شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: الدبلوماسية الشعبية… الجناح الثاني للسياسة الخارجية. مصر الممكنة 2030 (62) مصر ومحيطها الإقليمي… (7 من 10)


لم تعد السياسة الخارجية في عالم اليوم حكرًا على وزارات الخارجية وحدها، ولا شأنًا مغلقًا بين السفراء والبيانات الرسمية وغرف الاجتماعات المحصنة. فقد تغير العالم، واتسعت ساحات التأثير، وصارت الدول التي تفهم عصرها تدرك أن صورتها في الخارج لا تصنعها الحكومات وحدها، بل تصنعها أيضًا الجامعات والأحزاب والنقابات والبرلمانيون السابقون والمثقفون والإعلاميون ومراكز الفكر والجاليات الوطنية في المنافي والمهاجر.

ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية الشعبية بوصفها الجناح الثاني للسياسة الخارجية، لا بديلًا عنها ولا خصمًا لها، بل امتدادًا ناعمًا وذكيًا لقدرة الدولة والمجتمع على شرح قضاياهما، وبناء صداقات جديدة، وتخفيف سوء الفهم، وفتح نوافذ لا تستطيع الدبلوماسية الرسمية دائمًا أن تطرقها.

مصر الممكنة تحتاج إلى هذا الجناح الغائب. تحتاج إلى سياسة خارجية لا تتحدث فقط باسم الدولة، بل تسمح للمجتمع المصري كله أن يكون حاضرًا في العالم. فالدولة التي تحتكر الكلام تضعف صوتها، أما الدولة التي تحسن تنظيم تعدد الأصوات داخل إطار وطني رشيد فإنها تكسب مساحة أوسع من التأثير والاحترام.

وخبرتنا السياسية والحزبية والبرلمانية علمتنا أن كثيرًا من الأبواب التي تبدو مغلقة رسميًا يمكن أن تفتحها الحوارات غير الرسمية، وأن كثيرًا من الصور الظالمة أو الناقصة عن بلد ما يمكن أن تعاد صياغتها عبر لقاء صادق، أو مبادرة فكرية، أو مؤتمر مدني، أو جسر ثقافي طويل النفس.

ليست الدبلوماسية الشعبية ترفًا سياسيًا. إنها ضرورة في عالم تتنافس فيه الدول على العقول قبل الأسواق، وعلى الصورة قبل المواقف، وعلى الثقة قبل الاتفاقيات. وهي في الحالة المصرية ليست رفاهية إضافية، بل حاجة وطنية لإعادة بناء حضور مصر في محيطها العربي والأفريقي والمتوسطي والدولي.

فمصر التي تملك واحدة من أوسع الجاليات في الخارج، وتملك تاريخًا ثقافيًا وسياسيًا عميقًا، وتملك خبرات حزبية وبرلمانية ونقابية وفكرية واسعة، لا يجوز أن تترك هذه الثروة البشرية مبعثرة، ولا أن تتعامل معها كأفراد معزولين لا كرصيد وطني يمكن أن يضيف إلى الدولة لا أن ينتقص منها.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول الذكية لا تخاف من دبلوماسية المجتمع، بل تنظمها وتستفيد منها. فالأحزاب في أوروبا تتحاور عبر الحدود، والبرلمانيون السابقون يشاركون في بناء المبادرات، ومراكز الفكر تقترح مسارات للسياسات العامة، والجامعات تصنع جسورًا معرفية لا تستطيع الحكومات وحدها أن تبنيها.

أما في مصر، فقد غلبت لسنوات طويلة نظرة ضيقة ترى في كل مبادرة مستقلة شبهة، وفي كل حوار غير رسمي خطرًا، وفي كل صوت خارج الجهاز الرسمي تهديدًا. وهذه النظرة أضرت بمصر أكثر مما حمتها، لأنها اختزلت الوطن في السلطة، واختزلت السياسة الخارجية في البيانات، واختزلت المجتمع في جمهور صامت ينتظر ما يقال له.

مصر الممكنة يجب أن تتجاوز هذا الخوف القديم. فالوطن أكبر من الحكومة، والدولة أوسع من النظام، والمصلحة الوطنية لا يحرسها صوت واحد مهما علا، بل تحرسها شبكة واسعة من الأصوات الوطنية المتنوعة التي تختلف في الرأي لكنها لا تختلف على قيمة مصر ومكانتها ومستقبلها.

وفي هذا السياق تأتي أهمية المبادرات المدنية والفكرية العابرة للحدود، لا بوصفها منافسًا للدبلوماسية الرسمية، بل بوصفها مساحة تمهيدية للحوار، ومختبرًا للأفكار، وجسرًا بين المجتمعات. فكثير من التحولات الكبرى في التاريخ بدأت في قاعات غير رسمية، ثم وجدت طريقها لاحقًا إلى المؤسسات الرسمية.

من هنا يمكن فهم قيمة مبادرة «المصير المشترك 2035» باعتبارها نموذجًا للدبلوماسية الشعبية التي لا تسعى إلى خطف دور الدولة، بل إلى توسيع أفق الحوار حول مستقبل المنطقة. فهي لا تبدأ من سؤال من يحكم، بل من سؤال أعمق: كيف يمكن لشعوب هذه المنطقة أن تعيش معًا، وتتعاون معًا، وتنجو معًا من أزمات لم تعد تعترف بالحدود؟

إن مصر الممكنة تحتاج إلى مجلس وطني للدبلوماسية الشعبية يضم شخصيات سياسية وفكرية وبرلمانية وأكاديمية ونقابية وشبابية، يعمل بالتنسيق لا بالوصاية، وبالاستقلال الوطني لا بالتبعية، ويضع خريطة سنوية للحوار مع العالم العربي وأفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة وآسيا.

وتحتاج كذلك إلى تمكين الجاليات المصرية في الخارج من أداء دورها الوطني بصورة أرقى. فالمصري المقيم في باريس أو برلين أو لندن أو واشنطن ليس مجرد مغترب يرسل تحويلات مالية، بل سفير اجتماعي وثقافي وإنساني، يستطيع أن يشرح بلده، وينقل خبرته، ويدافع عن مصالح مواطنيه، ويبني علاقات لا تقدر بثمن.

كما تحتاج مصر إلى ربط الجامعات المصرية بشبكات بحث دولية، وربط الأحزاب المصرية بنظيراتها في العالم، وربط النقابات المهنية بمؤسساتها العالمية، وفتح المجال أمام المثقفين والفنانين والإعلاميين ليكونوا جزءًا من معركة الصورة والوعي والتأثير.

فالقوة الناعمة لا تعود بالحنين وحده. لا يكفي أن نقول إن مصر كانت تقود وتؤثر وتلهم. السؤال الحقيقي: ماذا نفعل اليوم كي تستعيد مصر هذه القدرة؟ وكيف ننتقل من البكاء على زمن مضى إلى صناعة زمن جديد؟

الدبلوماسية الشعبية هي أحد مفاتيح هذا الزمن الجديد. فهي لا تحتاج إلى جيوش ولا ميزانيات ضخمة، بل تحتاج إلى رؤية وثقة وانفتاح وإيمان بأن المجتمع ليس عبئًا على الدولة، بل أحد مصادر قوتها.

مصر الممكنة لا تخاف من أصوات أبنائها في الخارج، ولا ترتبك من مبادراتهم، ولا تتعامل مع اختلافهم السياسي كجريمة. بل ترى في كل مصري حر قادر على الحوار جسرًا إضافيًا بين الوطن والعالم.

وهكذا تصبح الجغرافيا السياسية لمصر أوسع من حدودها. تمتد عبر مواطنيها، وعبر ثقافتها، وعبر تاريخها، وعبر قدرتها على الحديث مع الآخرين لا من فوقهم ولا من تحتهم، بل من موقع الندّية والثقة والاحترام.

ففي العالم الجديد، لا يكفي أن تملك الدولة سفارات. عليها أن تملك قصة مقنعة. ولا يكفي أن تصدر بيانات. عليها أن تبني جسورًا. ولا يكفي أن تطلب الاحترام. عليها أن تصنع أسباب الاحترام.

وحين تستعيد مصر هذا المعنى، لن تكون الدبلوماسية الشعبية هامشًا على دفتر السياسة الخارجية، بل فصلًا أساسيًا في كتاب الدور المصري الجديد.

فالأمم لا تعود إلى العالم بخطاب رسمي وحده.

بل تعود حين يتكلم شعبها بثقة.

وحين تتحول مواهب أبنائها إلى جسور.

وحين يصبح الوطن فكرة قادرة على الإقناع…

لا مجرد حدود تنتظر الاعتراف.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى