ثقافة وفنون

نور الشريف والفساد.. لماذا كان دائمًا في مواجهة السلطة؟

حين يُذكر اسم نور الشريف، يتبادر إلى الذهن ممثل كبير قدّم عشرات الأفلام والمسلسلات الناجحة، لكن التوقف عند حجم النجومية وحده يظلم تجربة فنية استثنائية، لأن الرجل لم يكن مجرد نجم شباك، بل كان صاحب مشروع فني واضح. مشروع انحاز إلى الإنسان العادي، وطرح أسئلة مزعجة عن السلطة، والمال، والعدالة، والفساد. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول كثير من أعماله إلى مرايا تعكس الواقع المصري في مراحل مختلفة، حتى بدا وكأنه يكتب تاريخ المجتمع بالكاميرا، لا بالقلم.

منذ بداياته، أدرك نور الشريف أن الفن لا يعيش طويلًا إذا اكتفى بإضحاك الناس أو تسليتهم، وأن العمل الذي يبقى هو الذي يطرح قضية، أو يكشف خللًا، أو يفتح بابًا للنقاش. لذلك جاءت اختياراته بعيدة عن الطريق السهل. لم يكن يبحث عن الشخصية التي تجعل الجمهور يصفق له، بقدر ما كان يبحث عن الشخصية التي تجعل المشاهد يفكر بعد انتهاء الفيلم.

في سبعينيات القرن الماضي، كانت مصر تعيش مرحلة انتقالية كبيرة. انتهت حرب أكتوبر، وبدأت سياسة الانفتاح الاقتصادي، وظهرت طبقة جديدة راكمت ثروات هائلة في وقت قصير، بينما كانت قطاعات واسعة من المجتمع تعاني ضغوطًا اقتصادية متزايدة. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الاقتصاد، بل انعكس على شكل العلاقات الاجتماعية، وعلى مفهوم النجاح، وعلى طبيعة السلطة والنفوذ.

وسط هذه الأجواء، ظهرت موجة جديدة من السينما المصرية، عُرفت لاحقًا باسم “سينما الواقعية الجديدة”، وكان نور الشريف أحد أبرز وجوهها. لم يعد البطل فارسًا مثاليًا ينتصر في النهاية، وإنما أصبح إنسانًا عاديًا، يصطدم بمنظومة معقدة، ويحاول أن يحافظ على مبادئه في عالم تتغير فيه القيم بسرعة.

من أبرز الأعمال التي ناقشت هذه التحولات فيلم “أهل القمة”، المأخوذ عن قصة للأديب نجيب محفوظ، وإخراج علي بدرخان. لم يكن الفيلم مجرد حكاية عن شخص خرج من السجن وأصبح من كبار رجال الأعمال، بل كان تشريحًا دقيقًا لفكرة الصعود غير المشروع، وكيف يمكن للمال أن يشتري النفوذ، وأن يغير نظرة المجتمع إلى صاحبه.

قدم نور الشريف شخصية الضابط الذي يؤمن بالقانون، ويكتشف تدريجيًا أن المشكلة ليست في مطاردة مجرم بعينه، وإنما في منظومة كاملة بدأت تمنح الفاسدين مكانة اجتماعية، بينما تضع أصحاب المبادئ في موقع الضعف. لم يكن الصراع بين شخصين، بل بين قيمتين؛ قيمة العمل الشريف، وقيمة الثراء بأي وسيلة.

الفيلم أثار جدلًا واسعًا وقت عرضه، لأن كثيرين رأوا أنه يتحدث عن الواقع بصورة مباشرة، وأنه ينتقد التحولات التي صاحبت سياسة الانفتاح الاقتصادي. ورغم مرور عقود على إنتاجه، ما زال كثير من مشاهده يُستعاد كلما عاد الحديث عن علاقة المال بالسلطة.

لكن “أهل القمة” لم يكن التجربة الوحيدة.

في فيلم “العار”، اقترب نور الشريف من نوع مختلف من الفساد. هنا لم يكن الحديث عن مسؤول مرتشٍ أو رجل أعمال نافذ، وإنما عن الفساد الأخلاقي الذي يبدأ عندما يبرر الإنسان الخطأ لنفسه تحت ضغط الحاجة أو الطموح.

تدور الأحداث حول أسرة تكتشف بعد وفاة الأب أن مصدر ثروته كان تجارة المخدرات، فيجد الأبناء أنفسهم أمام سؤال صعب: هل يرفضون هذا المال، أم يستمرون في التجارة نفسها حفاظًا على مستوى حياتهم؟

الشخصية التي قدمها نور الشريف لم تكن شريرة بطبيعتها، لكنها كانت نموذجًا لإنسان يبدأ بتقديم تنازل صغير، ثم يجد نفسه غارقًا في مستنقع لا يستطيع الخروج منه. وهنا كانت الرسالة واضحة؛ الفساد لا يبدأ بجريمة كبيرة، بل يبدأ عندما يقنع الإنسان نفسه بأن الخطأ يمكن تبريره.

أما في فيلم “سواق الأتوبيس”، الذي أخرجه عاطف الطيب، فقد اتخذ الفساد وجهًا آخر. لم يكن البطل مسؤولًا حكوميًا أو رجل أعمال، بل مواطنًا بسيطًا يحاول إنقاذ ورشة والده من الإفلاس. وخلال رحلته يكتشف أن المشكلة ليست في أزمة مالية فقط، وإنما في شبكة من الإهمال والبيروقراطية والمحسوبية، جعلت الشريف يشعر بأنه يقاتل وحده ضد منظومة كاملة.

ورغم أن نور الشريف لم يكن بطل الفيلم، فإن حضوره في هذه المرحلة من السينما كان جزءًا من مشروع أكبر، يقوم على تقديم أعمال تناقش أزمة الطبقة الوسطى، وتراجع قيم العدالة، وصعود ثقافة المكسب السريع.

ثم جاءت تجربة “الكرنك”، أحد أكثر الأفلام السياسية إثارة للجدل في تاريخ السينما المصرية. صحيح أن القضية الأساسية كانت القمع السياسي وأجهزة الأمن، لكن الفيلم كشف أيضًا كيف يتحول الفساد عندما تغيب الرقابة والمحاسبة، وكيف يمكن للسلطة المطلقة أن تفسد مؤسسات الدولة، وأن تحطم حياة أفراد لم يرتكبوا ذنبًا سوى أنهم امتلكوا رأيًا مختلفًا.

في هذا الفيلم، لم يكن الفساد ماليًا، بل كان فسادًا في استخدام السلطة نفسها. وهنا قدم نور الشريف واحدًا من أكثر أدواره تأثيرًا، لأن الشخصية جسدت الإنسان الذي يحاول التمسك بكرامته، حتى وهو يواجه آلة ضخمة لا ترحم.

ولم يتوقف اهتمامه بهذه القضايا عند السينما. ففي الدراما التلفزيونية، عاد مرارًا إلى مناقشة العلاقة بين السلطة والمال. في “حضرة المتهم أبي” طرح أسئلة عن استغلال النفوذ والعدالة، وفي “الدالي” قدّم رجل أعمال ناجحًا، لكنه حاول أن يفتح نقاشًا حول الحدود الفاصلة بين النجاح المشروع، والنفوذ الذي قد يتحول إلى وسيلة للتأثير في مؤسسات الدولة.

وكان اللافت أن نور الشريف لم يقدم الفاسد باعتباره شيطانًا مطلقًا، كما لم يقدم الشريف باعتباره ملاكًا لا يخطئ. كان يؤمن بأن الإنسان أكثر تعقيدًا من هذه الصورة المبسطة، ولذلك جاءت شخصياته مليئة بالتردد، والصراع الداخلي، والقرارات الصعبة، وهو ما منحها مصداقية جعلتها تعيش في ذاكرة الجمهور حتى اليوم.

هذه الرؤية لم تكن صدفة، بل كانت انعكاسًا لثقافة واسعة امتلكها الرجل. فقد كان قارئًا دائمًا للتاريخ والسياسة وعلم الاجتماع، وكان يرى أن الفنان الحقيقي لا يكتفي بحفظ الحوار، بل يجب أن يفهم المجتمع الذي يعيش فيه. لذلك كانت اختياراته أقرب إلى قراءة الواقع منها إلى البحث عن بطولة جديدة.

ربما لهذا السبب اصطدمت بعض أعماله بالرقابة، وأثارت أخرى غضب مسؤولين أو جدلًا سياسيًا، لكنه لم يتراجع عن هذا الطريق. كان مقتنعًا بأن السينما ليست مجرد صناعة ترفيه، وإنما وسيلة لطرح الأسئلة التي يخشى كثيرون طرحها.

واليوم، وبعد سنوات من رحيله، تبدو أعمال نور الشريف عن الفساد أكثر حضورًا مما كانت عليه وقت إنتاجها. ليس لأنها تنبأت بالمستقبل، وإنما لأنها تناولت ظاهرة إنسانية تتكرر في كل زمان؛ عندما يتحول المال إلى سلطة، والسلطة إلى حماية، وتصبح المبادئ هي الثمن الذي يدفعه من يرفض الانضمام إلى المنظومة.

ولهذا، لم يكن نور الشريف ممثلًا جسّد شخصيات تواجه الفساد فحسب، بل كان فنانًا اختار، بإرادته، أن يجعل من الفن نفسه وسيلة لمواجهة هذا الفساد، وأن يترك وراءه أعمالًا لا تُشاهد من أجل المتعة فقط، بل لأنها تطرح سؤالًا لا يفقد أهميته أبدًا: كيف تنهار المجتمعات عندما يصبح الفساد أمرًا عاديًا؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى