
صدق المواطن … وكذبت الحكومة
هناك فارق جوهري بين أزمة اقتصادية تفقد فيها الدولة توازن أرقامها، وأزمة أعمق تفقد فيها مؤسساتُ الحكم شرعيتها الأخلاقية والقانونية أمام مواطنيها. والأزمة الثانية، لا الأولى، هي ما يعيشه الشارع المصري اليوم؛ إذ اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي المطمئن والواقع المعيشي اليومي إلى حد لم تعد معه الكلمات قادرة على تجميله، ولا الشاشات قادرة على حجبه.
أولاً: مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، بين النص والممارسة
يقوم النظام القانوني والدستوري في أي دولة حديثة على مبدأ راسخ هو “المساواة أمام الأعباء العامة” بمعنى أن التضحيات التي تفرضها الأزمات الاقتصادية ينبغي أن تُوزع بعدالة نسبية بين فئات المجتمع لا أن تتركز على الحلقة الأضعف فيه. فكيف يستقيم عندئذ أن يطالب من يتقاضى معاشاً لا يتجاوز بضعة آلاف من الجنيهات بـ”تحمل الظروف الاقتصادية الصعبة”
فيما يدار الخطاب نفسه من قبل من لا تمسه هذه الظروف من قريب أو بعيد سواء أكان مسؤولاً حكومياً، أم نائباً برلمانياً يحظى بحصانات ومزايا، أم إعلامياً يقدّم برامجه من داخل استوديوهات لا تعرف قسوة الفاتورة الشهرية؟
هذه ليست ملاحظة عابرة، بل مفارقة قانونية وإنسانية دقيقة: فالنخبة القائمة على صياغة القرار والترويج له هي أبعد ما تكون عن الاكتواء بنتائجه، بينما يُطلب من الطرف الأضعف في المعادلة أن يقدّم فاتورة التضحية الأولى والأخيرة. وحين يغيب التناسب بين مَن يقرر ومَن يتحمّل، يتحول الخطاب عن “تقاسم الأعباء” إلى ما يشبه نقلها بالكامل من جهة إلى أخرى، وهو ما يفرغ مبدأ العدالة الاجتماعية من مضمونه الفعلي، وإن ظل قائماً في النصوص.
ثانياً: تآكل “الثقة المشروعة” وانهيار العقد الضمني بين الدولة والمواطن
من المبادئ التي استقر عليها الفقه القانوني الحديث مبدأ “الثقة المشروعة”، والذي يقضي بأن يبني المواطن قراراته وتوقعاته على تصريحات جهات الدولة الرسمية، وأن تلتزم هذه الجهات بما تُعلنه حفاظاً على استقرار المعاملات والثقة العامة. غير أن ما يشهده المشهد اليوم هو نمط متكرر من التصريح الرسمي بعدم وجود زيادات في أسعار الخدمات الأساسية كالكهرباء أو الوقود، يعقبه—خلال الفترة الزمنية القصيرة ذاتها—إعلانٌ بزيادات فعلية. هذا التناقض لا يمثّل مجرد خلل في التواصل الحكومي، بل يمسّ جوهر العلاقة التعاقدية غير المكتوبة بين الدولة ومواطنيها، ويُضعف تدريجياً ما يمكن تسميته “رأس المال الثقوي” الذي تقوم عليه شرعية أي سلطة.
فالمواطن البسيط لا يقيس أداء الدولة بمؤشرات النمو أو التقارير الاقتصادية المركّبة، بل بما تعكسه فاتورة خدمته وثمن دواء أبنائه. وكلما تكرر الانفصال بين الخطاب والممارسة، ازداد اهتزاز الثقة العامة، وهي ثقة لا تُستعاد بسهولة متى انهارت، إذ تحتاج إلى زمن طويل وشفافية مستدامة لإعادة بنائها.
ثالثاً: حدود الخطاب الإعلامي في مواجهة تجربة معيشة يومية
لا يمكن للأداة الإعلامية، مهما بلغت كفاءتها، أن تحل محل الوقائع أو أن تعيد تشكيل تجربة المواطن المباشرة مع الغلاء وتراجع القدرة الشرائية. فحين تتعارض الرواية الرسمية مع المعاش اليومي للناس، يتوقف الشارع تدريجياً عن الإصغاء لهذه الرواية، ويبني قناعاته الخاصة استناداً إلى تجربته لا إلى الخطاب الموجَّه إليه. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فحين تنقطع قنوات الإقناع المشروع، لا يبقى أمام الدولة سوى أدوات القسر أو اللامبالاة، وكلاهما ينال من استقرار العلاقة بين الحاكم والمحكوم على المدى البعيد.
إن الشفافية، من هذا المنظور، ليست ترفاً بلاغياً أو خياراً تجميلياً، بل هي الأداة القانونية والسياسية الوحيدة القادرة على إعادة بناء الثقة على أسس سليمة ومستدامة.
رابعاً: السؤال الذي لا ينبغي تأجيله
إن المطلوب اليوم ليس البحث عن صيغة أكثر إقناعاً لدعوة المواطن إلى مزيد من الصبر، بل مواجهة السؤال الأكثر جوهرية وإلحاحاً: إلى أين تتجه السياسات العامة بهذا المواطن، وما هي الحدود القصوى لقدرته على الاستيعاب؟ فالاستمرار في اتخاذ القرارات الاقتصادية بمعزل عن القدرة الفعلية للمجتمع على التحمل لا يمثل مجازفة اقتصادية فحسب، بل مجازفة تمس صميم شرعية العقد الاجتماعي ذاته. ولا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن يكتب له النجاح والاستمرار دون اعتراف صريح بحجم المشكلة، ومراجعة حقيقية وجادة لآليات إدارة الأزمة، بعيداً عن منطق التجميل أو التسكين المؤقت.
ختاما
السياسة العامة التي لا تأخذ في حسبانها معاناة الفئات الأضعف، والاقتصاد الذي يبنى على مؤشرات لا تنعكس على موائد الناس لا يعد وان أن يكونا حبراً على ورق. فحين تتوقف مؤسسات الدولة عن الإصغاء الحقيقي لنبض الشارع يعيد هذا الشارع صياغة فهمه للواقع بمعزل عنها وهي لحظة ينبغي أن تقرأ بجدية بالغة لا أن تختزل في نشرة أخبار أو تصريح عابر.







