تونسحقوق وحرياتملفات وتقارير

راشد الغنوشي.. أربعون عاما بين المعارضة والسلطة والسجن

من زعيم معارض أمضى سنوات طويلة في المنفى، إلى رئيس للبرلمان بعد الثورة، ثم سجين يثير الجدل حول ظروف احتجازه.. هكذا يمكن تلخيص المسيرة السياسية لراشد الغنوشي، أحد أبرز الشخصيات التي طبعت الحياة السياسية في تونس خلال العقود الأربعة الماضية.

وعاد اسم الغنوشي إلى الواجهة مؤخرًا، بعدما تحدثت أسرته وهيئة الدفاع عنه عن تعرضه لوعكة صحية داخل محبسه، ومطالبات منظمات وشخصيات حقوقية بتوفير الرعاية الطبية اللازمة له، بينما تؤكد السلطات التونسية أن أوضاعه تخضع للإجراءات القانونية وأن القضاء ينظر القضايا باستقلالية.

البداية.. من قابس إلى العمل السياسي

وُلد راشد الغنوشي عام 1941 في محافظة قابس جنوب تونس، قبل أن ينتقل إلى العاصمة لاستكمال دراسته. وخلال سنوات شبابه تنقل بين دمشق وباريس، حيث تأثر بعدد من المدارس الفكرية والسياسية، ثم عاد إلى تونس أواخر ستينيات القرن الماضي حاملاً مشروعًا يقوم على المزج بين المرجعية الإسلامية والعمل السياسي.

ومع نهاية السبعينيات، أسس ما عُرف آنذاك بـ”الجماعة الإسلامية”، التي تحولت لاحقًا إلى “حركة الاتجاه الإسلامي”، قبل أن تحمل اسم “حركة النهضة”، لتصبح لاحقًا أكبر الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في تونس.

سنوات الصدام والمنفى

لم تكن علاقة الغنوشي بالسلطة سهلة. ففي عهد الرئيس الحبيب بورقيبة تعرض للاعتقال أكثر من مرة على خلفية نشاطه السياسي، ثم خرج من السجن بعد وصول الرئيس زين العابدين بن علي إلى الحكم.

لكن فترة الهدوء لم تستمر طويلًا، إذ عاد التوتر بين السلطة وحركة النهضة مطلع التسعينيات، لتشن السلطات حملة واسعة ضد قيادات الحركة، انتهت بأحكام قضائية بحق عدد منهم، بينما غادر الغنوشي تونس، ليبدأ رحلة منفى استمرت أكثر من عشرين عامًا، استقر خلالها في العاصمة البريطانية لندن.

ورغم وجوده خارج البلاد، ظل اسمه حاضرًا في المشهد السياسي التونسي، بين من اعتبره رمزًا للمعارضة، ومن رأى في حركة النهضة تنظيمًا محظورًا.

العودة بعد الثورة

شكّلت ثورة عام 2011 نقطة تحول في حياة راشد الغنوشي، إذ عاد إلى تونس بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، واستقبله آلاف من أنصار حركة النهضة في مطار قرطاج.

ومع إضفاء الشرعية على الحركة، خاضت النهضة أول انتخابات حرة في البلاد، وتصدرت نتائجها، لتشارك في قيادة المرحلة الانتقالية من خلال تحالفات سياسية متعاقبة.

ورغم أن الغنوشي لم يتولَّ منصبًا حكوميًا في البداية، فإنه ظل الشخصية الأكثر تأثيرًا داخل الحركة، قبل أن يُنتخب عام 2019 رئيسًا لمجلس نواب الشعب، في واحدة من أبرز محطات مسيرته السياسية.

من البرلمان إلى السجن

مع تصاعد الأزمات الاقتصادية والسياسية في تونس، تراجعت شعبية القوى التي حكمت البلاد بعد الثورة، ووجهت انتقادات واسعة إلى حركة النهضة باعتبارها أحد أبرز أطراف المشهد السياسي.

وفي الخامس والعشرين من يوليو عام 2021، أعلن الرئيس قيس سعيّد تجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة، قبل أن يتخذ لاحقًا سلسلة من الإجراءات شملت حل البرلمان وإعادة صياغة النظام السياسي.

واعتبر الرئيس التونسي أن تلك الإجراءات جاءت لحماية الدولة، بينما وصفتها حركة النهضة بأنها خروج على الدستور، لتبدأ مرحلة جديدة من المواجهة السياسية.

تحقيقات وأحكام

خلال العامين التاليين، فتحت السلطات التونسية تحقيقات في عدد من الملفات شملت شخصيات سياسية وإعلامية ورجال أعمال، وكان راشد الغنوشي من أبرز الأسماء التي خضعت للتحقيق، قبل أن يتم توقيفه وتصدر بحقه عدة أحكام في قضايا مختلفة.

وتؤكد هيئة الدفاع عن الغنوشي أن القضايا ذات خلفية سياسية، في حين تشدد السلطات التونسية على استقلال القضاء، وأن جميع القضايا تنظر أمام المحاكم وفقًا للقانون.

جدل جديد حول حالته الصحية

في الأسابيع الأخيرة، عاد اسم راشد الغنوشي إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة بسبب الجدل حول وضعه الصحي داخل السجن.

وقالت أسرته ومحاموه إنه تعرض لوعكة صحية وفقد الوعي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة داخل محبسه، قبل نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج، وهو ما أثار بيانات صادرة عن عدد من المنظمات الحقوقية التي دعت إلى توفير الرعاية الصحية اللازمة له، واحترام حقوق جميع السجناء.

وفي المقابل، عاد الغنوشي لاحقًا إلى محبسه بعد تلقي العلاج، وفق ما أعلنته هيئة الدفاع عنه.

رحلة تعكس تحولات تونس

على مدار أكثر من أربعة عقود، تنقل راشد الغنوشي بين السجن والمنفى والسلطة، لتتقاطع مسيرته مع أبرز التحولات السياسية التي عرفتها تونس منذ سبعينيات القرن الماضي.

وبين مؤيد يرى فيه أحد أبرز وجوه التحول الديمقراطي بعد الثورة، ومعارض يحمله مسؤولية جانب من أزمات المرحلة السابقة، يبقى اسم راشد الغنوشي حاضرًا في قلب الجدل السياسي التونسي، بينما تظل قضيته واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل البلاد وخارجها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى