
أعلنت شركة سوناطراك الجزائرية السيطرة على حريق البئر TG-16 بحقل تيڨنتورين بإقليم إن أميناس، جنوب البلاد، وعدم تسجيل أي خسائر بشرية. وأوضحت الشركة أن الحادث سُجل بتاريخ الثاني من أغسطس/آب 2026، حوالي الساعة الثالثة مساءً بالتوقيت المحلي، إثر حدوث اندفاع غير مصحوب بحريق في البداية على مستوى بئر الغاز، وذلك أثناء تنفيذ عملية «الووركوفر» الخاصة بصيانة البئر.
وتُعد عمليات صيانة الآبار من أكثر العمليات حساسية في صناعة المحروقات، بالنظر إلى أنها تتم في ظروف تتطلب التعامل مع ضغوط عالية للغاز والسوائل داخل المكامن، وأي فقدان للتحكم في هذه الضغوط قد يؤدي إلى اندفاعات غير متحكم فيها، قد تتطور في بعض الحالات إلى حرائق أو انفجارات إذا لم يتم احتواؤها بسرعة.
وفور تسجيل الحادث، سارعت فرق التدخل إلى تنفيذ الإجراءات المعتمدة، حيث تم إنشاء طوق أمني حول المنطقة وتفعيل مخطط المساعدة المتبادلة من طرف مركز القيادة التكتيكية لقطب إن أميناس، ما سمح بتعبئة الإمكانات البشرية والمادية اللازمة للتعامل مع الوضع. ورغم اشتعال الغاز لاحقًا في حدود الساعة السادسة وعشرين دقيقة مساءً، تواصلت عمليات السيطرة تحت إشراف فرق مختصة، مع إرسال خبراء في مجال التحكم في الآبار إلى الموقع بهدف تأمين البئر وإعادة الوضع إلى حالته الطبيعية.
ويعكس عدم تسجيل خسائر بشرية في حادث من هذا النوع أهمية الإجراءات الوقائية والتدريب المستمر للعمال، إضافة إلى فعالية خطط الطوارئ التي تعتمدها المنشآت الطاقوية الكبرى، حيث تشكل حماية الأرواح والعاملين الأولوية الأولى قبل أي اعتبار إنتاجي. ولا يمكن قراءة هذا الحادث بمعزل عن الأهمية الكبيرة التي يمثلها حقل تيڨنتورين بالنسبة للقطاع الغازي الجزائري. فهذا الحقل، الواقع بمنطقة إن أميناس في ولاية إليزي، يُعد من أبرز المشاريع الغازية في البلاد، وقد دخل مرحلة الإنتاج سنة 2006 في إطار شراكة بين سوناطراك وعدد من الشركاء الدوليين.
ويُعتبر تيڨنتورين من الحقول ذات الإنتاجية المهمة، إذ تصل طاقته الإنتاجية إلى حوالي تسعة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، إضافة إلى إنتاج المكثفات، وهو ما جعله أحد المصادر الأساسية لتعزيز قدرات الجزائر التصديرية من الغاز. كما شكل الحقل قبل حادث 2013 نسبة معتبرة من إنتاج الغاز الموجه للتصدير، ما يبرز دوره في دعم الأمن الطاقوي الوطني والوفاء بالتزامات الجزائر تجاه شركائها.
ويعيد حادث البئر TG-16 إلى الواجهة أهمية الدروس المستخلصة من مختلف الحوادث التي عرفتها منشآت المحروقات في الجزائر، والتي وإن اختلفت أسبابها، إلا أنها أكدت جميعًا ضرورة المحافظة على أعلى مستويات الجاهزية. ومن أبرز هذه الأحداث الهجوم الإرهابي الذي استهدف منشأة تيڨنتورين في يناير/كانون الثاني 2013، والذي شكل إحدى أخطر الأزمات التي عرفها قطاع الطاقة الجزائري، حيث أدى إلى سقوط ضحايا وتوقف النشاط مؤقتًا، قبل أن تستأنف المنشأة عملياتها بعد تعزيز إجراءات الحماية والأمن.
كما شهدت بعض الحقول النفطية والغازية الجزائرية خلال العقود الماضية حوادث تشغيلية مرتبطة بالنشاط الصناعي، من بينها حرائق أو تسربات خلال عمليات الإنتاج والصيانة، وهي حوادث ساهمت في تطوير ثقافة السلامة داخل القطاع، وتعزيز أنظمة الوقاية والمراقبة والتدخل. وتؤكد هذه التجارب أن أمن المنشآت الطاقوية لا يرتبط فقط بالحماية من التهديدات الخارجية، بل يشمل كذلك التحكم في المخاطر التشغيلية، ومراقبة المعدات، واحترام إجراءات العمل، والتدخل السريع عند حدوث أي خلل.
وتعتمد صناعة النفط والغاز الحديثة على منظومة صارمة للسلامة الصناعية تهدف إلى منع الحوادث وتقليل آثارها في حال وقوعها. وتشمل هذه المنظومة تقييم المخاطر قبل تنفيذ أي عملية، والتأكد من جاهزية معدات التحكم في الآبار، وتطبيق إجراءات العزل، ومراقبة الضغط، وتوفير فرق متخصصة في مكافحة اندفاعات الآبار. وعلى هذا الأساس، تحرص سوناطراك على توقيف دوري لنشاط المنشآت، كمحطات التكرير وحقول الإنتاج، بغرض الصيانة.
كما تفرض الممارسات المهنية في هذا المجال إجراء تدريبات دورية على سيناريوهات الطوارئ، وتحديث خطط التدخل، وإجراء تحقيقات تقنية بعد كل حادث بهدف تحديد الأسباب الجذرية واستخلاص الدروس وتحسين الإجراءات المستقبلية. ويؤكد حادث تيڨنتورين الأخير أن نجاح إدارة الأزمات في قطاع المحروقات لا يُقاس فقط بغياب الحوادث، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على التعامل معها بسرعة وفعالية عند وقوعها. فالمحافظة على سلامة العاملين، وحماية المنشآت، وضمان استمرارية الإنتاج، تبقى عناصر مترابطة تشكل أساس استدامة النشاط الطاقوي في الجزائر.







