مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: حين نضجت.. تغير كل شيء (3) ولمن فتحت قلبي أخيرا؟


في الجزأين السابقين كتبت عما تركته حين نضجت، وماذا وجدت بعد الترك.

سألني البعض هل أصبحت منعزلا بعد كل هذا النضج؟
هل أغلقت قلبك؟

والحقيقة عكس ذلك تماما أنا لم أغلق قلبي، أنا فقط غيرت الأقفال، وغيرت من يحمل المفاتيح.

حين نضجت، فهمت خمس حقائق أخيرة غيرت علاقتي بالناس وبالحياة إلى الأبد.

أولاً فهمت أن القلوب ليست فنادق مجانية كنت في شبابي أفتح قلبي للجميع كل عابر سبيل يطرق بابي أدخله، وأطعمه من وقتي ومشاعري وطاقتي، ثم يغادر دون حتى كلمة شكر، ويترك الفوضى خلفه.

كنت أظن أن هذا هو الكرم واكتشفت أن هذا هو الإهمال. إهمال لنفسي.

اليوم قلبي ليس فندقا قلبي بيت له باب وله حارس أفتحه بوعي لمن يستحق أن يبيت فيه وأعتذر بلطف لمن لا مكان له.

ليس تكبرا بل حفاظا على ما تبقى من دفء البيت فمن يدخل الجميع إلى قلبه سينتهي به الحال وحيدا في الشارع.

ثانياً فهمت أن المحبة ليست كلمات بل أفعال في وقت الشدة ونحن صغار كنا نصدق الكلام الكبير “أنا معك للأبد”، “أنت أخي”، “اعتمد علي” كنا نطرب لهذه الجمل.

وحين مالت بنا الحياة قليلا، اختفى أصحاب الجمل الكبيرة وبقي أصحاب الأفعال الصغيرة.

رسالة في وقت متأخر سؤال صادق وأنت مريض وجود صامت بجانبك وأنت منكسر دون أن تطلب.

النضج علمني أن لا أستمع لما يقال بل أنظر لما يُفعل.

الكلمات مجانية أما الأفعال فهي العملة النادرة من يحبك حقا لن يخبرك كل يوم أنه يحبك بل سيثبت لك كل يوم أنك لن تسقط وحدك.

ثالثاً تعلمت أن أقول “لا” دون أن أشعر بالذنب وهذه كانت أصعب معركة في حياتي كنت أقول “نعم” وأنا متعب أوافق وأنا غير مقتنع أذهب وأنا لا أريد فقط حتى لا يغضب أحد مني.

كنت أخاف أن كلمة “لا” ستجعلني شخصا سيئا ثم اكتشفت أنني حين كنت أقول “نعم” للجميع، كنت أقول “لا” لنفسي وكنت أظلمها كل مرة.

اليوم أقول “لا” بهدوء وبحب ، لا، لا أستطيع المجيء ، لا هذا لا يناسبني ،لا، طاقتي لا تسمح دون تبرير طويل ودون اعتذار مهين.

من يحبك سيفهم أن “لا” الخاصة بك لا تلغي حبك له، ومن لا يفهم، فـ “نعم” الخاصة بك لم تكن تعني له شيئا من الأساس سوى المصلحة.

رابعاً: فهمت أن السلام الداخلي أهم من إثبات أنني على حق كم من السنوات ضاعت وأنا أحاول أن أثبت أنني كنت على صواب؟ في نقاشات عائلية، في خلافات عمل، في علاقات انتهت.

كنت أقاتل لأسمع جملة “عندك حق” اليوم لا يهمني أن أكون على حق بقدر ما يهمني أن أكون مرتاحا.

انسحبت من كل نقاش هدفه أن يثبت من المنتصر لا من على حق تركت الحاجة الملحة لأن أكون أنا الفائز في كل حكاية أحيانا تربح النقاش وتخسر الشخص، وأحيانا تربح راحة بالك حين تقول “أنت صح، وانتهينا”.

الحق سيظهر ولو بعد حين، لكن سلامك الداخلي إذا ضاع لن يعيده لك انتصار وهمي في جدال عابر.

خامساً فهمت أن ما بقي من العمر أهم مما مضى ونحن شباب كنا نعيش في الماضي كثيرا نندم على ما فات ونبكي على فرص ضاعت ونلوم أنفسنا على اختيارات خاطئة.

النضج قال لي جملة واحدة أيقظتني “ما مضى قد دفع ثمنه بالكامل فلماذا تدفع ثمنه كل يوم بالتفكير فيه؟.

ما بقي من العمر هو رأس مالك الحقيقي لا تضيعه في جلد الذات بل استثمره ابدأ متأخرا، لكن ابدأ.

تعلم شيئا جديدا، أحب بعمق لكن بوعي، سافر، سامح، اضحك من قلبك.

فالعبرة ليست بكم سنة عشت، بل بكم حياة عشت في سنواتك الباقية.

الخلاصة… حين نضجت لم أصبح شخصا آخر أنا نفس الشخص لكن بنسخة أهدأ وأوضح.

لم أعد أفتح قلبي لكل الناس، ولم أعد أصدق كل الكلام، وتعلمت أن أقول لا، واخترت سلامي على صوابي، وقررت أن ما بقي أهم مما مضى.

هذه هي الرحلة يا سادة أن تترك، ثم تجد، ثم تحمي ما وجدت.

وأنا اليوم أحمي نفسي.. وهذا هو قمة النضج.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى