ذاكرة التاريخ: قصة الوزير المصري أحمد باشا حمزة الذي أضاء المسجد النبوي بالشريفة

يستذكر التاريخ مواقف خالدة لرموز وطنية سجلت أسماءها بحروف من نور في سجلات العطاء الإنساني والإسلامي، ومن بين هؤلاء يبرز اسم أحمد باشا حمزة، الذي تقلد حقائب وزارية رفيعة في أربعينيات القرن الماضي. يعتبر هذا الرجل نموذجًا فريدًا للإخلاص، ليس فقط في عمله الوظيفي بوزارتي التموين والزراعة تحت رئاسة النحاس باشا لمجلس الوزراء، بل في مبادراته الفردية التي تجاوزت الحدود الجغرافية، لتمتد أياديه البيضاء إلى البقاع المقدسة، تاركةً أثرًا لا يزال يتحدث عنه الجميع حتى اللحظة الراهنة.
أحمد باشا حمزة.. الوزير الذي أضاء المسجد النبوي في ذاكرة التاريخ
ولد صاحب هذه السيرة العطرة في مايو 1891 بقرية طحانوب التابعة لمركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية، وشاء القدر أن يرحل عن عالمنا في مايو 1977، مخلفًا وراءه إرثًا من الإنجازات، لعل أبرزها كونه صاحب أول مصنع عربي لإنتاج الزيوت العطرية. انطلقت رحلته الإيمانية الكبرى في عام 1947، حين توجه لأداء فريضة الحج، حيث قادته قدماه بعد إتمام المناسك إلى المدينة المنورة، لزيارة المسجد النبوي الشريف ومقام الرسول الكريم، ليواجه واقعًا مغايرًا لما كان يتوقعه تمامًا.
لاحظ الرجل حينها أن المسجد النبوي الشريف يفتقر إلى الإضاءة الكهربائية الحديثة، ويعتمد كليًا على المصابيح الزيتية البدائية في إنارته، مما دفع به لاتخاذ قرار جريء وفوري فور عودته إلى أرض الوطن. باشر على الفور عمليات شراء محولات كهربائية متطورة وكميات كبيرة من المصابيح، ثم كلف الدكتور محمد علي شتا، مدير مكتبه، بقيادة فريق هندسي متخصص والتوجه فورًا إلى المملكة العربية السعودية لتنفيذ المشروع وإحداث النقلة النوعية المطلوبة في أروقة المسجد النبوي.
تواصل العمل بجد واجتهاد على مدار أربعة أشهر كاملة، تحول بعدها المسجد النبوي من ظلام دامس إلى صرح يفيض بالنور والإشراق. احتفت المملكة العربية السعودية بهذا الإنجاز التقني والروحي الفريد، الذي مثل علامة فارقة في تاريخ عمارة وتجهيز أقدس بقاع الأرض، لتبدأ صفحة جديدة من التقدير لهذا المسؤول الذي أبى أن يقف موقف المتفرج أمام حاجة المسجد النبوي للكهرباء، معتبرًا أن دوره يتجاوز التكليف الرسمي إلى الواجب الديني والوطني.
تجددت الرحلة في عام 1948، حين عاد أحمد باشا حمزة لأداء الحج مجددًا، وزيارة المكان الذي ساهم في إضاءته، ليقرر هذه المرة طلب أمر استثنائي من أمير المدينة المنورة. أعرب الرجل عن رغبته في دخول مقصورة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، فكان رد الأمير بأن القرار يتطلب موافقة ولي الأمر الملكية، ليرفع الأمر إلى الجهات العليا، ويأتي الرد بالموافقة بعد مرور 24 ساعة فقط، مع طلب تأجيل التنفيذ لثلاثة أيام إضافية.
انقضت الأيام الثلاثة التي قضاها الوزير عاكفًا متعبدًا في رحاب المسجد النبوي، استعدادًا لهذه اللحظة المهيبة، حيث دخل ومعه مدير مكتبه محمد علي شتا إلى قبر الرسول. روى شتا تفاصيل تلك اللحظات التاريخية، مشيرًا إلى استنشاق رائحة زكية فواحة، وسط أجواء مهيبة من الرمال والأرضية الرملية، حيث تعالت أصواتهم بتلاوة القرآن الكريم والدعاء، قبل أن يقرر أخذ قبضة من رمال القبر، وتوزيعها بوصية لأبنائه بوضعها تحت جثمانه عند وفاته.








