دعوة الحزب الشيوعي للعمل المدني بالسودان بين التحديات الأمنية والغموض السياسي

تعد دعوة الحزب الشيوعي السوداني إلى العمل المدني داخل البلاد قراءة لا تتوقف عند حدود التأييد أو الرفض المطلق، بل تتطلب الغوص في أعماق الشروط الأمنية والقانونية والسياسية التي تفرض سطوتها منذ اشتعال القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في شهر أبريل 2023.
قراءة تحليلية في واقع العمل المدني السوداني: تقييم مواقف القوى السياسية
وتواجه هذه الدعوة تحديات وجودية تتمثل في تفتت سلطات الدولة وانتشار السلاح، بالإضافة إلى تحول المجال العام إلى ساحة تترصد فيها الأجهزة الأمنية الناشطين والصحفيين والمحامين، مما يجعل أي حراك علني مغامرة محفوفة بمخاطر الاعتقال والتعذيب والانتهاكات الجسيمة التي وثقتها تقارير دولية عديدة.
ويشير الواقع الراهن إلى أن السودان يعيش في ظل فضاء مدني صنفته مؤشرات دولية في عام 2025 بأنه “مغلق”، وهو التصنيف الأسوأ عالمياً، حيث تدهورت درجات التقييم بشكل حاد مما يعكس انكماشاً مخيفاً في مساحات التعبير المستقل عن الرأي.
وتؤكد الإحصائيات الصادرة عن الأمم المتحدة حتى شهر أبريل 2025 أن أكثر من 12.5 مليون مواطن اقتُلعوا من ديارهم منذ اندلاع القتال، بينما يحتاج أكثر من 30.4 مليون نسمة إلى مساعدات عاجلة، وهو واقع إنساني يفرض على أي فاعل مدني أعباء تتجاوز التخطيط السياسي التقليدي.
تآكل الحريات ومخاطر العمل الحقوقي
تجسد قضايا قانونية محددة طبيعة البيئة القمعية، مثل قضية الصيدلي أحمد عبد الله خضر، المعروف باسم أحمد شفا، التي انطلقت من مجرد نقاش يومي حول تبعات الحرب لتتحول إلى محاكمة جنائية، مما يبرهن على انتقال الرقابة الأمنية من الفضاء العام إلى الحياة الشخصية والمهنية.
وتكشف تلك الوقائع عن اضطراب إجرائي في أداء النيابة والقضاء، حيث تم سحب ملف القضية وإعادة إدراجه، مما يثير تساؤلات مشروعة حول استقلالية المؤسسة القضائية في ظل تداخل الجماعات المسلحة مع أجهزة الدولة
وفي المقابل، تبرز قضية المحامي محمد عز الدين كنموذج صارخ لاستهداف المدافعين عن الحقوق، حيث اعتقل بواسطة مسلحين وظل رهن الاحتجاز لأكثر من عام قبل تقديمه للمحاكمة بتهم قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، مع تقارير تفيد بتعرضه للتعذيب وحرمانه من الرعاية الطبية.
ويعني استهداف المحامين أن حائط الصد الأخير للمدنيين قد انهار، حيث أصبح المدافع عن الحقوق عرضة للملاحقة، مما يضعف قدرة المجتمع المدني على الدفاع عن ضحايا الانتهاكات وتوثيق الجرائم المرتكبة
مؤشرات التداخل والغموض السياسي
تطرح التناقضات بين خطاب الحزب الشيوعي وممارساته تساؤلات حول طبيعة العلاقة مع السلطات القائمة في مناطق سيطرة الجيش، خاصة مع ورود معلومات عن انخراط بعض الأعضاء في المقاومة الشعبية المسلحة.
ورغم غياب وثيقة تحالف معلنة، تظل هذه المشاركة دليلاً على وجود دوائر ولاء متعددة وتداخل في الأدوار، مما يضع قيادة الحزب أمام ضرورة توضيح موقفها الرسمي لضمان مصداقيتها أمام القواعد المدنية.
كما تستدعي مبادرة فرعية الحزب في عطبرة لمعالجة أزمات المياه بالتعاون مع وزارة البنى التحتية بولاية نهر النيل وقفات تأملية، حيث يمثل هذا التعاون المؤسسي مع سلطة قائمة إشارة إلى قنوات اتصال عملية قد تكون مفيدة لخدمة المواطنين، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام اتهامات بتجاوز خطوط المعارضة المستقلة في ظل غياب الشفافية الكاملة حول آليات التمويل والاتفاقات المبرمة
إن استمرار غموض هذه العلاقة يضفي ضبابية على دعوات العمل المدني، ويجعل من الصعب الفصل بين النشاط الخدمي المحايد والاصطفاف السياسي مع المؤسسة العسكرية، مما يستوجب وضع ميثاق أخلاقي يضمن استقلالية الفاعلين المدنيين بعيداً عن أطراف الصراع المسلح.





