ملفات وتقارير

نور الشريف والقضية الفلسطينية.. عندما أصبح الفن موقفًا

لم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الفنان نور الشريف مجرد موضوع يصلح لفيلم سينمائي، أو قضية قومية يتحدث عنها في المناسبات، بل كانت جزءًا من رؤيته للفن، وإيمانه بأن الفنان لا يعيش بعيدًا عن قضايا أمته، وأن الشاشة ليست مساحة للترفيه فقط، وإنما منبر يستطيع أن يطرح الأسئلة، ويكشف الحقائق، ويمنح صوتًا لمن لا يملكون الوصول إلى الجمهور.

ولهذا، ارتبط اسم نور الشريف على امتداد مسيرته الفنية بالأعمال التي اقتربت من القضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي ظل يعتبرها القضية المركزية للأمة العربية، ولم يتردد في الاقتراب منها، حتى عندما كان ذلك يحمل مخاطر سياسية أو فنية.

ولد نور الشريف عام 1946، أي قبل قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي بعامين فقط، ونشأ في مرحلة شهدت واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في التاريخ العربي. ومع هزيمة عام 1967، تشكل وعي جيل كامل من المثقفين والفنانين، الذين رأوا في الفن وسيلة لمناقشة أسباب الهزيمة، وطرح أسئلة الهوية والحرية والعدالة.

وكان نور الشريف واحدًا من أبناء هذا الجيل.

فلم يكن معنيًا بتقديم البطولة التقليدية، بقدر ما كان يبحث عن الشخصيات التي تعكس صراع الإنسان العربي، وتحمل هموم المجتمع، ولذلك جاءت معظم اختياراته مرتبطة بالواقع السياسي والاجتماعي، سواء داخل مصر أو في محيطها العربي.

ومع مرور السنوات، أصبح واضحًا أن القضية الفلسطينية لم تكن غائبة عن اختياراته، حتى قبل تقديم فيلم “ناجي العلي”.

فقد كان يشارك في الفعاليات الثقافية والفنية الداعمة لفلسطين، ويتحدث في لقاءاته عن مسؤولية الفنان تجاه قضايا أمته، مؤكدًا أن الفن يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا انفصل عن الإنسان، وعن القضايا التي تشغله.

لكن المحطة الأهم في علاقة نور الشريف بفلسطين جاءت في مطلع التسعينيات، عندما وافق على بطولة فيلم “ناجي العلي”، الذي يُعد حتى اليوم واحدًا من أكثر الأفلام السياسية إثارةً للجدل في تاريخ السينما العربية.

لم يكن الفيلم مجرد سيرة ذاتية لرسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير، وإنما كان محاولة لفهم مرحلة كاملة من تاريخ القضية الفلسطينية، بكل ما حملته من صراعات، وانقسامات، وأسئلة مؤجلة.

وقد جسد نور الشريف شخصية ناجي العلي، الفنان الذي حوّل الريشة إلى سلاح، والكاريكاتير إلى وثيقة سياسية، ورسم مئات اللوحات التي انتقدت الاحتلال الإسرائيلي، كما انتقدت الواقع العربي، ورفضت المساومة على الحقوق الفلسطينية.

وكان يدرك منذ اللحظة الأولى أن العمل لن يمر بهدوء.

فناجي العلي لم يكن شخصية عادية، بل كان واحدًا من أكثر الأصوات الفلسطينية جرأة، واغتيل في لندن عام 1987 بعد أن دفع ثمن مواقفه ورسوماته التي أغضبت أطرافًا كثيرة.

ولهذا، فإن تجسيد شخصيته لم يكن مغامرة فنية فقط، بل كان أيضًا موقفًا سياسيًا وثقافيًا.

وقد واجه الفيلم منذ الإعلان عنه موجة واسعة من الجدل، وتعرض لانتقادات وضغوط قبل عرضه وبعده، كما لم يحظَ بالانتشار الجماهيري الذي كانت تحققه أفلام نور الشريف الأخرى، بسبب حساسية القضية التي تناولها.

لكن نور الشريف لم يتراجع، ولم يبدِ ندمًا على المشاركة فيه.

بل ظل يعتبر “ناجي العلي” واحدًا من أهم الأعمال التي قدمها في حياته، لأنه كان يرى أن قيمة الفنان لا تُقاس فقط بحجم الإيرادات، وإنما بقدرته على الدفاع عن القضايا التي يؤمن بها.

ولم يكن اختياره لهذا الفيلم قرارًا منفصلًا عن مشروعه الفني.

فعلى امتداد مسيرته، كان نور الشريف يميل إلى الأعمال التي تناقش السلطة، والحرية، والعدالة، وحقوق الإنسان، وهي القضايا نفسها التي كان ناجي العلي يدافع عنها بريشته.

ولذلك، بدا وكأن الممثل والشخصية يلتقيان في الإيمان بأن الكلمة الحرة، مهما كانت تكلفتها، تبقى أكثر تأثيرًا من الصمت.

ولعل أكثر ما ميّز الفيلم أنه لم يقدّم القضية الفلسطينية باعتبارها صراعًا عسكريًا فقط، وإنما باعتبارها قضية إنسان، اقتُلعت أرضه، وتشرد شعبه، ودخل في دوامة طويلة من الاحتلال والانقسام والانتظار.

كما لم يتردد العمل في طرح أسئلة صعبة عن الواقع العربي، وعن مسؤولية الأنظمة، والانقسامات الفلسطينية، وهو ما جعل الفيلم يثير نقاشًا واسعًا تجاوز الجانب الفني إلى السياسي.

وكان من الطبيعي أن يحتل “حنظلة”، الطفل الذي ابتكره ناجي العلي، مساحة كبيرة داخل الفيلم.

فهذا الطفل، الذي يدير ظهره للعالم ويقف مكتوف اليدين، لم يكن مجرد رسم كاريكاتيري، بل تحول إلى أحد أهم الرموز الفلسطينية، وإلى تعبير دائم عن رفض الظلم والتمسك بحق العودة.

وقد نجح نور الشريف في تقديم شخصية ناجي العلي بوصفه إنسانًا قبل أن يكون رسامًا، يحمل هموم وطنه، ويؤمن بأن الفنان لا يجوز أن يساوم على الحقيقة.

ولم تتوقف علاقة نور الشريف بالقضية الفلسطينية عند هذا الفيلم.

ففي لقاءاته الإعلامية، كان يؤكد أن فلسطين ستظل القضية المركزية للعرب، وأن الفن يجب أن يبقى منحازًا إلى الإنسان وإلى العدالة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة.

وكان يرى أن دور الفنان لا يقتصر على تقديم أعمال ناجحة، وإنما يمتد إلى الحفاظ على الذاكرة، ونقل القضايا الكبرى إلى الأجيال الجديدة، حتى لا تتحول إلى مجرد أحداث في كتب التاريخ.

وربما لهذا السبب، بقي اسم نور الشريف حاضرًا كلما جرى الحديث عن الأعمال الفنية التي تناولت فلسطين.

فكثير من الفنانين قدموا أفلامًا عن القضية الفلسطينية، لكن قليلين جعلوا منها جزءًا من مشروعهم الفكري والفني.

واليوم، وبعد سنوات من رحيله، لا يُستعاد فيلم “ناجي العلي” باعتباره عملًا سينمائيًا فقط، بل باعتباره شهادة فنية على مرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية، وعلى فنان آمن بأن الكاميرا، مثل الريشة، يمكن أن تكون سلاحًا في مواجهة النسيان.

وهكذا، لم يكن انحياز نور الشريف إلى فلسطين موقفًا عابرًا فرضته لحظة سياسية، وإنما كان امتدادًا طبيعيًا لفنان اختار طوال حياته أن يقف إلى جوار الإنسان، وأن يجعل من الفن مساحة للدفاع عن الحرية والكرامة والحق.

ولهذا، كلما ذُكر اسم نور الشريف، لا يتذكر الجمهور ممثلًا كبيرًا فقط، بل يتذكر أيضًا فنانًا آمن بأن بعض القضايا أكبر من أن تُختزل في فيلم، وأن فلسطين ستظل واحدة من تلك القضايا التي لا تغيب عن الضمير، ولا عن الفن الصادق.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى