شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: زلزال ميشيغان… عبدالرحمن السيد عند باب التاريخ

ليست كل انتخابات تغير الوجوه قادرة على تغيير السياسة، وليست كل نتيجة محدودة في أرقامها محدودة في آثارها.

في ميشيغان، لم يفز الدكتور عبدالرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ فحسب، بل هز ثلاث مسلمات استقرت طويلا في السياسة الأمريكية: أن المال الكبير يستطيع شراء الطريق إلى السلطة، وأن التمرد على المؤسسة الحزبية انتحار انتخابي، وأن تحدي النفوذ الإسرائيلي كفيل بإغلاق أبواب المستقبل.

فاز السيد بنحو 48.5%، مقابل 47.5% للنائبة هايلي ستيفنز، رغم دعم المؤسسة الديمقراطية وكبار الممولين وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل لمنافسته، ورغم عشرات الملايين التي أنفقت لتقديمها بوصفها المرشحة «الآمنة»، وتصويره مغامرة أيديولوجية لا تحتملها ولاية متأرجحة.

كان الفارق نحو خمسة عشر ألف صوت من أكثر من مليون ونصف المليون ناخب. وهو فارق ضئيل، لكنه اخترق جدارا هائلا؛ ففي السياسة، قد يكون ثقب صغير في جدار ضخم أخطر من انهيار جدار هش.

اسمه الكامل عبدالرحمن محمد السيد. ولد في ميشيغان عام 1984 لأبوين مصريين، وجاء والده من الإسكندرية إلى الولايات المتحدة لدراسة الهندسة.

تخرج في جامعة ميشيغان، وحصل على منحة رودس، ودرس الصحة العامة في أكسفورد، وأكمل دراسته الطبية في جامعة كولومبيا، ثم أدار إدارة الصحة في ديترويت وتولى مسؤوليات صحية وإنسانية في مقاطعة وين.

لكن الشهادات الكبرى لا تفسر وحدها صعوده. ما صنع تجربته أنه لم ير الطب مهنة محايدة، بل نافذة على أمراض النظام نفسه.

رأى الفقراء يمرضون أكثر لأنهم أفقر، وفاتورة العلاج تتحول إلى حكم بالإفلاس، وتلوث المياه يصبح قرارا طبقيا، وفرص الحياة توزع كما توزع الثروة والنفوذ.

انتقل من تشخيص الجسد إلى تشريح الدولة، ومن علاج المريض إلى مساءلة النظام الذي يصنع المرض، ثم يبيع ضحيته الدواء.

لم يبن السيد حملته على هويته الإسلامية أو أصوله المصرية، بل على سؤال بسيط وعميق: لمن تعمل الحكومة؟

للمواطن الذي يدفع الضرائب ويخشى المرض والبطالة وفاتورة السكن، أم للشركات التي تمول الانتخابات ثم تسترد ما دفعته نفوذا وتشريعات وامتيازات؟
هذا هو جوهر التجربة وسر الخوف منها. فالمؤسسات لا تخشى المختلف بسبب اسمه فقط، بل تخشاه حين يغير السؤال الذي تدور حوله الانتخابات.

أرادت معركة حول اعتداله ودينه وموقفه من إسرائيل وقابليته للفوز، فأعادها إلى أصلها: من يمتلك القرار الأمريكي؛ الناخب أم الممول؟

وهذا، في تقديري، سؤال ليبرالي قبل أن يكون شعارا يساريا، فالليبرالية الحقيقية لا تعني تفويض الشركات الكبرى لاحتكار السوق والدولة معا، بل حماية الحرية والمنافسة وتكافؤ الفرص، ومنع تحول الثروة إلى سلطة سياسية تشتري القانون والقرار.

السوق الحرة لا تعني دولة أسيرة للأغنياء، كما أن العدالة الاجتماعية لا تعني دولة تبتلع المجتمع. وبين احتكار رأس المال واستبداد السلطة، تقف الليبرالية دفاعا عن الإنسان وحقه في الاختيار.

هزم السيد مرشحة المؤسسة، لكنه لم يهزم المؤسسة ذاتها. فالمؤسسات لا تسقط بخسارة واحدة، ولا تعترف بسهولة بأن قواعد اللعبة تغيرت.

ستحاول احتواءه إن أمكن، وعزله إن تعذر، وتحميله وحده مسؤولية أي إخفاق في نوفمبر. فإذا فاز، نسبوا انتصاره إلى وحدة الحزب؛ وإذا خسر، قالوا إن الناخب الأمريكي رفض مشروعه التقدمي.

تلك هي حيلة المؤسسات القديمة: تحتفظ لنفسها بملكية الانتصارات، وتترك للمتمردين ميراث الهزائم.

لكن السيد نجح، حتى الآن، في هز تعريفها لكلمة «الممكن»، فقد اختزلت الواقعية في مرشح لا يزعج الممولين ولا يراجع ثوابت السياسة الخارجية، بينما أعاد هو تعريفها باعتبارها قدرة على رؤية آلام الناس كما هي، لا كما تسمح بها استطلاعات الرأي. فالاعتدال الذي يحرس الظلم ليس اعتدالا، بل إدارة هادئة للأزمة.

اكتسبت النتيجة معناها الأكبر من موقفه تجاه غزة. فقد وصف ما جرى فيها بأنه إبادة جماعية، وطالب بوقف المساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل، بينما تلقت منافسته دعما هائلا من جماعات الضغط المؤيدة لها، وحاولت حملة كثيفة تحويل موقفه الأخلاقي والسياسي إلى تهمة انتخابية.

ومع ذلك، فاز.

لا يعني ذلك نهاية نفوذ إيباك، ولا انقلاب السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. مثل هذا الاستنتاج سيكون احتفاليا أكثر منه تحليليا. لكنه يعني أن هذا النفوذ فقد احتكاره لتعريف المسموح والممنوع داخل الحزب الديمقراطي، وأن الانحياز إلى الحقوق الفلسطينية لم يعد انتحارا انتخابيا محتوما.

ما حدث ليس نهاية النفوذ الإسرائيلي، بل بداية سقوط فكرة عصمته من الهزيمة. والنفوذ لا يعيش بقوته المادية وحدها، بل باعتقاد الآخرين أنه لا يقهر. فإذا انكسر الخوف منه مرة، أصبح تكرار التحدي ممكنا.

مع ذلك، لا ينبغي أن نحمل النتيجة أكثر مما تحتمل. فالسيد فاز في انتخابات تمهيدية بين الديمقراطيين، لا في استفتاء شمل ميشيغان كلها. كما يكشف الفارق الضئيل حزبا منقسما بين جناح يريد تغييرا أعمق في الاقتصاد والسياسة الخارجية، وآخر يخشى أن يدفع الحزب ثمن ذلك في الانتخابات العامة.

فالنتيجة ليست تفويضا كاملا لليسار، بل إعلان ميلاد قوة لم تعد المؤسسة قادرة على تجاهلها.

وهنا تبدأ المعضلة: المرشح التقدمي يحتاج إلى الحماسة ليفوز داخل حزبه، لكنه يحتاج إلى الطمأنينة ليفوز بالولاية. فإذا بالغ في الطمأنة فقد قاعدته، وإذا اكتفى بإرضاء القاعدة خسر الوسط المتردد. وتلك هي المسافة الدقيقة بين نقاء الفكرة ومتطلبات الحكم.

في نوفمبر، سيواجه السيد مايك روجرز، السياسي الجمهوري المخضرم والمدعوم من دونالد ترامب، في ولاية فاز بها ترامب عام 2024.

سيحاول الجمهوريون نقل المعركة من الاقتصاد إلى الهوية، ومن فاتورة العلاج إلى اسم المرشح، ومن نفوذ الشركات إلى دينه، ومن حقوق الفلسطينيين إلى أمن إسرائيل. وسيستخدمون أصوله المصرية وعقيدته الإسلامية وموقفه من غزة لبناء صورة خصم ثقافي، لا مجرد منافس سياسي.

إنهم يعرفون أن مناقشته في تكاليف العلاج والسكن والديون الطبية قد تمنحه الأفضلية، ولذلك سيحاولون إجباره على خوض انتخابات حول شخصه لا برنامجه.

فإذا تحولت الحملة إلى محاكمة لهويته، ظل في موقع الدفاع. أما إذا جعلها محاكمة لنظام يزداد فيه المواطن فقرا والشركات نفوذا، فقد نقلها إلى أرضه.
السؤال ليس: هل يستطيع إقناع الناخب بأنه غير متطرف؟ بل: هل يستطيع إقناعه بأن التطرف الحقيقي أن تعجز أغنى دولة في العالم عن علاج مواطنيها، وأن يمول العامل بحصيلة ضرائبه الحروب، بينما يعجز عن دفع ثمن الدواء؟

يحتاج السيد إلى تحالف يتجاوز الهوية. فالعرب والمسلمون لا يكفون، وكذلك الشباب والتقدميون والمدن الكبرى.

الفوز يتطلب الوصول إلى العامل الأبيض الذي صوت لترامب غضبا من النخب، والناخب الأسود الذي يرفض أن يتذكره الديمقراطيون عند الصندوق فقط، وسكان الضواحي الذين يخشون الفوضى ويعانون غلاء الحياة، والمستقل الذي لا ينتمي إلى اليمين أو اليسار بقدر انتمائه إلى قلقه اليومي.

إذا خاطب هؤلاء بلغة الشعارات خسرهم، وإذا خاطبهم بلغة المصالح المشتركة فقد يصنع مفاجأة أكبر.

فالناخب الذي اختار ترامب احتجاجا على المؤسسة ليس عدوا طبيعيا لكل مرشح تقدمي، رغم المسافة الهائلة بين المشروعين. كلاهما يستثمر غضبا من نظام فقدت قطاعات واسعة ثقتها فيه؛ لكن ترامب يحول الغضب إلى خوف من المهاجر والأجنبي والمختلف، بينما يحاول السيد توجيهه إلى الاحتكار والمال السياسي.

لذلك قد تصبح معركة نوفمبر مواجهة بين شعبويتين: واحدة تبني قوتها على الخوف، وأخرى تراهن على العدالة؛ واحدة تبحث للناس عن عدو أضعف منهم، وأخرى تبحث عن نظام أكثر إنصافا لهم.

هنا تبرز المفارقة المصرية المؤلمة.

نفرح لأن رجلا من أصول مصرية اقترب من مجلس الشيوخ الأمريكي، لكن الفرح لا ينبغي أن يحجب السؤال: لماذا يجد المصري فرصة المنافسة الحرة خارج وطنه، بينما تصبح المنافسة داخله جريمة؟

في الولايات المتحدة، يستطيع ابن مهاجر مصري هزيمة مرشحة تدعمها قيادات حزبه، وتحدي جماعات ضغط أنفقت عشرات الملايين، وانتقاد السياسة الخارجية للدولة، ثم الاحتكام إلى صندوق الانتخاب.

وفي مصر، قد يصبح مجرد التفكير في منافسة حقيقية أو بناء حزب مستقل أو نقد الرئيس، ملفا أمنيا قبل أن يصبح مشروعا سياسيا.

المسألة ليست تفوق شعب على آخر، بل اختلاف نظامين: نظام، رغم عيوبه وسطوة المال فيه، يسمح للمجتمع بأن يصحح مسار السلطة؛ وسلطة ترى في المجتمع خطرا ينبغي تصحيحه وإسكاته.

نجاح عبدالرحمن السيد لا يطرح سؤال الهجرة وحدها، بل سؤال الوطن الذي يحاصر الكفاءة، ثم يحتفل بها عندما تنجح تحت علم آخر.

كم عبدالرحمن السيد خسرته مصر، لا لقلة موهبتهم، بل لأن الطريق أمامهم لم يصل أصلا إلى صندوق انتخاب؟

ومع ذلك، لم يفز الرجل لأنه مصري الأصل، وهذه نقطة ضرورية حتى لا نحول نجاحه إلى احتفال قومي سطحي.

الناخب في ميشيغان لم يصوت للإسكندرية، بل للرعاية الصحية والعدالة الاقتصادية ومواجهة المال السياسي، ولم ينتخب مسلما ليبرهن على تسامحه، بل سياسيا جعل دينه وأصله جزءا من قصته الإنسانية، لا بديلا عن برنامجه.

فالهوية قد تمنح المرشح قاعدة، لكنها لا تمنحه أغلبية، والسياسي العربي الذي يخاطب العرب وحدهم يظل ممثلا لجالية؛ أما الذي يحمل خبرتهم إلى مشروع وطني يخاطب الجميع، فقد يصبح ممثلا لأمة كاملة.

وقيمة قصة السيد ليست أن مصريا اقترب من مجلس الشيوخ، بل أن أمريكيا من أصل مصري لم يطلب أصوات الناس تعاطفا مع أصله، وإنما ثقة في مشروعه.

إذا فاز في نوفمبر، سيصبح أول مسلم ينتخب عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي، وستتجاوز دلالة فوزه حدود الرمز.

سيثبت أن الجناح التقدمي قادر على الانتصار في ولاية متأرجحة، وسيمنح المنتقدين للدعم غير المشروط لإسرائيل شرعية أوسع داخل الكونغرس، وقد يجعله أحد وجوه إعادة بناء الحزب الديمقراطي قبل انتخابات الرئاسة عام 2028.

أما إذا خسر، فستستخدم المؤسسة هزيمته لتقول إن التقدميين يستطيعون الفوز داخل الحزب ولا يستطيعون الفوز بالمجتمع، ولتخويف المرشحين الآخرين من تحدي الممولين أو الاقتراب من فلسطين.

لهذا، فمعركته أكبر من مقعد. إنها اختبار لاتجاه الحزب الديمقراطي، وحدود المال السياسي، وقدرة العرب والمسلمين على بناء تحالف وطني، لا مجرد كتلة غاضبة.

أرى أن أخطر ما يواجه السيد ليس هجوم الجمهوريين وحده، بل احتمال ترويضه ديمقراطيا.

قد تطالبه المؤسسة بتخفيف لغته وتأجيل أفكاره وطمأنة الممولين وتعلم الصمت باسم الواقعية. وهنا يكون الامتحان الحقيقي؛ فالسياسي الذي يرفض كل تسوية يصبح خطيبا بلا أثر، والذي يقبل كل تسوية يصبح أثرا بلا صاحب.

القيادة ليست في نقاء الرفض أو سهولة القبول، بل في معرفة ما يمكن التفاوض عليه وما لا يجوز التفريط فيه. ويحتاج السيد إلى براغماتية تحمي مشروعه، لا أخرى تبتلعه؛ وإلى الاقتراب من الوسط دون أن يتحول إلى نسخة من الذين هزمهم.

فالسلطة لا تختبر المعارض حين تحاربه فقط، بل تختبره بصورة أخطر عندما تعرض عليه مكانا داخلها.

مفتاح نوفمبر لن يكون اندفاعا أكبر إلى اليسار، ولا هروبا مرتبكا إلى الوسط، بل خطابا جديدا: جذريا في انحيازه إلى الإنسان، واقعيا في أدواته، وليبراليا في دفاعه عن الحرية والمنافسة، ووطنيا في اتساعه.

إذا قدم الرعاية الصحية بوصفها تحريرا للإنسان من الخوف، ومواجهة الاحتكار بوصفها دفاعا عن السوق، ورفض الحروب بوصفه حماية لدافع الضرائب، فسوف ينتزع من الجمهوريين مفردات الحرية والوطن والأمن.

أما إذا ترك لهم احتكار هذه الكلمات، وحصر نفسه في لغة جناحه الحزبي، فسوف يسمح لخصومه بأن يعرفوه للناخب قبل أن يعرف هو نفسه.

وصل عبدالرحمن السيد إلى باب التاريخ، لكنه لم يدخله بعد.

كسر حق الفيتو الذي ظنت قوى المال والضغط أنها تملكه، لكنه لم يكسر قوتها. هزم مرشحة المؤسسة، لا المؤسسة نفسها. وأثبت أن فلسطين لم تعد تهمة انتخابية قاتلة، لكنه لم يغير بعد السياسة الأمريكية.

قيمة انتصاره أنه أعاد فتح باب الاحتمال: أن يهزم الصوت شيك المليونير، وأن يتحدى المرشح حزبه دون أن يغادره، وأن يصبح المسلم جزءا من القرار لا مجرد موضوع له، وأن ينتقل ابن المهاجر من طلب الاعتراف إلى صناعة المستقبل.

لكن الديمقراطية، في جمالها وقسوتها، لا تمنح أحدا نصرا أخيرا.

فاز السيد بحق خوض المعركة، لا بحق امتلاك نتيجتها. وما بين أغسطس ونوفمبر، عليه أن يثبت أن من جمع الغاضبين يستطيع جمع المختلفين، وأن من هزم المؤسسة قادر على إقناع المجتمع.

فإن فعلها، لن يكون أول مسلم منتخب في مجلس الشيوخ فحسب، بل أول سياسي من أصول مصرية يمسك بأحد مفاتيح القرار في القوة الأكبر في العالم.

وعندها تصبح قصته مرآة فاضحة لبلد أبيه:
بلد أنجب إنسانا قادرا على بلوغ مجلس الشيوخ الأمريكي، لكنه ما زال يخشى أن يترك لمواطنيه طريقا حرا إلى مجلس نوابه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى