
هناك انتصارات سياسية تستحق التوقف أمامها، ليس بالضرورة لأننا نتفق مع أصحابها، وإنما لأنها تقول شيئاً مهماً عن اللحظة السياسية التي وقعت فيها.
وفوز عبد الرحمن “عبدول” السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان هو واحد من هذه الانتصارات.
شاب أمريكي مسلم من أصول مصرية، ينتمي إلى الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، استطاع أن يهزم منافسة تحظى بدعم جانب معتبر من المؤسسة الحزبية، وأن يصمد أمام عشرات الملايين من الدولارات التي أُنفقت في السباق، خصوصاً من جماعات مرتبطة باللوبي المؤيد لإسرائيل لدعم منافسته هالي ستيفنز. بل إن Associated Press وصفت إنفاق AIPAC والجهات المرتبطة بها، قبل الانتخابات، بأنه الأكبر الذي تخصصه المنظمة لسباق انتخابي واحد.
من هذه الزاوية، لا يمكن التقليل من إنجاز الرجل.
لقد أثبت أن المال مهم في السياسة الأمريكية، لكنه ليس دائماً صاحب الكلمة الأخيرة.
وأثبت كذلك أن خطاباً تقدمياً يتحدى بعض مراكز النفوذ التقليدية داخل الحزب الديمقراطي أصبح قادراً على الفوز، حتى في ولاية متأرجحة ومعقدة سياسياً مثل ميشيغان.
لكن النجاح في كسب الانتخابات التمهيدية شيء، والنجاح في أن تصبح سياسياً كبيراً شيء آخر تماماً.
وهنا تبدأ مشكلتي مع “عبدول”.
ليست المشكلة في أنه يساري، ولا في أنه ينتقد إسرائيل، ولا حتى في مطالبته بوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل أو لمصر. فمن حق مرشح أمريكي أن يقول للناخب الأمريكي إنه يريد إنفاق أمواله داخل الولايات المتحدة بدلاً من إرسالها إلى الخارج.
بل إن “عبدول” قال ذلك صراحة عندما أوضح في مقابلة مع إذاعة WDET أنه لا يرى ضرورة لإرسال مساعدات عسكرية إلى مصر أيضاً، رغم أن أسرته جاءت منها، رابطاً ذلك بأولوية الإنفاق الأمريكي على الصحة والتعليم والخدمات العامة.
هذه سياسة يمكن مناقشتها.
لكن المشكلة في رأيي هي اللغة التي تُقدَّم بها السياسة.
وهذا فارق بالغ الأهمية.
فالسياسي المحترف لا يُقاس فقط بما يؤمن به، وإنما بقدرته على التعبير عما يؤمن به دون أن يفتح عشر جبهات جانبية لا يحتاج إليها.
وهذه بالضبط هي المنطقة التي يبدو أن “عبدول” لم ينضج فيها سياسياً بعد.
في إحدى مقابلاته، حاول الدفاع عن موقفه من إسرائيل عبر مقارنتها بمصر، فقال، بمعنى كلامه: عائلتي من مصر، ولو سأل أحد إن كانت مصر تملك “الحق في الوجود” لكان السؤال غريباً، لأنها ببساطة موجودة؛ ثم انتقل إلى التساؤل عما إذا كان ينبغي للأمريكيين إنفاق أموالهم للتأثير في طبيعة دولة أخرى.
الفكرة التي يريد إيصالها مفهومة: وجود دولة ما لا يعني استحقاقها التلقائي لأموال دافع الضرائب الأمريكي.
لكن السياسة ليست مسابقة في صحة المنطق المجرد.
فالخطاب السياسي له سياق، وذاكرة، وجمهور مباشر، وجمهور غير مباشر، وأحياناً جمهور لم يخطر أصلاً على بال المتحدث!
وحين تكون أمريكياً من أصول مصرية، ومسلم الديانة، وتخوض سباقاً قد يجعلك أول مسلم ينتخب لمجلس الشيوخ الأمريكي، فإن كل كلمة تقولها عن مصر أو فلسطين أو إسرائيل أو المنطقة العربية ستُقرأ تحت عدسات مكبرة متعددة.
وهنا تظهر الحاجة إلى شيء اسمه الحنكة السياسية.
والحنكة ليست أن تتخلى عن موقفك.
وليست أن تنافق جمهورك.
وليست أن تقول الشيء ونقيضه.
الحنكة ببساطة هي أن تعرف ماذا تقول، وكيف تقوله، ومتى تقوله، وما الذي لا تحتاج أصلاً إلى قوله.
إنها الفرق بين السياسي الذي يمتلك موقفاً، والسياسي الذي يمتلك موقفاً ويعرف كيف يحوّله إلى نفوذ.
وقد عرف علم الخطابة هذا منذ أرسطو، عندما ارتكز الإقناع على ثلاثة أعمدة: المنطق Logos، والمصداقية Ethos، والعاطفة Pathos.
والمشكلة أن السياسي قليل الخبرة قد يربح الـ Logos ويخسر الاثنين الآخرين!
قد تكون حجته منطقية، لكنها تُقال بطريقة تستفز الجمهور.
وقد يكون موقفه قابلاً للدفاع، لكن لغته تجعله يبدو أكثر تطرفاً مما هو عليه.
وقد تكون لديه قضية عادلة، لكنه يهدي خصومه جملة واحدة يستطيعون اقتطاعها من مقابلة مدتها ساعة، وتحويلها إلى إعلان انتخابي ضده مدته ثلاثون ثانية.
وهذه واحدة من أهم قواعد السياسة الحديثة:
خصمك لا يحتاج خطابك كله؛ يحتاج أسوأ عشر ثوانٍ فيه فقط.
ولعل هذه هي المعضلة التي تنتظر عبدول السيد في المرحلة المقبلة.
فهو لم يعد المرشح التقدمي الذي يريد إثبات وجوده داخل حزبه.
لقد أصبح الآن مرشح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في واحدة من أهم الولايات المتأرجحة في الولايات المتحدة، وسيواجه الجمهوري مايك روجرز في نوفمبر. وهذا يعني أن خطابه لم يعد موجهاً إلى جمهور بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز وحده، بل إلى ناخبين مستقلين، ومعتدلين، وأمريكيين يختلفون معه جذرياً وربما يحتاج أصوات بعضهم كي يفوز.
وهنا تتحول الصلابة الأيديولوجية من ميزة محتملة في الانتخابات التمهيدية إلى مخاطرة محتملة في الانتخابات العامة.
والأمر نفسه ينطبق على علاقته بمصر والمنطقة العربية.
فالرجل أمريكي أولاً من الناحية السياسية، ولا ينبغي مطالبة سياسي أمريكي من أصل مصري بأن يتبنى سياسات الدولة المصرية، مثلما لا يجوز افتراض أن سياسياً أمريكياً من أصل أيرلندي أو هندي أو إيطالي يمثل حكومة بلد أجداده.
عبدول السيد لا يمثل مصر.
ولا يمثل العرب.
ولا يمثل المسلمين.
هو يسعى إلى تمثيل ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي.
لكن أصوله المصرية وهويته المسلمة تجعلان كلماته تلقائياً محل اهتمام إضافي في المنطقة، سواء أراد ذلك أم لم يرد.
ومن ثم يصبح عليه أن يفهم أن انتقاد حكومة شيء، والتحدث بلغة يمكن أن يفهمها شعب كامل باعتبارها استخفافاً بدولته شيء آخر.
وأن رفض المساعدات الأمريكية لمصر موقف سياسي مشروع داخل السياسة الأمريكية، لكن تقديم مصر أو دول المنطقة أحياناً كمجرد أمثلة سريعة في معركة خطابية داخلية يحتاج إلى قدر أكبر من الحساسية والتعقيد.
فالعلاقات الدولية ليست منشوراً على منصة X.
وما يُطلق عليه الشرق الأوسط ليس كتلة سياسية واحدة.
ومصر ليست نظامها السياسي فقط، كما أن أمريكا ليست ترامب وحده، وإسرائيل ليست نتنياهو وحده، وإيران ليست قيادتها وحدها.
الدول أكبر من حكوماتها، والشعوب أطول عمراً من الأنظمة التي تحكمها.
وهنا تحديداً يحتاج السياسي إلى تلك المسافة الذكية بين نقد السلطة واحترام الدولة، وبين رفض السياسة واحترام الشعب.
ربما يكون عبدول السيد قد نجح حتى الآن لأن جزءاً من الناخبين الأمريكيين ضاق بالسياسي المصقول أكثر من اللازم؛ السياسي الذي يحفظ عباراته، ويزن كل كلمة، ثم لا يقول في النهاية شيئاً.
وهذه ميزة حقيقية لصالحه.
لديه عفوية.
ولديه حماس.
ولديه قدرة واضحة على التواصل.
ولديه خطاب اقتصادي واجتماعي وجد صدى بين قطاعات من الشباب والطبقة العاملة، كما يمتلك قصة شخصية جذابة وخلفية أكاديمية ومهنية قوية في الصحة العامة. وقد أشارت تغطيات أمريكية بعد فوزه إلى قوة حضوره الخطابي وقدرته على تحويل وضعه كمرشح من خارج المؤسسة إلى عنصر قوة انتخابية.
لكن العفوية التي توصلك إلى المنصة قد تُسقطك من فوقها أيضاً.
وهذه هي المفارقة.
فالسياسة تحتاج إلى صدق بلا تهور، وشجاعة بلا استفزاز مجاني، ووضوح بلا تبسيط مُخلّ.
وتحتاج خصوصاً إلى إدراك أن الكلمة، بمجرد خروجها من فم السياسي، لم تعد ملكه.
سيأخذها المؤيد كما يريد.
وسيقتطعها الخصم كما يريد.
وسيترجمها الإعلام كما يريد.
وقد يسمعها شعب على بعد عشرة آلاف كيلومتر بطريقة لم تخطر أبداً في ذهن قائلها.
لذلك فإنني، مع تقديري لما حققه الرجل، أعتقد أن أمام “عبدول” السيد امتحاناً أصعب بكثير من امتحان هزيمة ملايين الدولارات التي ضُخت ضده.
إنه امتحان التحول من ناشط سياسي ناجح إلى رجل دولة محتمل.
فالناشط يستطيع أن يقول ما يشعر به.
أما رجل الدولة، فعليه أن يعرف ماذا ستفعل كلماته بعد أن يقولها.
وإذا أراد عبد الرحمن السيد أن يكون مشروع سياسي أمريكي كبير، لا مجرد ظاهرة تقدمية عابرة، فعليه أن يتعلم سريعاً أن الخطاب ليس زينة خارجية للسياسة.
الخطاب هو جزء من السياسة ذاتها.
لقد نجح “عبدول” في الجولة الأولى.
واستطاع أن يهزم نفوذاً ومالاً ومؤسسة حزبية لم تكن جميعها في صفه.
وهذا نجاح يستحق الاحترام.
لكن طريق مجلس الشيوخ أطول.
وطريق رجل الدولة أطول بكثير.
وفي السياسة، ربما تستطيع الأموال أن تخسر انتخابات…
لكن كلمة واحدة غير محسوبة قد تخسر ما هو أكبر من الانتخابات.
- استشاري نظم الحوكمة والاستثمار







