مقالات وآراء

د. عبد الفتاح طوقان يكتب : ظل الكوخ الكبير والكلب الأجرب

على مر العصور، تأسست آلاف المدن التي استوطنها البشر، ثم هجروها لأسباب مختلفة، فاندثرت ولم يبق منها سوى أطلال تحكي ما كان. غير أن بعض المدن التاريخية حافظت على شعلة الحياة، وظلت مأهولة منذ تأسيسها حتى يومنا هذا، وإن حملت ذاكرتها قصصًا كثيرة، بعضها عن البشر، وبعضها الآخر عن كلاب جرباء صارت حكاياتها تُروى للأجيال.

في إحدى تلك المدن القديمة، عاش شاب يُدعى سامر في كنف أسرة فقيرة. لم يكن له من حظوظ الحياة سوى عذابات الشوارع، حيث كان الفقر يطارد أحلامه في كل مكان.

وفي يوم من الأيام، سمع سامر عن مكافأة تُمنح لمن يعثر على كلب يصلح لأن يصبح جزءًا من فرق حراسة «الكوخ الكبير» القائم في الغابة.

ولم يكن المطلوب كلبًا من السلالات الأصيلة التي تتميز بخصائص جسدية وسلوكية ثابتة ومعروفة، مثل الراعي الألماني أو الهاسكي أو الجولدن ريتريفر أو اللابرادور، بل كان المطلوب كلبًا أجرب، يحمل الجرب الدويدي أو القارمي، ولا يُشترط فيه أن يتمتع بشجاعة استثنائية.

انطلق سامر في شوارع المدينة، يتنقل بين الحاويات والأنقاض بحثًا عن الكلب المنشود.

وكلما صادف كلبًا، تأمل حاله طويلًا؛ جروح تغطي جسده، وعيون يملؤها الخوف، وأرجل أنهكها الضعف والجوع. ومع ذلك، ظل في أعماقه يعتقد أن هناك أملًا في العثور على ما يبحث عنه.

وبعد ساعات طويلة من البحث، لمح كلبًا يجلس في زاوية مظلمة، متسخًا وجائعًا، إلا أن عينيه كانتا تلمعان ببريق غامض.

أطلق سامر عليه اسم «أسد»، ثم اصطحبه إلى الكوخ الكبير.

كان مديرو الكوخ وحراسه رجالًا ذوي وجوه متجهمة وعيون تلمع بالمكر، ينتظرون فرصة لاستغلال الكلب الأجرب في خدمة مصالحهم.

ومع مرور الزمن، وبفضل «أسد»، تكاثرت الكلاب الجرباء في المدينة، حتى أصبح هو حارسها وراعيها.

لكن الكلاب، بدلًا من حماية المظلومين والدفاع عن أهل الغابة، تحولت تدريجيًا إلى أداة لقمع الأصوات المعارضة وإسكات كل من يجرؤ على الاعتراض.

ومع اتساع نفوذ «أسد»، بدأ الخوف ينتشر بين السكان.

عاشت المدينة في صمت ثقيل، وتراجعت الجرأة على التعبير عن الرأي، بينما أصبحت المعارضة مخاطرة لا يجرؤ عليها كثيرون.

وفي الغابة، لم تعد الكلاب الجرباء تحمي أصحاب الكفاءة، بل بدأت في إقصائهم والقضاء على فرصهم، فتراجعت القدرات، وضعفت المدينة، وتدهور مستوى الحياة حتى أصبح الفقر جزءًا من المشهد اليومي.

ومع مرور السنوات، وتزايد سيطرة الكلاب الجرباء وانتشارها، تغيرت القيم وتراجعت المفاهيم الأخلاقية، وأصبح الفساد سمة سائدة، حتى بدأت الغابة والمدينة المتصلة بها في الانقسام والتفكك.

وكان من نتائج هذا التمزق الاجتماعي أن اختار كثيرون الهجرة بحثًا عن الأمل، تاركين خلفهم مدينة تفقد شيئًا من حياتها كل يوم، وغابة يملؤها عواء الكلاب الجرباء.

واليوم، ما زالت أطراف تلك المدينة القديمة والغابة المجاورة لها تحتفظ بحكايات الكلاب الجرباء التي كانت تُروى للأطفال حول نار العشاء.

وعلى الرغم من كل المعاناة، ظل هناك شيء غامض يرتبط بالكلب الأجرب «أسد».

فقد كان البعض يروّج بين أهل المدينة والغابة أن روحه تحمل شيئًا من قوة الذئاب، تلك الكائنات التي تجوب الغابة بحرية وعنفوان.

وكانت هناك أسطورة قديمة تقول إن الذئاب، التي اعتبرها أهل المدينة رمزًا للحرية والشجاعة، ستعود يومًا لتعيد الأمل إلى المدينة المنسية.

ومع كل صراع، كان صوت الذئاب يعلو في الأفق، كأنه إنذار بقرب التغيير.

وفي قلوب أهل المدينة، ظل الأمل حاضرًا، يتوهج مثل شرارة صغيرة وسط ظلام كثيف.

ورغم كل الصعوبات، بقي الإيمان بأن الأجيال التي عاشت في تلك المدينة القديمة قادرة على استعادة حيويتها، مهما بلغت قوة الكلاب الجرباء، وأن صوت الذئاب قد يعيد إلى أهلها القوة والشجاعة للوقوف في وجه الظلم.

وفي تلك المدينة التي تبعد آلاف الأميال، وشهدت على مدار تاريخها صعودًا وهبوطًا، ترسخت حكمة تقول:

«من قلة الخيول، شدوا على الكلاب السروج».

وتكشف هذه الحكاية كيف يمكن للظلم والفساد أن ينتشرا حين تُهمش الكفاءات، ويُستبدل أصحاب الخبرة بمن لا يملكون سوى الطاعة والقدرة على خدمة مصالح من وضعوهم في مواقع النفوذ، فتكون النتيجة عواقب وخيمة على الغابة والمدينة معًا.

لكن التاريخ يثبت أيضًا أن الأمل لا يموت بسهولة، وأنه يظل حاضرًا في قلوب الذين يسعون إلى التغيير، فيما يستمر صوت الذئاب في الأفق، مبشرًا بعودة الحرية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى