
تشريح نفسي وقانوني لظاهرة انتحال الشخصيات المرموقة
بقلم د. هالة عبد العزيز
منذ أيام، شغلت واقعة انتحال صفة أحد أعضاء الهيئات القضائية الرأي العام، وأثارت حالة من الدهشة والجدل.
لكنني، كمؤسسة منهج المحامي النفسي، لا يشغلني السؤال الذي يشغل الجميع:
كيف انتحل هذه الصفة؟
بل يشغلني سؤال أكثر عمقًا وخطورة:
لماذا اختار هذه الصفة تحديدًا؟
ولماذا لا نرى شخصًا ينتحل صفة عامل أو موظف بسيط، بينما تتكرر وقائع انتحال صفات القاضي، والطبيب، وضابط الشرطة، والإعلامي، وغيرهم من أصحاب المكانة والهيبة الاجتماعية؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح.
لأن القضية في حقيقتها ليست قانونًا فقط…
وليست علم نفس فقط.
وليست علم إجرام فقط.
بل هي نقطة التقاء بين القانون، وعلم النفس الجنائي، وعلم النفس القضائي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الإجرام.
ولهذا أرى أن مثل هذه الوقائع تستحق أن تُدرس داخل كليات الحقوق، ليس باعتبارها مجرد جريمة انتحال صفة، وإنما باعتبارها نموذجًا متكاملًا لفهم السلوك الإجرامي وآلياته النفسية والاجتماعية.
أولًا… لماذا القاضي؟
القاضي ليس مجرد موظف عام.
إنه في الوعي الجمعي رمز للهيبة، والسلطة، والاحترام، والنفوذ، والقدرة على التأثير.
لذلك فإن اختيار هذه الشخصية قد لا يكون اختيارًا عشوائيًا.
فالصفة نفسها تمنح صاحبها سلطة نفسية قبل أن تمنحه أي سلطة قانونية.
وهنا يبدأ دور «المحامي النفسي» في طرح الأسئلة التي لا يطرحها القانون.
ثانيًا… هل كان يبحث عن المال فقط؟
قد يكون الهدف ماديًا في بعض الحالات.
لكن الخبرة النفسية تقول إن هناك من لا يبحث عن المال وحده.
بل يبحث عن شيء أخطر:
أن يشعر بأنه شخص مهم.
أن يراه الناس بعين الاحترام.
أن يسمع الألقاب.
أن يشعر بالقوة.
أن يعيش داخل شخصية كان يتمنى أن يكونها.
وقد يصبح هذا الشعور مكافأة نفسية في حد ذاته، فيستمر الشخص في لعب الدور حتى يختلط عليه أحيانًا الواقع بالوهم.
ثالثًا… هل نحن أمام اضطراب نفسي؟
هنا يجب أن نكون في غاية الدقة.
لا يجوز تشخيص أي شخص من خلال الأخبار أو وسائل التواصل.
لكن من الناحية العلمية، فإن بعض مرتكبي هذا النوع من الجرائم قد تدفعهم دوافع مختلفة، منها:
الرغبة في النصب وتحقيق منفعة.
البحث عن السلطة والسيطرة.
التعويض عن شعور بالنقص أو الفشل.
حب الظهور والإعجاب.
أو وجود اضطرابات في الشخصية أو أنماط تفكير مشوهة، وهو أمر لا يثبت إلا بفحص متخصص.
إذن لا يجوز الجزم بسبب واحد.
لكن يجوز دراسة جميع الاحتمالات علميًا.
رابعًا… السؤال الذي لا يسأله أحد
كيف نجح؟
كيف استطاع إقناع الناس؟
كيف عاش سنوات داخل شخصية ليست شخصيته؟
وكيف صدقه الجميع؟
بل كيف تعامل معه البعض باعتباره حقيقة لا تقبل النقاش؟
هنا نخرج من علم النفس الفردي، وندخل إلى علم النفس الاجتماعي.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق من يبدو صاحب سلطة.
الملابس.
طريقة الكلام.
الثقة بالنفس.
المصطلحات المتخصصة.
الهيبة المصطنعة.
كلها أدوات قد تجعل كثيرين يتوقفون عن طرح السؤال البسيط:
«هل هذا الشخص فعلًا من يدعي أنه؟»
خامسًا… أين المجتمع؟
إذا صحت الوقائع المتداولة، فهناك أسئلة اجتماعية لا تقل أهمية عن الأسئلة القانونية.
ماذا كان رد فعل زملائه؟
وماذا كان موقف أقرانه؟
وماذا عن أقاربه الذين يعرفون تاريخه الدراسي والعملي؟
وكيف تعامل أهل بلدته مع هذه الرواية؟
هل سأل أحد:
متى التحق بكلية الحقوق؟
وأين درس؟
وكيف اجتاز سنوات الدراسة؟
ومتى عُين؟
أم أن الجميع اكتفى بتصديق الصورة والمظهر؟
سادسًا… أين المؤسسات؟
إذا صحت الوقائع المتداولة، فالسؤال لا يوجه إلى شخص واحد فقط.
بل يطرح أيضًا تساؤلات عن منظومة التحقق.
كيف تمكن من التحرك داخل أماكن رسمية؟
وهل كانت هناك ثغرات استغلها؟
وهل كان الاعتماد على المظهر أكثر من التحقق؟
فهذه الأسئلة لا تهدف إلى إلقاء اللوم…
بل إلى منع تكرار مثل هذه الوقائع مستقبلًا.
سابعًا… لماذا تتكرر الظاهرة؟
في السنوات الأخيرة تابعنا وقائع عن انتحال صفة طبيب، وضابط شرطة، ومستشار، وقاضٍ، وإعلامي، وغيرها من المهن التي تتمتع بمكانة اجتماعية.
وهذا يدفعنا إلى سؤال في غاية الأهمية:
هل نحن أمام أشخاص يجمعهم نمط نفسي متشابه؟
أم أن الرابط بينهم هو أن هذه الصفات تمنح نفوذًا يسهل استغلاله؟
وهل الدافع الحقيقي هو النصب؟
أم السيطرة؟
أم الشعور بالقيمة؟
أم مزيج من كل ذلك؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها قانون العقوبات وحده…
بل تحتاج إلى تعاون بين القانون، وعلم النفس، وعلم الإجرام.
ثامنًا… ماذا لو لم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي؟
هذا سؤال شديد الأهمية.
لو لم تنتشر الصور…
ولو لم توجد منصات التواصل، هل كان سيستمر في انتحال الصفة؟
وهل كان سيطور الشخصية الوهمية مع تقدمه في العمر؟
وهل كان المجتمع سيكتشف الحقيقة أصلًا؟
إنه سؤال يستحق البحث، لأنه يكشف أثر الإعلام الرقمي في كشف الجرائم، كما يكشف في الوقت نفسه كيف يمكن للصورة أن تصنع أحيانًا واقعًا يصدقه الناس.
كلمة أخيرة
أنا على يقين بأن جهات التحقيق ستكشف الحقيقة كاملة، وأن القضاء سيقول كلمته وفقًا للأدلة والقانون.
لكن بعيدًا عن المسؤولية الجنائية، تبقى هذه الواقعة نموذجًا يستحق الدراسة.
ليس لأنها مجرد جريمة انتحال صفة…
بل لأنها تكشف كيف تتقاطع النفس البشرية مع القانون، وكيف يمكن للمظهر أن يصنع سلطة، وللثقة الزائفة أن تخدع مجتمعًا بأكمله.
وهنا يظهر دور منهج المحامي النفسي.
فنحن لا نكتفي بالسؤال:
«ماذا فعل المتهم؟»
بل نسأل أيضًا:
لماذا انتحل؟
وكيف صدقه الناس؟
وأين كانت الثغرات؟
لأن فهم الجريمة لا يقل أهمية عن معاقبة مرتكبها.
ويبقى السؤال الذي أتركه للنقاش:
هل انتحال الشخصيات المرموقة سببه في الأساس الطمع في المال؟ أم الرغبة في النفوذ؟ أم الحاجة المرضية إلى الشعور بالأهمية؟ أم أننا أمام ظاهرة مركبة تجمع بين كل هذه الدوافع؟







