً ودولياً بارزاً في تلك الحقبة الزمنية المعقدة.
تحول تاريخي كشف أسرار صعود مؤسس الإمبراطورية وباني نهضة الأمة في أغسطس
بدأت جذور تلك الشخصية الاستثنائية من مدينة قولة الواقعة بشمال اليونان حيث أبصر النور في عام 1769 لأسرة ألبانية عريقة ترأس فيها والده إبراهيم أغا فرقة الحرس المسؤولة عن تأمين الطرق، وتوفي والده مبكراً ثم رحلت والدته ليواجه اليتم وهو في الرابعة عشرة من عمره، وتولى كفالته عمه طوسون الذي مات بدوره ليتولى رعايته حاكم قولة وصديق والده الشوربجي الذي أدخله ميدان الجندية فأظهر كفاءة وشجاعة فريدة جعلت الحاكم يزوجه من أمينة هانم التي أنجبت له إبراهيم وطوسون وإسماعيل وابنتين، ومع قرار السلطان العثماني إرسال قوات عسكرية لطرد الفرنسيين، جاء نائباً لرئيس الكتيبة الألبانية المكونة من ثلاثمائة جندى التي قادها بعد عودة ابن حاكم قولة لبلده، لتبدأ الفصول الكبرى للصراع عقب انسحاب الحملة الفرنسية تحت ضغط الهجمات الإنجليزية على الموانئ والزحف العثماني نحو الشام ونزاعات المماليك على مقاليد الحكم، إلى أن فشل الوالي الجديد أحمد خورشيد باشا في ضبط الفوضى ليقوم زعماء الأمة بقيادة نقيب الأشراف عمر مكرم باختيار القائد الألباني حاكماً جديداً وهو ما وافق عليه الباب العالي بعزل خورشيد باشا.
أحكم الزعيم الراجل قبضته على السلطة عبر تخلص مدروس من منافسيه بدءاً بنقيب الأشراف عمر مكرم مروراً بالقضاء النهائي على خطر المماليك عبر مذبحة القلعة الشهيرة عام 1811، ليؤسس منظومة عصرية متكاملة استمرت حتى وفاته في الثاني من شهر أغسطس عام 1849، تاركاً إرثاً ضخماً من الاصلاحات الشاملة التي أعادت تشكيل الخريطة الإقليمية وصنعت مجداً خالداً في ذاكرة الأجيال المتعاقبة حتى يومنا هذا، ومخلفاً وراءه إمبراطورية مترامية الأطراف استندت إلى أسس إدارية واقتصادية غيرت شكل المنطقة برمتها وجعلت من جهوده علامة فارقة في تاريخ المنطقة العربية والشرق أوسطية.








