مقالات وآراء

عماد الدايمي يكتب: سؤال اليوم التالي في تونس: ما الذي يجب أن يبقى خارج الصراع؟

يتزايد في تونس حضور سؤال اليوم التالي، ويتردد داخل الأوساط السياسية ومؤسسات الدولة، ويظهر في أحاديث مواطنين يشعرون بأن الأوضاع الراهنة لم تعد قابلة للاستمرار، حتى وإن بقي توقيت نهاية المرحلة الحالية وظروفها غير معلومين. ويعكس الإلحاح الذي يكتسبه هذا السؤال حجم الغموض الذي يحيط بما يمكن أن يحدث بعد ذلك، حتى أصبح مجرد التفكير فيه مصدر قلق لدى كثيرين. فكلما غابت الإجابات ازداد الخوف من المجهول، وأصبحت المحافظة على الأمر الواقع، مهما بلغت كلفته، خيارًا يبدو أقل خطرًا في نظر البعض.

وهي في الواقع أسئلة متعددة ومترابطة: ماذا يحدث إذا وجدت تونس نفسها أمام انتقال سياسي؟ من يتولى إدارة البلاد؟ بأي مرجعية قانونية؟ ومتى تعود الكلمة إلى الناخبين؟

هذه الأسئلة كلها مشروعة، لكن طرحها يقتضي ترتيبًا يبدأ بالأسس قبل الانتقال إلى الحديث عن هيئة الحكم المؤقتة والأسماء والآجال، حتى لا يتحول النقاش إلى تقاسم للمواقع قبل الاتفاق على القواعد التي ينبغي أن تحكمها.

فكل انتقال سياسي يحتاج إلى مساحة تخرج فيها بعض شؤون الدولة من دائرة التجاذب، حتى يبقى التنافس حول السلطة محكومًا بضوابط يقبل الجميع الاحتكام إليها، سواء كانوا في الحكم أو في المعارضة.

من هنا يبرز السؤال الذي يسبق سائر الأسئلة: ما الذي ينبغي أن يبقى قائمًا ومحترمًا، أيًا كانت الجهة التي تتولى المسؤولية؟

تحتاج تونس، قبل أي نقاش حول ترتيبات المرحلة الانتقالية، إلى تحديد المجال الذي ينبغي أن يبقى خارج الصراع السياسي. فهذا المجال يتسع للاختلاف في البرامج والرؤى، لكنه يضع إطارًا مشتركًا يحكم التنافس السياسي ويمنع تحوله إلى صراع حول الدولة نفسها. فوجود قواعد يتفق الجميع على الاحتكام إليها هو ما يمنح الديمقراطية قدرتها على الاستمرار، مهما تباينت المواقف والخيارات.

وقد لا يكون من الصعب على المجموعة الوطنية تحديد بعض القواعد التي يبدو احترامها شرطًا لأي انتقال مستقر، مهما اختلفت التصورات السياسية حول بقية المسائل. فحين تغيب هذه القواعد، يتحول الخلاف حول السلطة إلى خلاف حول الدولة نفسها، وتصبح إدارة المرحلة الانتقالية أكثر صعوبة وتعقيدًا.

في مقدمة هذه القواعد استمرارية الدولة ومؤسساتها، فالمواطن لا يستطيع تعليق حياته إلى حين انتهاء التجاذبات السياسية. يحتاج إلى مستشفى يؤدي وظيفته، ومدرسة تفتح أبوابها، وإدارة تنجز معاملاته، وقضاء يواصل عمله، وأمن يحميه. كما ينبغي أن تستمر الميزانية والأجور والعقود والالتزامات العامة وفق القانون، لأن الإدارة تمثل الذاكرة التنفيذية للدولة، ويجب أن يستمر عملها من دون ارتباك، وأي اضطراب يصيبها يدفع المواطن كلفته مباشرة.

فاستقرار الدولة يقتضي وحدة المؤسسات ووضوح مركز القرار على نحو يمنع تضارب التعليمات وتنازع الشرعيات. لذلك يفترض بأي ترتيب انتقالي أن يرسم حدود الاختصاصات وآليات الرقابة وتسوية الخلافات المؤسسية، حتى تبقى الدولة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.

ولا تقل عن ذلك أهمية سيادة القانون وصون الحقوق والحريات، فالظروف الاستثنائية لا تمنح أي سلطة حق تجاوز الضمانات القانونية أو توسيع القيود خارج ما يسمح به القانون ويخضع لرقابة القضاء، كما أن أي انتقال يفقد معناه إذا تحول إلى فرصة لتصفية الحسابات أو لإنتاج مظالم جديدة باسم تصحيح مظالم سابقة. ويقتضي ذلك أيضًا استقلالية القضاء وحياد الإدارة وابتعاد المؤسستين الأمنية والعسكرية عن التجاذب الحزبي، إلى جانب ضمان فضاء إعلامي وسياسي يسمح بالتعبير والتنظيم والمنافسة في ظل قواعد معلومة للجميع.

وتوجد، إلى جانب هذه القواعد العامة، إجراءات تمهيدية تفرضها طبيعة الانتقال نفسه، لأنها تساعد على تهيئة المناخ الضروري لعودة الحياة العامة إلى مسارها الطبيعي. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تخفيف الاحتقانات التي تراكمت خلال السنوات الماضية، وإطلاق سراح مساجين الرأي والموقوفين على خلفيات سياسية، بما يفتح المجال أمام استعادة الثقة وتهيئة الظروف اللازمة للحوار الوطني. أما سائر الملفات المرتبطة بمعالجة إرث المرحلة السابقة، فتظل مجالًا للنقاش والحوار والاختلاف في المقاربات والآليات.

وتفرض المرحلة الانتقالية كذلك قدرًا أكبر من اليقظة في حماية المصلحة الوطنية، فهذه الفترات تكون، بحكم طبيعتها، أكثر عرضة للضغوط الخارجية وأكثر هشاشة أمام محاولات التأثير في القرار الوطني. ومن ثم تقتضي المحافظة على استقلال القرار، وحسن الجوار، وشفافية العلاقة مع الشركاء الدوليين، ووضوح مصادر التمويل السياسي، مع بقاء التعاون الدولي قائمًا على احترام سيادة الدولة وإرادة مواطنيها. كما يمتد هذا الحرص إلى المال العام، حتى لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى فرصة لقرارات غير مدروسة، أو صفقات تفتقر إلى الشفافية، أو تعيينات لا تقوم على معايير الكفاءة والاستحقاق، أو توظيف موارد الدولة في الصراع السياسي.

ويبقى احترام نتائج الانتخابات الحرة والنزيهة حجر الزاوية في أي انتقال ديمقراطي. فمن يقرر دخول المنافسة يقر، في الوقت نفسه، بإمكان الفوز وإمكان الخسارة. وإذا نشأ خلاف حول النتائج، فإن مكانه الطبيعي هو القضاء والآليات القانونية، لا تجييش الشارع والاستقواء بالخارج وتعطيل مؤسسات الدولة. ولا يعني ذلك مطالبة الجميع بقبول انتخابات تفتقد إلى شروط النزاهة، بل الالتزام المسبق باحترام نتائج عملية انتخابية موثوقة، والاحتكام إلى وسائل الطعن القانونية عند الاعتراض. كما يقتضي من الطرف الفائز ألا يتعامل مع انتصاره باعتباره تفويضًا مفتوحًا يسمح له بتغيير قواعد اللعبة أو تضييق المجال أمام منافسيه.

بهذا المعنى، يتحدد المجال الذي ينبغي أن يبقى خارج الصراع. وهو إطار يتسع لتعدد الخيارات الاقتصادية والسياسية، واختلاف التصورات المتعلقة بالنظام السياسي والحكومات المتعاقبة، ويحمي في الوقت نفسه الشروط التي تجعل التنافس ممكنًا واستمرار الدولة مضمونًا، أيًا كانت نتائج هذا التنافس.

ولا يعني ذلك أن رسم هذه الحدود سيكون محل اتفاق تلقائي، فبلوغ هذا التوافق قد يكون أصعب ما يواجه أي انتقال سياسي، لأنه يتطلب من جميع الأطراف تغليب منطق الدولة على حسابات اللحظة، والقبول بأن هناك ما هو أسمى من مكاسب الجولة السياسية التالية. ولن يكون الوصول إلى مثل هذا التوافق مهمة سهلة في ظل ما راكمته السنوات الماضية من استقطاب وانعدام للثقة، إذ يفترض شجاعة سياسية حقيقية، واستعدادًا لتقديم تنازلات قد تكون مؤلمة، لأن بناء الثقة يحتاج إلى قرارات صعبة تضع مصلحة الدولة فوق حسابات الانتصار لهذا الطرف أو ذاك. وعندما يتحقق ذلك، تكتسب هذه المبادئ قوتها الحقيقية، لأنها تتحول إلى التزام سياسي معلن يستطيع المواطنون الاحتكام إليه.

وحين تنضج ظروف حوار وطني جاد، سيكون من الطبيعي أن يبحث المشاركون فيه عن وسيلة تمنح هذه المبادئ صيغة مشتركة. وقد يكون الميثاق الوطني إحدى الصيغ الممكنة لتحقيق ذلك، في صورة إعلان سياسي وأخلاقي يحدد الحد الأدنى من القواعد الحاكمة للتنافس السياسي، ويضمن احترامها من جميع الأطراف مهما اختلفت مواقعها ورؤاها.

وليس المقصود من هذا الميثاق أن يتحول إلى أداة للإقصاء أو إلى شرط إضافي للمشاركة في الانتخابات، لأن حق الترشح يكفله القانون، ويظل مستقلًا عن التوقيع على أي وثيقة سياسية. وتكمن قيمة هذا الميثاق في وظيفة مختلفة، إذ يتيح للناخب، قبل أن يدلي بصوته، أن يعرف الالتزامات التي يقبل كل حزب أو مرشح أن يُحاسب على أساسها إذا نال ثقة التونسيين. كما يكشف بوضوح مواقف من اختاروا الارتباط بهذه المبادئ أو الابتعاد عنها، ويتيح لهم عرض مبرراتهم أمام الرأي العام. وبذلك يضيف الميثاق قدرًا أكبر من الوضوح والشفافية إلى العملية الانتخابية، ويجعل من الالتزامات السياسية مرجعًا يمكن العودة إليه بعد الانتخابات ومساءلة الفائزين على أساسه.

فالناخب، حين يدلي بصوته، يحسم أمرين في آن واحد: البرنامج الذي يمنحه ثقته، والكيفية التي ستُمارس بها السلطة إذا وصل ذلك المرشح إلى موقع المسؤولية. أما ما عدا ذلك، فيبقى مفتوحًا للاجتهاد والحوار السياسي والتنافس البرامجي. وهنا تبدأ الأسئلة التي لا تملك جوابًا واحدًا، والتي ستختلف بشأنها الرؤى باختلاف الظروف والتوازنات.

فقد يختلف التونسيون حول الإطار القانوني والمؤسسي الذي تُدار وفقه المرحلة الانتقالية، وحول طبيعة السلطة التي تتولى إدارة البلاد خلالها، وحول أولوياتها ومدتها، وبشأن القانون الانتخابي، والهيئة المكلفة بالإشراف على الانتخابات، وكيفية معالجة الإرث القانوني والسياسي للمرحلة السابقة، كما قد يختلفون حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي ينبغي اتباعها خلال تلك المرحلة. وهذه كلها قضايا تحتمل أكثر من مقاربة وأكثر من تسوية، شريطة أن تظل مناقشتها محكومة بالقواعد التي تحمي الدولة وتصون نزاهة العملية الديمقراطية.

ربما يظل موعد اليوم التالي مجهولًا، وربما تختلف السيناريوهات التي تقود إليه، لكن ذلك لا يمنع من التفكير في قواعده منذ الآن. فالأمم التي تنتظر لحظة التحول حتى تبدأ في مناقشة أسسه، تجد نفسها غالبًا تدير الأزمات تحت ضغط الوقت، أما الحوار الذي يسبق اللحظة، فيمنح الجميع فرصة الوصول إليها وقد اتفقوا على ما يستحق أن يبقى خارج الصراع، تاركين لصندوق الاقتراع أن يحسم كل ما عداه.

ويبقى جوهر المسألة سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في نتائجه: ما الذي ينبغي أن يبقى خارج الصراع السياسي، حتى يظل التنافس محصورًا في إدارة الدولة لا في وجودها؟ فإذا وجد هذا السؤال جوابًا مشتركًا، أصبح الانتقال السياسي أقل خطرًا، وغدت الديمقراطية أكثر قدرة على الاستمرار، لأن الجميع سيكون قد اتفق على الحدود التي ينبغي أن تبقى بمنأى عن الصراع، مهما تبدلت الحكومات وتغيرت موازين القوى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى