مقالات وآراء

د.مصطفى جاويش يكتب: حذف سعر الدواء من العبوة..بين التطوير الرقمي وحق المريض في المعرفة


قلق شديد انتشر في سوق الدواء المصري بعد أن أعلن رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، يوم الأربعاء 29 يوليو 2026 الماضي عن بدء هيئة الدواء المصرية إجراءات حذف الأسعار من على علب الدواء بداية من شهر أغسطس ، وذلك بالنسبة لشركات الدواء المنضمة لمنظومة التتبع الدوائي، وفقا لموقع “مدى مصر” ، وهذا القرار جاء بعد يومين من خبر لموقع “صدى البلد” بخصوص قرار هيئة الدواء المصرية حول إعداد آلية جديدة لتسعير الدواء، في حين نشر موقع ” المنصة ” عن مصدر بهيئة الدواء بأن الأسعار سوف تكون كلها ضمن مؤشر اقتصادي موحد، يعتمد على 3 متغيرات: سعر الصرف لأنه العامل الأكبر في تكلفة الإنتاج هي الخامات المستوردة بالدولار، بالإضافة إلى معدل التضخم ، وزيادة لأسعار الفائدة.

وبالتوازي مع انتشار الخبر على العديد من المواقع الصحفية؛ فقد شهدت الفضائيات المصرية حوارات مع العديد من المسؤولين الحكوميين مثل أعضاء الغرفة التجارية الذين أكدوا على أن التنفيذ قد بدأ فعليا منذ شهر فبراير 2026 الماضي في منتجات الشركات التي طبقت منظومة التتبع الدوائي، في حين سارعت منظمات المجتمع المدني مثل المركز المصري للحق في الدواء برفض عدم طباعة السعر على العبوة نظرا لحق المريض في المعرفة.


والغريب أنه في اليوم الأول من شهر أغسطس الجاري صدر بيانا من هيئة الدواء المصرية يؤكد على عدم اعتماد أية أخبار لم تنشرها الهيئة على مواقعها المختلفة؛ وهو ما فتح الباب أمام تفسيرات متعددة حيث أن البيان لم ينفى الخبر ولم يؤكده.

ماذا يعنى عدم طباعة السعر الجبري للدواء واضحا على العبوة كما كان متبعا في مصر:
طباعة سعر الدواء على العبوة كان أمرا معتادا في مصر لسنوات طويلة ، وعند تغيير السعر رسميا فإنه ترد نشرة معتمدة بالتعديل وبناء عليه يقوم الصيدلي بوضع لاصق بالسعر الجديد ويطمس به السعر القديم بأسلوب روتيني حيث أن ارتفاع بعض أسعار الأدوية من الأمور المعروفة ، ولكن المشكلة ظهرت عام 2017 حيث قامت وزارة الصحة بزيادة أسعار 3010 صنف دوائي دفعة واحدة وبنسب متفاوتة ؛ وقتها أصدر وزير الصحة القرار رقم 23 لسنة 2017 بحظر تعديل السعر القديم ، وبناء عليه فقد نشأت ظاهرة وجود نفس العبوة الدوائية من نفس الشركة بأكثر من سعر على أرفف الصيدلية.

أدى السماح بتداول العبوة نفسها بأكثر من سعر إلى تخفيف أثر الزيادة على بعض المرضى مؤقتًا، لكنه خلق ارتباكًا دائمًا داخل الصيدليات، وأضعف قدرتها المالية، وأصبح سببًا متكررًا للخلاف بين الصيدلي والمواطن.؛ حيث بدأت المشاكل اليومية بين المريض والصيدلي واتهامه بالمغالاة في الأسعار، في حين كان الصيدلي يعاني من الإرهاق ماليا لتوفير نفس كمية الدواء المعتادة، حيث بدأ الرصيد المالي للصيدلية في التآكل، وبلغت المشكلة ذروتها بعد التعويم الأخير للجنيه المصري في شهر مارس عام 2024، حيث اضطر أصحاب 1500 صيدلية إلى غلقها وذلك بسبب عدم القدرة المالية توفير احتياجات المرضى من الدواء.


أهمية التطوير الرقمي وإنشاء منظومة التتبع الدوائي وآليات التنفيذ:

منظومة التتبع الدوائي، والتي تمثل النظام الرقمي الوطني لتتبع المستحضرات الدوائية من مرحلة الإنتاج وحتى وصولها إلى المريض لتعزيز سلامة وجودة الدواء وضمان وصول مستحضرات دوائية آمنة وعالية الجودة لكل مواطن، فضلًا عن مكافحة الغش التجاري والتصدي للأدوية المغشوشة أو منتهية الصلاحية، بما يدعم الثقة في المنظومة الدوائية المصرية.

وقد بدأت الخطوة المرحلة الأولى من تطبيق المنظومة في شهر فبراير 2026 حيث تم البدء بتطبيق النظام على مستحضرات الجدول الأول (المواد المخدرة) المستوردة كمرحلة أولى، نظرًا لطبيعتها الرقابية الخاصة وأهميتها في إحكام السيطرة على تداولها، وفى حواره على إحدى الفضائيات يوم 3 أغسطس الجاري ؛ أكد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية، أن تطبيق منظومة “التتبع الدوائي” في مصر يسير بخطى مدروسة وتدريجية لتجنب أي عقبات مفاجئة، مشيراً إلى أن دولاً كبرى في أوروبا وأمريكا استغرقت ما بين ثماني إلى عشر سنوات لتطبيق هذه المنظومة بالكامل.

وأوضح أن المرحلة الأولى للمنظومة انطلقت بنجاح وشملت أدوية الجدول والأدوية المستوردة بحوالي 1300 صنف، لتبدأ بعدها المرحلة الثانية في شهر أغسطس الجاري مستهدفة الأدوية المحلية. وتعتمد المنظومة في انطلاقها على اختيار الشركات والمصانع الكبرى والموزعين والصيدليات والمخازن ذات الجاهزية العالية، خاصة تلك التي تقوم بالتصدير وتمتلك بالفعل البنية التحتية المطلوبة لطباعة وتتبع الأكواد الدولية.

هيئة الدواء المصرية تعتمد آلية جديدة لتحديد أسعار الأدوية، ولها تأثير مباشر على المريض وعلى الصيدلي:
بالإضافة إلى وجود القرار الوزاري رقم 499 لسنة 2012 ويشمل وضع سعر يتناسب مع سعر نفس الصنف في الدول المرجعية؛ فإن هيئة الدواء المصرية أضافت عناصر أخرى لتناسب الرضع الراهن في مصر، ويشمل عدة محاور:
أولا: تشمل الثلاثية مصفوفة سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، ونسبة التضخم، وسعر الفائدة أو تكلفة القروض؛
1- سعر الدولار (المادة الخام): نطاق واسع من مستلزمات صناعة الدواء يُستورد من الخارج بالعملة الصعبة. كلما ارتفع الدولار أمام الجنيه، زادت تكلفة شراء «المادة الفعالة» والكبسولات وخامات التعبئة.

2-التضخم (مصاريف التشغيل): ليس فقط الخامات هي ما يرتفع؛ بل تشمل التكلفة أيضاً مصاريف كهرباء المصانع، وسولار سيارات التوزيع، وأجور العمال، ومواد التشغيل.
3-سعر الفائدة (تكلفة القروض): لتوفير شحنات الخامات، تضطر المصانع للاقتراض من البنوك. كلما ارتفعت الفائدة، زادت فائدة الدين التي تتحملها الشركات، وتُضاف هذه الزيادة في النهاية على تكلفة إنتاج الشريط.
وهذه العناصر لا تعمل منفصلة، لأنه غالبًا ما يؤدي ارتفاع سعر الصرف إلى زيادة الضغوط التضخمية، وقد يدفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة للحد من التضخم.

ومن ناحية أخرى فإن وجود معادلة واضحة ومعلنة للتسعير يحقق قدرًا أكبر من الشفافية، ويقلل من الجدل المجتمعي مع كل تعديل في الأسعار، طالما كانت معاييرها معروفة للجميع وقابلة للمراجعة.
ثانيا: تأثير التغير في الأسعار على حياة المريض؟
ضغط مباشر على ميزانية الأسرة: ارتفاع قيمة تكاليف العلاج الشهيرة للأسر، خاصة لمن يشترون أدويتهم على نفقتهم الخاصة من الصيدليات.
2-خطر قطع العلاج: قد يضطر أصحاب الأمراض المزمنة (كالضغط والسكري) لتقليل الجرعات أو إيقافها لتوفير التكاليف، وهو سلوك بالغة الخطورة صحياً.
3-تزاحم على الخدمات المجانية: انتقال أعداد أكبر من المواطنين للبحث عن الأدوية في المستشفيات الحكومية وجلسات العلاج على نفقة الدولة تخفيفاً للأعباء.
ثالثا: تأثير منظومة التسعير الجديدة على الصيدلي:
وفى نفس الوقت فإنه توجد ميزة تعود على الصيدلي من نظام التتبع الدوائي وتشمل: إنهاء مشكلة وجود العبوة نفسها بأكثر من سعر، وتقليل الخلافات مع المرضى، وتسهيل تحديث الأسعار إلكترونيًا، وتقليل الخسائر الناتجة عن تغير الأسعار، وربط البيع بمنظومة التتبع بدلًا من الاعتماد على السعر المطبوع.
الخلاصة هي في تخلص هيئة الدواء المصرية من “نظرية الحصان الميت” ومواجهة الواقع عمليا وبشفافية:
نظرية الحصان الميت هي مجاز إداري شائع يُستخدم لوصف الإصرار على الاستمرار في مشروع أو نظام أو سياسة ثبت فشلها تمامًا، بدل الاعتراف بأنها “حصان ميت” ووقف إهدار الوقت والمال والجهد عليها.
والحصان الميت هنا أقصد به القرار الوزاري رقم 499 لسنة 2012 الخاص بمقارنة سعر الدواء مع مثيله في الدول المرجعية، والقرار الوزاري رقم 23 لسنة 2017 الخاص بوجود أكثر من تسعيرة جبرية لنفس العبوة الدوائية داخل الصيدلية؛ ولأن وزير الصحة والسكان مكلف منذ نهاية عام 2024 برئاسة لجنة أولويات الدواء والتي تشمل هيئة الدواء المصرية وهيئة الشراء الموحد، فمن الواجب إصدار قرار وزاري يلغى ما سبق؛
وتبدأ عملية تسعير الدواء حسب العناصر الثلاثة التي تمت الإشارة إليها مع وضع حزمة من الضوابط الحاكمة مثل: حماية توافر الدواء قبل حماية السعر، وعدم تحميل الشركات خسائر مزمنة، وعدم ترك المريض فريسة للسوق السوداء، مع مراعاة مراجعة سعر الدواء كل فترة مناسبة بناءً على: مؤشر أسعار المواد الخام ،وسعر الصرف،و تكاليف الشحن ،وتكلفة التشغيل المحلية، وذلك في إطار هام جدا وهو مراعاة الفئات الحرجة في نسبة زيادة الأسعار ، إضافة إلى أهمية وجود الدعم الحكومي الحقيقي للدواء من الخزينة العامة لأصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحرجة،
وللتسهيل على الصيدلي وعلى المريض فإنه يمكن العودة للنظام القديم والذي يسمح للصيدلي بلصق السعر الجبري الجديد في كل مرة يصدر فيها قرار من هيئة الدواء المصرية بتغيير السعر الجبري للدواء، ووضعه في ملصق بجوار الباركود ليس عليه مشكلة حسب منظومة التتبع الدوائي طالما انه واضح على العلبة والمواطن يعلم ان الملصق الجديد صحيح وبه السعر الجبري..
إن نجاح منظومة التتبع الدوائي لا ينبغي أن يكون على حساب حق المواطن في معرفة السعر الجبري للدواء، كما أن تحديث آليات التسعير يجب أن يوازن بين استدامة الصناعة الدوائية وحماية المريض من الأعباء المالية. فالدواء ليس سلعة تجارية فحسب، بل خدمة صحية تمس الأمن الصحي للمجتمع بأكمله.


المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى