
حتى ساعات قليلة مضت، كنت أستطيع أن أجزم بيقين رجل يعرف عائلته، وربما يعرف موتاها أكثر مما يعرف بعض الأحياء، أن أبي كان له سبع شقيقات وشقيقان. سبع عمات واثنان من الأعمام، لا زيادة فيهم ولا نقصان.
رحلوا جميعًا عن الحياة منذ عقود، وبقيت أسماؤهم ووجوههم وأبناؤهم جزءًا من ذاكرة عائلية لا تحتاج إلى أرشيف الدولة، ولا إلى تحريات الأجهزة، ولا حتى إلى تحقيق صحفي استقصائي لاكتشاف عدد عماتي!
كان لكل واحدة من عماتي، ولكل واحد من أعمامي، أبناء وبنات يتراوح عددهم بين اثنين وسبعة. أعرفهم جميعًا، اسمًا وشكلًا، وأعرف إلى حد كبير مسارات حياتهم ومهنهم.
توزعوا بين:
أساتذة في الجامعات المصرية واليابانية ومراكز البحوث المصرية والدولية.
أطباء وأطباء أسنان وصيادلة ومهندسين ومحاسبين وأساتذة قانون.
ضابط جيش، وعمداء، وعمد تولوا العمودية في بلدانهم، أبًا عن جد.
ولم يكن بينهم، على حد علمي، زعيم لتنظيم سري، ولا ممول لاعتصام، ولا تاجر سلاح أو مخدرات!
معظم هؤلاء، للأسف، غادروا دنيانا أيضًا. عاشوا حياة مهنية واجتماعية هادئة، لم ينتموا خلالها إلى قبيلة سياسية أو دينية أو حزبية. وربما كان أقصى اقتراب لبعضهم من السياسة هو مشاركتهم، كأفراد من العائلة، في أوقات ترشح والدي الذي كان نائبًا لعقود في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وربما تعاطف بعضهم، عاطفيًا أو رمزيًا، مع ترشحي لانتخابات الرئاسة عام 2005.
كانت هذه، حتى الأمس، معلومات عائلية مستقرة.
لكن يبدو أنني كنت مخطئًا!
فقد اكتشف الزميل الدكتور محمد الباز، على صفحات جريدة الدستور، التي كنت أكتب فيها مقالًا يوميًا لسنوات وقت رئاسة تحرير الصديق إبراهيم عيسى، أن جدي لأبي، الذي رحل في مطلع الستينيات من القرن الماضي، وجدتي التي رحلت في السبعينيات، أنجبا فيما يبدو ابنة أخرى!
«عمة ثامنة»!
عمة سرية تمامًا، نجحت طوال ما يقرب من قرن في الإفلات من ذاكرة الأسرة، ومن شجرة العائلة، ومن سجلات الميلاد والوفاة، ومن الأفراح والعزاءات والميراث وصلة الرحم، ثم قررت أخيرًا أن تظهر لنا… على صفحات جريدة الدستور!
وهكذا، وفي سن متقدمة من العمر، اكتشفت أن لدي عمة جديدة!
شكرًا للصحافة الاستقصائية.
والمثير أن جريدة اسمها «الدستور» لم يشغلها كثيرًا الجدل الدائر في المجتمع المصري حول الدستور وتعديله ومستقبل الحياة السياسية، بقدر ما شغلتها عمتي المفقودة!
والأكثر إثارة أنها لم تكاشفنا باسم هذه العمة، لا الأول ولا الكامل. ربما حفاظًا على سرية المصادر، أو ربما حفاظًا على سرية العمة نفسها!
كل ما عرفناه عنها أن لها ابنًا يدعى سعد أبو الغيط، وأن هذا الرجل، بحسب الرواية المنشورة، كان ينفق على اعتصام رابعة العدوية ويموله.
ولم يتوقف الكشف الصحفي العظيم عند هذا الحد، بل امتد إلى أن الأموال التي كان يمول بها الاعتصام جاءت، وفقًا للرواية نفسها، من تجارة غير مشروعة في المخدرات والسلاح!
أي أننا أمام عمة لم نعرف بوجودها، وابن عمة لم أعرف بقرابته، وتمويل لم أعرف عنه شيئًا، لاعتصام لم أشارك فيه أصلًا، ومخدرات وسلاح، وتنظيم سياسي لم أكن يومًا عضوًا فيه…
وكل هذا دخل عائلتنا، فيما يبدو، من باب الصحافة!
ولا أعرف من أين أتت «الدستور الغراء» بهذه المعلومات الساذجة عن عمتي السرية، وعن ابنها المفترض، وعن نشاطه وتمويله وأمواله.
الحقيقة التي أعرفها أبسط كثيرًا من هذه الرواية الرديئة.
ففي مركز ومدينة نبروه توجد عائلة كبيرة ومعروفة هي عائلة أبو الغيط، وعمل عدد من أبنائها في التجارة. وكان سعد أبو الغيط، الذي أظنه رحل عن عالمنا منذ سنوات بعيدة، أحد التجار في المدينة، وكان المتداول عنه أنه يمتلك مصنعًا للسجائر في الأردن أو ربما ليبيا، لا أتذكر على وجه التحديد.
وربما أكون التقيته يومًا، في عزاء أو فرح، كما يلتقي أبناء المدن والقرى المصرية بعضهم ببعض عشرات المرات دون أن يصبحوا أقارب أو شركاء أو أعضاء في تنظيم واحد.
لكنه، وبكل وضوح، ليس ابن عمتي، ولا ابن عمي، ولا تربطني به علاقة عائلية، أو سياسية.
ولا أفهم سببًا لهذا الهزل في مواضع الجد، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بسمعة عائلات وأشخاص رحلوا عن الدنيا، ولم يعد في مقدورهم أن يرفعوا سماعة هاتف، أو يرسلوا حق رد، أو يقيموا دعوى، أو حتى يسألوا كاتب هذه الرواية: من أين أتيت بهذا الكلام؟
فالخلاف السياسي حق.
والنقد حق.
والهجوم عليّ شخصيًا حق يحتمله رجل اختار العمل العام منذ عقود، ودفع أثمان هذا الاختيار ويعرف تكلفته.
لكن اختراع الأقارب ليس نقدًا سياسيًا.
واستدعاء الأموات إلى خصومات الأحياء ليس صحافة.
وتحويل شجرة العائلة إلى شجرة اتهام ليس تحقيقًا استقصائيًا، بل عبث بالحقيقة وبحرمة الناس.
ثم إنني، حتى بمنطق هذا الاجتهاد الصحفي الغريب، لم أفهم لماذا كان الطريق الأقصر بين سعد أبو الغيط يمر عبر عمتي السرية!
فإذا كان وجه الارتباط أن الرجل من نبروه، وهي المدينة التي عاش فيها عدد من أفراد عائلتي، فهذه قرابة جغرافية جديدة لم أقرأ عنها من قبل في كتب الأنساب. وبهذا المنطق يصبح سكان المدينة جميعًا أبناء عمومة، وربما يصبح نصف الدقهلية أصهارًا للنصف الآخر!
أما إذا كانت القرابة استنتجت من اسم «أبو الغيط»، فكان الأولى، وربما الأكثر إثارة صحفيًا، أن يربط التحقيق بين الرجل وبين السيد أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية!
على الأقل هناك اسم عائلة مشترك.
أما أنا فلم أحصل حتى على هذه القرينة!
لم أكتب هذه السطور لأطلب اعتذارًا من جريدة الدستور، فالاعتذار فضيلة تحتاج أولًا إلى الاعتراف بأن للحقيقة حقوقًا.
ولم أكتبها دفاعًا عن نفسي أمام تهمة مضحكة، لأن بعض الاتهامات يسقطها فرط سخافتها قبل أن يحتاج صاحبها إلى إسقاطها.
كتبتها لأن للناس حرمة، وللعائلات كرامة، وللأموات حقًا علينا ألا نستدعيهم من قبورهم شهود زور في معارك لم يعرفوها ولم يشاركوا فيها.
وكتبتها أيضًا معتذرًا، على نحو ما، لعماتي السبع اللواتي عرفتهن وعرفت أبناءهن، ولأعمامي وأبنائهم، ولمن رحل منهم بعد حياة محترمة وتاريخ مشرف، ثم فوجئوا – لو كانت تصل إلى الموتى صحفنا – بأن الأسرة قد اتسعت بعد رحيلهم بعمة جديدة وابن جديد وحكاية جديدة!
ربما كانت الصحافة قديمًا تبحث عن الحقيقة.
أما بعض صحافة هذه الأيام، فيبدو أنها إذا لم تجد الحقيقة المناسبة… تبحث لها عن عمة!
رحم الله عماتي السبع.
أما عمتي الثامنة، السرية، الجديدة…
فأرجو فقط، قبل أن أصل رحمها، أن تخبرني «الدستور» باسمها!







