
تتكرر بين حين وآخر اتهامات تزعم أن جماعة الإخوان المسلمين تعتبر نفسها «جماعة المسلمين»، وأنها تحتكر الإسلام، وتجعل الانتماء إليها معيارًا للإيمان أو الالتزام بالدين. وهذه الدعوى، على كثرة ترديدها، تحتاج إلى إنصاف علمي وتمييز واضح بين اسم الجماعة وبين حقيقة تصورها الشرعي المعلن، الذي أصّله الإمام المؤسس حسن البنا حين أكد مبكرًا أن الجماعة «روح تسري في جثة هذه الأمة»، وليست حزبًا ولا حجرًا على واسع.
فالإخوان المسلمون لم يقولوا إنهم جماعة المسلمين التي تمثل الأمة كلها، ولم يجعلوا العضوية في جماعتهم شرطًا في الإسلام، ولم يحكموا على من لم ينضم إليها بالخروج من جماعة المسلمين. بل إن التصور الذي استقر في أدبياتهم أنهم جماعة من المسلمين، تعمل في مجالات الدعوة والإصلاح والتربية والسياسة وخدمة المجتمع، وتجتهد في فهم الإسلام وتنزيله على الواقع، ويجوز في اجتهادها الصواب والخطأ.
والفرق كبير ومنهجي بين «جماعة المسلمين» و«جماعة من المسلمين». فجماعة المسلمين تشمل الأمة كلها، ولا يجوز لتنظيم أو حزب أو حركة أن يحتكر هذا الوصف لنفسه. أما الجماعة الدعوية، فهي إطار بشري يضم عددًا من المسلمين يجتمعون على أهداف ووسائل محددة، دون أن ينفردوا بتمثيل الإسلام أو امتلاك الحق المطلق.
ثم إن التنظيم وسيلة وليس دينًا جديدًا، والرؤية الشرعية التي يقوم عليها وجود الإخوان، كغيرهم من الجماعات الإصلاحية، تنطلق من أن بعض الواجبات وفروض الكفاية لا يستطيع الأفراد القيام بها متفرقين، وأن الدعوة والتعليم والإغاثة والإصلاح السياسي والاجتماعي تحتاج إلى تعاون وتنظيم وتوزيع للأدوار.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104].
فالتجمع على عمل مشروع ليس بدعة ولا خروجًا على وحدة الأمة، بل قد يكون وسيلة لازمة لأداء فروض الكفايات، ما دام لا يتحول إلى عصبية حزبية، ولا يجعل التنظيم بديلًا عن الأمة، ولا يقدم ولاءه الخاص على الحق والعدل.
ومن هنا، فإن الإخوان، في أصل تصورهم، لا ينظرون إلى جماعتهم باعتبارها غاية قائمة بذاتها، وإنما باعتبارها وسيلة لخدمة الإسلام والمجتمع. والتنظيم لا يكتسب قداسة، ولا تصبح قراراته وحيًا، ولا تُعصم قياداته من الخطأ، وإنما يظل اجتهادًا بشريًا يخضع للمراجعة والمحاسبة والتقويم الشوري.
لا عصمة لجماعة ولا قيادة
من أصول الإسلام أنه لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل جماعة أو قيادة أو مؤسسة إسلامية تؤخذ منها الأقوال وتُرد، وتُطاع في المعروف، ولا طاعة لها في معصية أو ظلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف» [متفق عليه].
وعليه، فالالتزام التنظيمي داخل الإخوان هو عقد عمل جماعي وتكليف إداري وتربوي في حدود الشرع، وليس بيعة إمامة عامة توجب الطاعة المطلقة، ولا عقدًا يُسقط حق العضو في النصح والنقد والمراجعة، ولا تفويضًا مطلقًا للقيادة.
إنما هو التزام نظامي يهدف إلى تنظيم الجهود، ولا يعلو على الكتاب والسنة ولا على مبادئ العدل والشورى.
ومن ثم، فإن من ينتقد قرارًا للجماعة، أو يختلف مع قيادتها، أو يخرج من صفوفها، لا يخرج بذلك من الإسلام ولا من جماعة المسلمين، ولا يسقط قدره أو يُثلم دينه. ومن يزعم خلاف ذلك، فهو يعبر عن فهم خاطئ أو تعصب تنظيمي، لا عن أصل معتبر في رؤية الجماعة أو في الشريعة الإسلامية.
الأخوة الإيمانية أفسح من أطر الجماعات
يعتقد الإخوان المسلمون أن الأخوة الإسلامية أوسع من التنظيم، وأن الرابطة الكبرى التي تجمع المسلمين ليست رابطة الحزب ولا التنظيم، وإنما رابطة الإيمان.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
فكل مسلم أخ للمسلم، سواء انتمى إلى الإخوان أو إلى غيرهم أو لم ينتم إلى أي جماعة. ولا يجوز أن يتحول الانتساب التنظيمي إلى مقياس للتقوى، أو أن يُنظر إلى أعضاء الجماعة بوصفهم وحدهم أهل الدعوة والعمل، بينما يُهمَّش غيرهم أو يُنتقص من فضلهم.
وقد يكون خارج الجماعة من هو أعلم وأتقى وأصدق جهادًا وأكثر نفعًا للأمة من كثير من أعضائها. والفضل عند الله بالتقوى والعمل الصالح، لا ببطاقة عضوية ولا باسم تنظيمي ولا برقم هيكلي.
بين الفكر المعلن وأخطاء الممارسة
إن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن بعض الممارسات الفردية أو الثقافات التنظيمية، والانسداد في القنوات الشورية الداخلية، قد تعطي أحيانًا انطباعًا مخالفًا لهذا الأصل. فقد يقع بعض الأفراد في التعصب للجماعة، أو يساوون بينها وبين الدعوة، أو يجعلون مصلحتها فوق مصلحة الأمة.
لكن الخطأ في التطبيق لا يصح أن يتحول إلى اتهام شامل للفكرة كلها، كما لا يصح أن تُنسب تصرفات بعض الأعضاء إلى جميع أفراد الجماعة وتاريخها وأدبياتها.
والواجب هنا أمران متلازمان: أن يُرفض الاتهام غير المنصف، وأن تراجع الجماعة أي ممارسة يمكن أن توحي باحتكار الإسلام أو تقديس التنظيم، عبر إيجاد آليات مؤسسية ومراجعات حقيقية تمنع تحول الولاء للفكرة إلى عصبية للأشخاص.
فالدفاع الصادق لا يكون بإنكار الأخطاء، بل بالتمييز بين الأصل والانحراف، وبين المبدأ والتجاوز.
لماذا تُروَّج هذه التهمة؟
تُستخدم دعوى أن الإخوان يعتبرون أنفسهم «جماعة المسلمين» في كثير من الأحيان لأغراض سياسية وإعلامية، لا للنقاش العلمي. فالهدف منها تصوير الجماعة باعتبارها تنظيمًا تكفيريًا مغلقًا يرفض المجتمع ويحتكر الدين، تمهيدًا لعزلها وتشويهها وتبرير قمعها.
لكن الخصومة السياسية لا تبيح الكذب، ولا يجوز محاكمة جماعة كاملة بمقولات لم تعتمدها، أو بأخطاء أفراد لا تمثل تصورها العام.
ومن أراد نقد الإخوان، فلينتقد قراراتهم ومواقفهم وتجربتهم السياسية والتنظيمية نقدًا موثقًا، لا أن ينسب إليهم عقائد لم يقولوها.
إن من حق الناس أن يختلفوا مع الإخوان، وأن ينتقدوا تاريخهم وقياداتهم واجتهاداتهم، لكن ليس من حق أحد أن يختلق لهم تصورًا دينيًا ثم يحاكمهم عليه.
المعيار الحاكم
الإخوان ليسوا الإسلام، كما أن مخالفيهم ليسوا خارج الإسلام. والجماعة لا تُقاس بمدى قوتها أو انتشارها، وإنما بمدى التزامها بالحق والعدل والشورى وخدمة الناس.
فإن أصابت وجب إنصافها، وإن أخطأت وجب تقويمها، وإن ظلمت وجب رد ظلمها، وإن ظُلمت وجب الدفاع عنها. وهذه هي العدالة التي أمر الله بها:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
والخلاصة أن الإخوان المسلمين، وفق رؤيتهم المعلنة وأصولهم التأسيسية، جماعة من المسلمين، لا جماعة المسلمين؛ تنظيم دعوي وإصلاحي بشري، يصيب ويخطئ، ويقبل النقد والمراجعة، ولا يملك احتكار الإسلام أو تمثيل الأمة كلها.
وأي ممارسة تخالف هذا المعنى يجب تصحيحها مؤسسيًا، لكن لا يجوز اتخاذها ذريعة لتثبيت تهمة باطلة أو تشويه جماعة بأكملها تحت عنوان محاربة الإخوان.
فالإسلام أكبر من جميع الجماعات، والأمة أوسع من جميع التنظيمات، والحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق.







