د. أيمن نور يكتب: المصير المشترك 2035… رؤية جديدة لعلاقة العرب وأوروبا . مصر الممكنة 2030 (64) مصر ومحيطها الإقليمي… (9 من 10)

لم تعد الجغرافيا وحدها هي التي تصنع المصير، لكنها لا تزال تذكرنا كل يوم بأننا لا نعيش في جزر معزولة. فالعرب وأوروبا لا يجمعهم البحر المتوسط فقط، بل تجمعهم أزمات متداخلة، ومخاطر مشتركة، وفرص لم تعد تحتمل التأجيل.
من هذه الحقيقة ولدت فكرة «المصير المشترك 2035». لم تولد من رغبة في إنشاء عنوان جديد يضاف إلى عناوين كثيرة، ولا من محاولة لصناعة منصة احتفالية عابرة، بل من إدراك عميق أن العلاقات العربية الأوروبية تحتاج إلى خيال سياسي جديد، وإلى لغة مختلفة، وإلى شراكة لا تبدأ من الخوف ولا تنتهي عند المصالح الضيقة.
فقد جربت المنطقة طويلًا لغة الأزمات. أزمة الهجرة، أزمة الطاقة، أزمة الإرهاب، أزمة الغذاء، أزمة المناخ، أزمة الحروب الأهلية، أزمة اللاجئين، أزمة الديمقراطية. وكلما تعاملنا مع كل أزمة منفصلة عن الأخرى ازداد المشهد ارتباكًا. والحقيقة أن هذه الأزمات كلها خيوط في نسيج واحد، وأن معالجتها تحتاج إلى رؤية شاملة لا إلى مسكنات متفرقة.
المصير المشترك لا يعني ذوبان الهويات، ولا إلغاء الخصوصيات، ولا التبعية لأي طرف. بل يعني الاعتراف بأن ما يحدث في الجنوب يؤثر في الشمال، وما يحدث في الشمال ينعكس على الجنوب، وأن الأمن لم يعد قابلًا للتجزئة، والتنمية لم تعد شأنًا محليًا، والمناخ لا يفرق بين دولة غنية ودولة فقيرة.
ومن هنا فإن المبادرة تطرح سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: هل يمكن تحويل المتوسط من منطقة قلق دائم إلى مساحة تعاون طويل الأمد؟ وهل يمكن أن تنتقل العلاقات العربية الأوروبية من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص؟
هذا السؤال يخص مصر مباشرة. فمصر ليست دولة هامشية في هذه المعادلة، بل هي إحدى ركائزها الأساسية. بحكم موقعها، وسكانها، وتاريخها، ودورها العربي والأفريقي، وقدرتها الكامنة على أن تكون جسرًا بين ضفتين لا تزالان تحتاجان إلى بعضهما أكثر مما تعترفان أحيانًا.
ولا يمكن لمصر الممكنة أن تنظر إلى هذه المبادرة باعتبارها نشاطًا سياسيًا خارجيًا فقط. فهي في جوهرها جزء من رؤية أوسع لمكانة مصر في العالم. مصر التي لا تكتفي برد الفعل، بل تقترح. ولا تنتظر أن يرسم الآخرون خرائط المستقبل، بل تشارك في رسمها.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المنطقة العربية لا تستطيع أن تعيش خارج أوروبا، وأن أوروبا لا تستطيع أن تنجو من ارتدادات أزمات الجنوب. فالحروب في السودان وسوريا وليبيا وغزة لا تبقى داخل خرائطها. والفقر والبطالة والتغير المناخي لا تقف عند نقاط التفتيش. وانهيار الدول لا ينتج مأساة محلية فقط، بل يفتح موجات واسعة من اللجوء والتطرف والجريمة العابرة للحدود.
في المقابل، فإن التنمية إذا نجحت، والتعليم إذا تقدم، والطاقة إذا نُظمت، والهجرة إذا أُديرت بعدالة، يمكن أن تتحول كلها إلى جسور استقرار ومصالح مشتركة. وهنا تكمن الفكرة الأساسية: المصير المشترك ليس قدرًا مخيفًا، بل مشروعًا يمكن بناؤه بوعي وإرادة.
تحتاج المبادرة إلى خمسة أعمدة واضحة. أولها حوار سياسي دائم لا يقتصر على الحكومات، بل يضم الأحزاب والبرلمانيين السابقين ومراكز الفكر والمجتمع المدني والشباب. وثانيها شراكة تنموية حقيقية تعالج أسباب الهجرة والفقر لا مظاهرهما فقط. وثالثها تعاون في الطاقة والمناخ والغذاء والمياه. ورابعها مساحة ثقافية وتعليمية تعيد بناء الثقة بين الشعوب. وخامسها آلية متابعة لا تترك المبادرة تتحول إلى بيان جميل ينتهي أثره بانتهاء المؤتمر.
وفي قلب هذه الأعمدة يجب أن يكون الإنسان. فكل شراكة لا ترى الإنسان تتحول إلى صفقة. وكل حوار لا يسمع الضحايا يتحول إلى مجاملة. وكل مبادرة لا تلمس حياة الناس تبقى معلقة في هواء النخب.
لذلك فإن «المصير المشترك 2035» يجب أن تفتح أبوابها للشباب قبل الشيوخ، وللنساء قبل البروتوكولات، وللجامعات قبل الفنادق، وللمدن قبل العواصم وحدها. فالمستقبل لا يصنعه من يملكون الذاكرة فقط، بل من يملكون القدرة على الحلم والعمل.
كما يجب أن تكون الديمقراطية وحقوق الإنسان جزءًا من هذا الحوار، لا شرطًا استعلائيًا من طرف على طرف، ولا ذريعة للهروب من الشراكة. فالشعوب التي تُحرم من المشاركة لا تصنع استقرارًا حقيقيًا، والدول التي تخاف من مجتمعاتها لا تستطيع أن تكون شريكًا واثقًا في عالم يتغير.
والاستقرار الذي يقوم على الصمت ليس استقرارًا. إنه انتظار طويل للانفجار. أما الاستقرار الحقيقي فيقوم على العدالة، وسيادة القانون، والتنمية، والمشاركة، واحترام الإنسان. وهذه ليست شعارات رومانسية، بل شروط عملية لبقاء الدول وقدرتها على مواجهة الأزمات.
ويمكن للمبادرة أن تنشئ منتدى سنويًا للحوار العربي الأوروبي، ومرصدًا مشتركًا للأزمات والتحولات، وبرنامجًا شبابيًا متوسطيًا، وشبكة للمدن الساحلية، ومنصة لتمويل المشروعات الصغيرة العابرة للضفتين، ومسارًا خاصًا للثقافة والإعلام والتعليم.
ولا ينبغي أن نخجل من القول إن العالم العربي يحتاج إلى أوروبا كما تحتاج أوروبا إلى العالم العربي. نحتاج إلى المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار، وتحتاج أوروبا إلى الاستقرار والطاقة والأسواق والشراكات الإنسانية. غير أن الاحتياج المتبادل لا يجب أن يتحول إلى تبعية، بل إلى تفاوض عادل بين أطراف تعرف قيمتها ومصالحها.
مصر الممكنة تستطيع أن تكون قلب هذه الرؤية إذا تحررت من ضيق اللحظة، وإذا استعادت ثقتها في نفسها، وإذا أدركت أن الدور الإقليمي لا يصنع بالخطابات الكبيرة، بل بالمبادرات الجادة والمؤسسات القادرة والسياسات العاقلة.
فالمتوسط ليس بحرًا للأزمات فقط. إنه ذاكرة الحضارات، وطريق التجارة القديم، ومساحة التفاعل الكبرى بين الشرق والغرب. وإذا كان التاريخ قد جعله أحيانًا ساحة حروب، فإن المستقبل يمكن أن يجعله ساحة تعاون.
المصير المشترك 2035 ليس حلمًا ناعمًا في عالم خشن. إنه محاولة لإدخال العقل إلى منطقة أرهقتها الانفعالات، وإدخال المستقبل إلى نقاشات سجنتها المرارات، وإدخال الإنسان إلى معادلات اختزلته طويلًا في رقم أو خطر أو عبء.
وربما تكون قيمة هذه المبادرة أنها تقول ببساطة إن البديل عن الشراكة ليس الاستقلال، بل الفوضى. وأن البديل عن الحوار ليس الكرامة، بل سوء الفهم. وأن البديل عن المصير المشترك ليس مصائر منفصلة، بل أزمات مشتركة بلا إدارة مشتركة.
وهكذا تبدو مصر الممكنة أمام فرصة جديدة: أن تكون لا مجرد طرف في حوار، بل صاحبة فكرة. لا مجرد جغرافيا بين الضفتين، بل عقلًا سياسيًا يقترح الطريق.
فالأمم الكبرى لا تنتظر أن يدعوها الآخرون إلى المستقبل.
بل تذهب إليه ومعها رؤيتها.
وحين تمتلك الرؤية شجاعة المبادرة…
يصبح البحر المتوسط أقل ضيقًا بالخوف…
وأكثر اتساعًا للأمل.







