مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: جناية “الاستقطاب الحزبي”: حين تتحول أدبيات الخلاف إلى “إرهاب فكري”

من أشد الآفات التي ابتُليت بها الساحة الدعوية والفكرية في زماننا، هي تحول “الاختلاف في الوسائل والاجتهادات” إلى “حروب إبادة معنوية”. فما إن يختلف فصيل إسلامي أو فكري مع آخر– سواء بين مدرسة سلفية، أو حركية إخوانية، أو جماعة إسلامية أو حركات إسلامية أخرى– حتى تُفتح جبهات التراشق، وتُلغى قاعدة “حسن الظن”، ويتوارى عقل المنصف ليحل محله “الإرهاب الفكري والخصومة الأخلاقية”.

لم يعد النقد منصباً على الفكرة لتفنيدها بالدليل والبرهان، بل أصبح يستهدف “صاحب الفكرة” في دينه، ونيته، وأمانته؛ فتُوزع اتهامات الانحراف، والتكفير السياسي، والعمالة، والتعصب، والكذب بالمجان. وكأن كل طرف يرى في بقاء غيره تهديداً لوجوده، وفي صواب رأيه احتكاراً للحق المطلق.

أولاً: مغالطة احتكار الحق والمساواة بين “الفكرة” و”الدين”

إن العقلية التي تُدير هذه الهجومات الشرسة تقع في فخ أصولي ونفسي خطير: وهو الخلط بين “جماعة من المسلمين” و “جماعة المسلمين”.
فحين ينتمي الفرد لتنظيم أو تيار معين، تحدث في عقله عملية “دمج خطيرة” بين اجتهاده البشري وبين جوهر الدين نفسه؛ إذ تُفترض المعادلة السليمة أن يُدرك العقل السوي قائلاً: “جماعتي تقدم اجتهاداً بشرياً يحتمل الخطأ والصواب لفهم الإسلام، ومخالفي يقدم اجتهاداً بشرياً آخر يحتمل الخطأ والصواب أيضاً”.
لكن العقلية الحزبية المتعصبة تذهب إلى القول:
“جماعتي هي التجسيد الحقيقي للإسلام الصحيح، ومشروعنا هو عين الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه”.
وهنا تقع الكارثة؛ إذ تتشكل تلقائياً النتيجة الحتمية: (من يخالفني، فهو يخالف الدين نفسه!)
فإذا اقتنع هذا العضو بأن جماعته هي الرمز الوحيد للإسلام، فإن أي اختلاف معه في موقف سياسي أو رأي فكري لن يُفسَّر بنزاهة؛ بل ستتولد لديه قناعة بأن المخالف لا يهاجم رأياً بشرياً سائغاً، بل يهاجم “الإسلام” نفسه! وأن من يخرج عن خط تنظيمه، لم يخرج عن رأي إداري أو حركي، بل “انحرف عن الصراط المستقيم”.

  • على الصعيد السياسي: لو اختلف أحدٌ مع “الإخوان” أو “الجماعة الإسلامية” أو غيرهم في موقف سياسي أو وسيلة عمل، تجد المتعصب لا يتعامل مع الأمر كـ”رأي سياسي مخالف”، بل يسارع للوصم: “هذا يخدم أعداء الدين، هذا يحارب الدعوة، هذا منافق!” (في تحول صارخ للخلل الفكري من خلاف بشري إلى تهمة محاربة للدين).
  • على الصعيد الفقهي: لو اختلف شخص مع “تيار سلفي” في مسألة فقهية اجتهادية احتملها العلماء قدامى ومحدثين، تجد المتعصب لا يقول: “هذا قول مرجوح”، بل يرميه فوراً: “هذا يتبع الهوى، هذا مبتدع، هذا انحرف عن صراط السلف!” (ليتحول الخلاف الاجتهادي إلى تهمة بالخروج عن الملة أو المنهج).
    وهذا – لعمر الله – عين “الوثنية التنظيمية” التي تُقدم الولاء للأشخاص والهياكل على الولاء للمبادئ والكليات. لقد علمنا القرآن أن الأمة أوسع من كل الجماعات، وأن الإيمان والأخوة أفسح من أطر الأحزاب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، ولم يقل: “إنما المنتسبون لرايتنا إخوة”.

ثانياً: من “نقد الفكرة” إلى “الافتراس الأخلاقي”

إن الفرق بين “النقد البناء” وبين “الإرهاب الفكري” هو الفرق بين الطب والتجريح:

  • النقد العادل البناء: يفكك الحجة، ويستعرض المبررات، ويحتكم إلى النصوص والوقائع، ويحفظ للمخالف قدره وسابقته وسِتره.
  • الإرهاب الفكري والافتراس الأخلاقي: يتصيد الزلات، ويشوه النيات، ويتهم الخصم بالعمالة والكذب، ويستخدم لغة الاستعلاء والتسقيط، ويجعل من “الغمز واللمز” منهجاً في التقييم.
    إن لجوء أبناء الدعوة إلى هذه الأساليب في سجالاتهم على مواقع التواصل أو في العلن لم يزد الخصوم إلا شماتة، ولم يزد الشباب إلا زهداً في الخطاب الديني والإصلاحي برمته. فعندما يرى المتابع العام أن حمَلة المبادئ يفرون من بعضهم كما يفر الصحيح من الأجرب، يفقد الثقة في الفكرة قبل أن يفقدها في الأشخاص.

ثالثاً: غياب أدبيات الشافعي وذهنية “كسب القلوب”

أين نحن من فقه السلف الأولين الذين اختلفوا في أعظم المسائل وأدقها وظلوا إخواناً على سرر متقابلين؟
يقول الإمام الشافعي لمناظره يونس بن عبد الأعلى حين غضب واختلف معه:
“يا يونس، تجمعنا مئات المسائل وتفرقنا مسألة؟ لا تحاول الانتصار في كل الاختلافات، فأحياناً كسب القلوب أولى من كسب المواقف”.
إن الانتصار للفريق على حساب الانتصار للحقيقة، وجعل الشنآن والمقت دليلاً على “الغيرة على الدين”، هو فهم منكوس للشرع؛ فالعدل فرض مطلق حتى مع الأعداء: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تعدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، فكيف إذا كان الشنآن موجهاً لرفيق الدرب وشريك العقيدة؟

رابعاً: الواجب الوقتي لإنقاذ ما تبقى.
إذا أردنا الخروج من هذا التردي، فإن الواجب الأخلاقي والشرعي يتطلب ثلاث خطوات أساسية:

  • كف الألسن ومحاصرة بذاءات السجال: إذ يجب على عقلاء كل تيار وجماعة أن يرفعوا الغطاء الأدبي عن كل من يمارس التشهير والإرهاب الفكري باسم الدفاع عن الجماعة؛ فالباطل لا يُنصر بأساليب أهل الأهواء.
  • الفصل بين المبادئ والأشخاص: فنتعلم كيف ننتقد القرار الخطأ دون أن نطعن في نية فاعله، وكيف نرد على الاجتهاد المرجوح دون أن نسقط تاريخ صاحبه.
  • الاحتكام إلى المشاريع الجامعة: لأن التاريخ لا يذكر من كسب معركة التعليقات والتراشق، بقدر ما يذكر من استطاع أن يطفئ نار الفتنة، ويداوِي الجراح، ويقدم مصلحة الأمة الكبرى على انتصارات الفصائل الضيقة.

ختاماً..
إن الحق لا يُعرف بالرجال ولا بالرايات، وإنما يُعرف الرجال والرايات بالحق. وإن كل خطاب يوسع فجوة الخلاف، أو يزرع الكراهية بين أبناء الأمة، أو يقدم الشخص والتنظيم على المبدأ والرسالة، هو خطاب يجب أن يُراجع بعين الحكمة والتوبة؛ فالدين أكبر من الجميع، والأمة أوسع من أوهام الاحتكار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى