العالم العربيملفات وتقارير

أزمة تراجع التمويل الإنساني تلتهم طموحات وحقوق النساء في اليمن

تتصاعد حدة تداعيات أزمة تراجع التمويل الإنساني في اليمن بشكل يهدد استقرار حياة ملايين النساء والفتيات اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع ظروف معيشية بالغة القسوة. يمثل انحسار الدعم المالي الموجه للمشاريع الحيوية فجوة عميقة تؤثر على توافر الرعاية الصحية وخدمات الحماية والتمكين الاقتصادي، مما يضع ملايين السيدات أمام تحديات وجودية تتجاوز مجرد نقص الخدمات لتصل إلى تهديد كيان الأسر وتماسكها الاجتماعي، في ظل استمرار ضغوط اقتصادية متفاقمة تعصف بالبلاد وتزيد من معاناة الفئات الأكثر ضعفًا.

وتعاني آلاف السيدات من تداعيات هذا الانكماش الذي لم يعد مجرد عجز في خطط الاستجابة، بل تحول إلى أزمة إنسانية ملموسة تضغط على تفاصيل الحياة اليومية. وتؤكد سارة خالد، البالغة من العمر 30 عاماً، والتي كانت تعمل في أحد الملاذات الآمنة بمدينة تعز، أن إغلاق هذه المراكز نتيجة نقص التمويل أدى إلى ضياع مساحات كانت تمثل أملًا للناجيات من العنف لإعادة بناء حياتهن، حيث تجد سارة نفسها اليوم بعد فقدان عملها في حاجة ماسة لمن يدعمها بعد أن كانت ركيزة أساسية في حماية الأخريات، مما يعكس الأثر النفسي والمهني العميق لهذا التراجع الحاد في الدعم الدولي.

أرقام مفزعة وفجوة تمويلية تتسع

توضح بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان أن نحو 10.95 ملايين امرأة وفتاة يواجهن احتياجات إنسانية ملحة، من ضمنهن 5.5 ملايين سيدة في سن الإنجاب، بالإضافة إلى أكثر من 765 ألف امرأة حامل يحتجن لخدمات الصحة الإنجابية والحماية بشكل عاجل. ومع معاناة أكثر من 18 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، تتقلص فرص الحصول على الرعاية الطبية، حيث يقدم مرفق صحي واحد فقط من بين كل خمسة مرافق خدمات صحة الأم والوليد، مما يجعل من أزمة تراجع التمويل الإنساني في اليمن كارثة صحية محققة تضاف إلى سجل المعاناة الإنسانية المستمر منذ سنوات.

تتفاقم هذه الأزمة مع محدودية الموارد المتاحة، إذ لم يتمكن صندوق الأمم المتحدة للسكان منذ بداية عام 2026 إلا من الوصول إلى 400 ألف شخص فقط بخدماته الأساسية. ويفاقم الوضع أن الصندوق لم يتسلم سوى 12.8 مليون دولار من إجمالي 71.9 مليون دولار مطلوبة للعام الجاري، مما يعني عجزاً تمويلياً يصل إلى 82%، وهذا الوضع يهدد بإغلاق المزيد من المستشفيات والمساحات الآمنة، ويجعل من أزمة تراجع التمويل الإنساني في اليمن واقعاً مريراً يهدد بانهيار كامل للمنظومة الخدمية الموجهة للنساء والفتيات اللواتي فقدن طوق النجاة الوحيد.

الفتيات والعمل الشاق تحت ضغط العوز

تؤكد ألحان الشيباني، الناشطة المجتمعية والمديرة التنفيذية لمؤسسة إرم للتنمية الثقافية والإعلامية، أن التأثيرات المباشرة لخفض الدعم دفعت العديد من الفتيات إلى ترك مقاعد الدراسة للعمل في مهن شاقة أو لجمع الحطب، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التسرب التعليمي. وتوضح الشيباني أن الضغوط الاقتصادية المترتبة على أزمة تراجع التمويل الإنساني في اليمن دفعت الكثير من الأسر إلى تقليص النفقات الأساسية، حتى بات رب الأسرة يقتطع من قوت يومه لتغطية تكاليف العلاج التي كانت توفرها المنظمات سابقاً بشكل مجاني، وهو ما يعمق الفجوة بين الاحتياجات الضرورية والقدرة المحدودة للأهالي على تحمل الأعباء المالية.

تضيف الشيباني أن النساء العاملات أصبحن يواجهن واقعاً جديداً يفرض عليهن العمل لساعات أطول في وظائف متعددة لتوفير الاحتياجات الأساسية، وسط تحديات اجتماعية تعيق قدرتهن على تحسين أوضاعهن الاقتصادية. وتؤكد أن الأزمة لم تقتصر على الصحة والتعليم، بل طالت المشاريع الصغيرة التي تديرها سيدات، حيث تسببت تقلبات العملة وارتفاع الأسعار في إضعاف القدرة الشرائية وتوقف عجلة الإنتاج، مما تسبب في زيادة معدلات الطلاق والتفكك الأسري، حيث تتسع دائرة أزمة تراجع التمويل الإنساني في اليمن لتشمل نسيج المجتمع بأسره، مما يدفع الأسر نحو مربع الفقر المدقع بعد أن كانت تحاول النهوض نحو مرحلة التعافي.

تحديات المجتمع المدني واستعادة الثقة

تواجه منظمات المجتمع المدني صراعاً مريراً من أجل البقاء، حيث يظهر انخفاض عدد المشاريع المنفذة بشكل واضح خلال عام 2026 مقارنة بعام 2025. وتشير الشيباني إلى أن غياب الرقابة الدقيقة وتقديم تقارير لا تعكس الواقع الميداني أسفرا عن اهتزاز ثقة الجهات المانحة، مما يستدعي ضرورة تبني معايير الشفافية والكفاءة في الأداء. وتشدد على أن إصلاح العمل الإنساني يتطلب مراجعة جذرية للمنهجيات المتبعة، معربة عن قلقها من أن تؤدي استمرارية أزمة تراجع التمويل الإنساني في اليمن إلى انسحاب المزيد من المنظمات الدولية، مما يترك الملايين من الفئات الهشة في مواجهة مصير مجهول وخدمات صحية وتعليمية شبه معدومة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى