العلامة عبدالحميد بدوي: مسيرة قانونية حافلة صاغت الدستور ووصلت للقضاء الدولي

تجلت محطات المشرع والقانوني الكبير عبد الحميد بدوى عبر مسيرة حافلة بالعطاء الوطني والقانوني، حيث وُلد بمدينة الإسكندرية فى عام 1887، وبدأ مسيرته التعليمية فى سن السادسة، وأتم دراسته الثانوية عام 1904، ثم التحق بمدرسة الحقوق العليا بالقاهرة بالتزامن مع فترة الكفاح الوطني الذى قاده الزعيم مصطفى كامل، ليكون فى طليعة طلبة الجامعة الذين احتجوا على سياسة الاحتلال الإنجليزي رغم صغر سنه، وتخرج فى مدرسة الحقوق عام 1908 بترتيب الأول على دفعتي، لتتوالى محطات النجاح والإنجاز الوطني والقضائي البارز.
توجت مسيرة العلامة عبد الحميد بدوى بالعديد من المناصب الرفيعة بعد عودته من بعثته الدراسية بفرنسا، حيث نال درجة الدكتوراه فى القانون من جامعة جرينول عام 1912، وتولى تدريس القانون بمدرسة الحقوق الخديوية خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 1912 حتى مايو 1914، ثم اختاره عبد الخالق ثروت وزير الحقانية مديرًا لمكتبه فى مايو 1915، قبل أن يتم اختياره عضوًا فى لجنة الموظفين أثناء أحداث ثورة 1919، وهو ما نتج عنه نقله وتشريده ليعين قاضيًا بمحكمة طنطا، حيث أثبت كفاءة عالية وقدرة فريدة جعلت القضاء المحلى يكتسب قاضيًا لماحًا قوي الحجة وناصع البيان فى شتى القضايا المطروحة أمامه.
تصاعد الدور الوطني والقانوني للشخصية البارزة عبد الحميد بدوى ليشمل مهام استشارية وتشريعية كبرى، حيث عمل مستشارًا بأقسام قضايا الحكومة، وفى عام 1922 اختاره رئيس الوزراء عبد الخالق ثروت سكرتيرًا لمجلس الوزراء، ثم اختير عضوًا فى لجنة الثلاثين المكلفة بوضع دستور سنة 1923، وتولى فى نفس العام منصب عضو فنى للجنة قضايا الحكومة، قبل أن يتم تعيينه مستشارًا ملكيًا للملك فؤاد الأول فى عام 1924، فضلاً عن مشاركته الفاعلة فى مفاوضات سنة 1927 التي أجراها عبد الخالق ثروت، ومفاوضات سنة 1929 التي أجراها محمد محمود، ليتولى بعد ذلك رئاسة شئون قضايا الحكومة عام 1935 كعلامة قانوني ضليع شهد بكفاءته حتى رجال القانون الأجانب العاملون بالبلاد.
برز الدور السيادي للعلامة عبد الحميد بدوى بشكل جلى عندما قاد العبء الرئيسى فى مؤتمر إلغاء الامتيازات الأجنبية سنة 1937 تنفيذاً لمعاهدة 1936، مما أثمر عن الاستقلال القضائى والتشريعى والإدارى الذى كفلته معاهدة مونتريه، ليصبح المهندس والصانع الأول لتلك المعاهدة التاريخية، ثم اختير وزيراً للمالية فى وزارة حسين سرى الأولى أواخر عام 1940، ووزيراً للمالية مجدداً فى وزارة حسين سرى الثانية فى يولية 1941، إلى أن استقال ليؤدي ذلك إلى إضفاء مزيد من الضعف على الحكومة نظراً لكونه ركيزة أساسية من ركائز القوة فيها، وصولاً إلى ترؤس الوفد فى مارس 1945 لإعداد ميثاق هيئة الأمم المتحدة ووضع اسم البلاد رسمياً فى الميثاق الدولي.
تخطت إنجازات القانوني عبد الحميد بدوى الحدود المحلية إلى العالمية فى مارس 1946 عندما تم ترشيحه لمنصب قاض بمحكمة العدل الدولية، ليكون أول عربى شرقى يشغل هذه الوظيفة الرفيعة، وشغل لاحقاً منصب نائب رئيس هذه المحكمة فى المدة من 1955 حتى 1958، واستمر فى أداء مهامه القضائية الدولية حتى وافته المنية فى تاريخ 5 أغسطس 1965، تاركاً خلفه إرثاً فقهياً وبحثياً ضخماً ومنشورات قانونية بارزة مثل مركز الوارث في الشريعة الإسلامية، أثر الامتيازات في القضاء والتشريع، نظام الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وحرية القول.







