
في لحظة فارقة من التاريخ، لم تكن راية العرب ترفرف على صحراء الجزيرة فحسب، بل من جبال البرانس في فرنسا غربًا، إلى أسوار الصين شرقًا.
دولة واحدة، ولغة واحدة، ودين واحد يحمل مشروعًا حضاريًا غير مسبوق.
اليوم، وبعد أربعة عشر قرنًا، يقف العربي أمام نشرات الأخبار ليرى خريطة ممزقة، وجيوشًا مستوردة، وقرارًا سياسيًا مرهونًا في عواصم غريبة.
ما الذي حدث بين المجد والهوان؟
أولًا: حين حكم العرب العالم
لم يكن الحكم العربي مجرد احتلال عسكري، بل كان مشروع دولة وحضارة.
في أقل من 100 عام بعد وفاة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، أسس العرب أكبر إمبراطورية متصلة عرفها التاريخ.
الدولة الأموية وحدها امتدت على مساحة تجاوزت 11 مليون كيلومتر مربع، أي أكثر من ثلث العالم المأهول حينها.
كانت نسبة كبيرة من سكان الأرض تدين بالولاء لخليفة في دمشق، ثم في بغداد.
لم يكن الأمر مجرد سيف؛ ففي بغداد وقرطبة ودمشق والقاهرة، كانت تُترجم علوم اليونان وفارس، وتُبنى أولى الجامعات، ويُوضع أساس الجبر والخوارزميات والطب والبصريات.
كان الدينار العربي هو العملة الصعبة العالمية، وكانت اللغة العربية هي لغة العلم والتجارة والدبلوماسية، كما هي الإنجليزية اليوم.
قال عنهم المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون: «حضارة العرب في الأندلس بقيت ثمانية قرون، ولم تترك وراءها إلا النور».
كان العربي يحكم بالعدل والعلم، فأطاعته الشعوب، ودخل الناس في دينه ولغته طوعًا، لأنه قدم نموذجًا متفوقًا.
ثانيًا: مشهد اليوم… الضعف والهوان
واليوم، الصورة معكوسة تمامًا.
أكثر من 22 دولة عربية، تضم أكثر من 450 مليون نسمة، وتجلس على 60% من احتياطي النفط العالمي وأهم الممرات المائية في العالم، ومع ذلك القرار السياسي مسلوب. لا تستطيع معظم العواصم العربية اتخاذ قرار حرب أو سلم دون ضوء أخضر من واشنطن أو موسكو أو الاتحاد الأوروبي.
الجامعة العربية تجتمع لتُصدر بيانات الشجب، بينما تُرسم خرائط المنطقة في عواصم أخرى.
التبعية العسكرية والاقتصادية
نحن أكبر مستورد للسلاح في العالم، لكننا لا نصنع سلاحنا.
نستورد غذاءنا ودواءنا وتقنيتنا، رغم أننا نملك كل المقومات لنكون سلة غذاء العالم ومصنعه.
مليارات الدولارات العربية تُستثمر في سندات الخزانة الأمريكية والأوروبية، بينما تعاني عواصمنا من البطالة والديون.
التمزق الداخلي
تحولت القومية التي كانت توحدنا إلى قطرية ضيقة.
أصبح العربي يقتل العربي على حدود رسمها الاستعمار قبل مئة عام في اتفاقية سايكس-بيكو.
حروب أهلية في اليمن وسوريا وليبيا والسودان، وصراعات طائفية وقبلية غذّاها حكام ضعفاء ليبقوا في السلطة.
الهزيمة النفسية
وهي الأخطر؛ فانتقلنا من عقلية «نحن قادرون» إلى عقلية «لا نستطيع بدون الغرب».
أصبح الشاب العربي يحلم بالهجرة من أرض كانت يومًا قبلة العلماء، وأصبح المثقف العربي يستحي من لغته وتاريخه.
لماذا سقطنا؟
السقوط لم يكن قدرًا، بل نتيجة تراكمات، منها توقف العقل. فعندما أغلقنا باب الاجتهاد وقدسنا التقليد، توقفت حضارتنا.
الأمم التي كانت تنقل عنا بدأت هي تخترع، ونحن نستهلك.
الاستبداد
الحاكم الفرد الذي يرى الدولة مزرعة خاصة له قتل روح المبادرة والابتكار.
لا يمكن لأمة أن تبدع وشعبها يخاف من قول كلمة.
الاستعمار الجديد
فقد خرج الاستعمار العسكري من الباب، وعاد من النافذة عبر الاقتصاد والثقافة والتعليم.
تركونا نحمل أعلام الاستقلال، لكنهم احتفظوا بالمفاتيح.
إن مأساة العرب اليوم ليست في قلة الموارد، بل في سوء إدارة الموارد.
ليست في قلة الرجال، بل في تهميش الرجال الأكفاء وتقديم الولاء على الكفاءة.
لقد حكمنا العالم عندما كنا نحمل رسالة للعالم.
وعندما تخلينا عن الرسالة، وحولنا الدين إلى طقوس، والقومية إلى شعارات، والوطن إلى غنيمة، أصبحنا على هامش العالم.
نستجدي مقعدًا على طاولة لم نعد نصنعها.
والتاريخ لا يرحم الضعفاء.







