تونسحقوق وحرياتملفات وتقارير

الاتحاد الوطني للمرأة التونسية: من خيمة جامعة إلى صرح يصارع البقاء

تحول الاتحاد الوطني للمرأة التونسية من صرح شامخ يجمع كافة أطياف المجتمع إلى مبنى يصارع البقاء وسط تراجع حاد في الأدوار الحيوية التي اعتاد تقديمها على مدار عقود طويلة. شهدت تلك المنظمة العريقة التي ارتبط تأسيسها بمسار الاستقلال في الجمهورية التونسية تحولات جذرية أدت إلى تقلص فاعليتها وانحسار حضورها الميداني بعد أن كانت تمثل خيمة جامعة لكل النساء التونسيات بمختلف خلفياتهن الفكرية والثقافية والاجتماعية وسرعان ما تبدلت ملامح هذا الكيان التاريخي ليصبح مقراً شبه مهجور يفتقر إلى أبسط المقومات الضرورية لاستمرار العمل اليومي أو دفع مستحقات العاملين فيه.

تأسس الاتحاد الوطني للمرأة التونسية كثمرة لنضال نسوي ووطني نبيل عقب انتخاب أول مجلس قومي تأسيسي في سنة 1956 حيث أشار الزعيم حبيب بورقيبة إلى ضرورة انخراط النخبة النسائية في تنظيم العنصر النسوي وبذل التضحيات لبناء المجتمع وتجاوز مخلفات الاستعمار المتمثلة في التخلف والفقر. نجح الاتحاد منذ مؤتمره الأول في سنة 1958 في التوسع عبر هياكل وفروع امتدت داخل المدن والقرى والأرياف وخارج الحدود الوطنية ليصبح منارة للإشعاع الثقافي والاجتماعي.

تعاقبت على رئاسة هذه المؤسسة شخصيات نسائية بارزة مثل راضية الحداد وفتحية مزالي ونزيهة مزهود وفائزة الكافي وشاذلية بوخشينة وصولا إلى راضية الجربي التي تتولى المسؤولية منذ سنة 2011. ساهم الاتحاد في تلك الحقبة في فرض تعليم الفتيات وتطبيق برنامج التنظيم العائلي وتقديم الرعاية الاجتماعية للأسر الفقيرة وضمان حقوق المرأة داخل الأسرة والمجتمع مستفيداً من دعم مادي ولوجستي كبير وفرته السلطة المركزية آنذاك لضمان استمرارية هذا الدور المحوري في كافة المحافظات والجهات.

شهد واقع الاتحاد الوطني للمرأة التونسية تراجعاً متواصلاً عقب أحداث سنة 2011 حيث برزت انقسامات حادة حول المكتب التنفيذي ونشبت نزاعات أدت إلى التشكيك في جدوى المنظمة واتهامها بكونها امتداداً للحزب الحاكم المنحل. أدت هذه الضغوط وتوالي الحكومات على تجميد الدعم المالي والمنح المخصصة للاتحاد إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية وتراجع عدد المنخرطات من 180 ألف منخرطة ليصل إلى 30 ألفاً فقط في الوقت الراهن مما أدى إلى عجز هيكلي عن سداد أجور الموظفين والعمال لمدة ناهزت السنتين.

تفاقمت التحديات أمام الاتحاد الوطني للمرأة التونسية نتيجة غلاء المعيشة وانعدام الموارد الضرورية لتسيير الأنشطة الميدانية مما دفع الموظفين لتنظيم وقفات احتجاجية متكررة للمطالبة بتمكين المؤسسة من مستحقاتها المالية. لم يجد هؤلاء استجابة تذكر من الحكومات المتعاقبة مما دفع العديد من الكوادر والمنخرطات إلى مغادرة العمل الجمعياتي أو التوجه نحو كيانات نسائية أخرى ظهرت في المشهد بعد الثورة تاركين خلفهم مقراً يشهد فراغاً متزايداً وغياباً تاماً للنشاط المعهود الذي ميز هذا التاريخ العريق.

تتعالى اليوم الأصوات المطالبة بضرورة التحرك العاجل لإنقاذ الاتحاد الوطني للمرأة التونسية عبر ضخ دماء جديدة وتجديد استراتيجيات العمل والانفتاح على فئة الشابات والطالبات اللواتي يجهلن تاريخ هذا الكيان. يرى مراقبون أن عملية الإصلاح لا تتوقف عند الجانب المادي وتوفير المنح فحسب بل تتطلب معالجة الخلافات الداخلية وإعادة الهيكلة الإدارية لتجاوز مرحلة الركود التي حولت هذا الصرح العريق إلى كيان شبه معزول عن محيطه الاجتماعي والنسوي الذي كان يخدمه بكل تفانٍ وإخلاص على مر السنوات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى