د. أيمن نور يكتب: مدبولي… ساحرًا على مائدة عشاء، لا رئيسًا للوزراء

يوشك الدكتور مصطفى مدبولي أن يلامس سقف الثماني سنوات في رئاسة الوزراء. رقم لا يمر كذكرى عابرة. ثماني سنوات تكفي لأن يعرف الكرسي وزن صاحبه، ففي السياسة، لا تُقاس الأعمار بطول البقاء، بل بثقل الأثر. ولا تمنح السنوات الطويلة وسامًا تلقائيًا، بل تفتح دفتر الحساب من أول صفحة.
كلما اقترب السؤال عن تغيير الحكومة، خرجت العبارة المحنطة من خزانة السلطة: لا بديل عن مدبولي. والحقيقة أنني أوافقهم تمامًا… لا بديل عنه، إن كان المطلوب رئيس وزراء بمواصفات مدبولي. رجل هادئ. مهذب. أنيق. مرتب. صبور. قليل الصدام. يعرف كيف يقف في الصورة، وكيف يشرح الأزمة دون أن يزعج صانعها، وكيف يوزع الابتسامات بينما الفواتير تعبر من فوق كتفه إلى جيوب الناس.
أما إن كان المطلوب رئيس وزراء كما تعرفه الدول، وكما تحتاجه مصر في لحظة أزمة، فالسؤال مختلف تمامًا. مصر تحتاج رئيس حكومة لا يكتفي بتلقي القرارات وتلميعها. لا تحتاج رئيس حكومة يتحول إلى مترجم رسمي للقرارات التي لا يملك مناقشتها.
لدي، منذ سنوات، تحفظات قديمة على الدكتور مدبولي، بعضها مرتبط بوقائع وخبرات سبقت توليه وزارة الإسكان، وكنت شاهدًا على بعضها. ومع ذلك لم أتعامل معه بخصومة شخصية. بل كنت، في لحظات كثيرة، مستعدًا لتقبله. ربما لأسباب ليست كلها موضوعية. منها صلة قرابته التي لا يعرفها كثيرون بأستاذنا الكبير المستشار ممتاز نصار. ومنها أن الرجل، في سلوكه الشخصي، يبدو مهذبًا، منضبطًا، قليل الخشونة، حسن الهيئة، وفي سن مناسبة.
لكن الدول لا تختار رؤساء حكوماتها كما تختار ضيفًا لطيفًا على مائدة عشاء. الأدب فضيلة، لكنه لا يخفض الدين. حسن المظهر ميزة، لكنه لا يوقف انهيار العملة. الهدوء الشخصي محترم، لكنه لا يصنع صناعة، ولا يفتح سوقًا، ولا يحمي طبقة وسطى تتسلل من بيتها القديم إلى رصيف القلق.
لا نطلب ولا نتوقع من الدكتور مصطفى مدبولي أن يتحول إلى ساحر يخرج المناديل والحمام من أكمامه! لكن من حقنا أن نسأل عن النتائج بعد نحو ثماني سنوات.
فلا يجوز أن يبقى السؤال: هل الرجل لطيف؟ بل: هل نجح؟ هل حمى الجنيه؟ هل ضبط الدين؟ هل أطلق الإنتاج؟ هل خفف الفقر؟ هل صنع أملًا؟ هل قدم سياسة اقتصادية تقف على قدميها دون عكاز قرض جديد، وتعويم جديد، وبيان جديد يطلب من الناس أن يتحملوا؟
أما عبارة: لا يوجد بديل، فهي لا تمدح مدبولي بقدر ما تهين مصر. بلد يتجاوز مئة مليون إنسان، وفيه آلاف العقول الاقتصادية والإدارية والقانونية، لا يصح أن يبدو كأن منصب رئيس الوزراء صار مقاسًا خاصًا لا يناسب إلا شخصًا واحدًا. هذه ليست شهادة كفاءة. هذه شهادة عجز في نظام الاختيار.
مصر لا تحتاج رئيس حكومة مهذبًا فقط. تحتاج رئيس حكومة قادرًا. مبادرًا. مستقلًا. يعرف أن إنقاذ بلد مأزوم ليس تمرينًا في حسن العرض، بل معركة رؤية وشجاعة ومحاسبة. ولا تحتاج وقتًا أطول لنفس الطريق. تحتاج طريقًا آخر. ولا تحتاج تخليد أشخاص. تحتاج محاسبة سياسات.
هذا رأيي… فهل تسمعني؟







