اتفاق مكة..من الدفاع المشترك إلى صناعة القوة..التحالف التركي السعودي الباكستاني بين ضرورات الردع وفرص التكامل ومحاذير الاستقطاب – دراسة –

مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية
المقدمة
دخلت العلاقات بين تركيا والسعودية وباكستان في السابع من أغسطس 2026 مرحلة جديدة لم يعد معها مناسبًا الحديث عن مجرد «تقارب ثلاثي» أو احتمال نشوء تحالف في المستقبل. فقد وقّع قادة الدول الثلاث في مكة «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، ونص الإعلان الرسمي المصاحب له على تعزيز الردع الجماعي، واعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، إلى جانب تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي. وبذلك انتقل المسار من مساحة التفاهمات والشراكات الثنائية إلى التزام دفاعي معلن، وإن بقيت تفاصيل آليات تنفيذه وهياكله العملياتية غير معلنة حتى الآن.
ويأتي الاتفاق في لحظة شديدة الاضطراب، تتراجع فيها قدرة الترتيبات التقليدية على ضبط المخاطر، وتتزايد حاجة دول المنطقة إلى توسيع قدرتها على حماية أمنها ومصالحها بوسائل أكثر تنوعًا واستقلالًا. فقد اتسعت الحرب الإقليمية، وأصبحت الصواريخ والمسيّرات والممرات البحرية والطاقة والقواعد العسكرية والمنشآت الحيوية جزءًا من دائرة الاشتباك، بينما لم تعد المخاطر محصورة في ساحات بعينها، بل باتت تنتقل سريعًا بين غزة وإيران والخليج واليمن والبحر الأحمر وسوريا والعراق وجنوب آسيا.
لكن اتفاق مكة يذهب بالسؤال خطوة أبعد من الاستجابة لخطر عسكري مباشر؛ فهل نحن أمام ترتيب دفاعي تفرضه ظروف الحرب، أم بداية لبناء نموذج جديد للقوة المشتركة بين ثلاث دول إسلامية رئيسية؟ وهل تستطيع الدول الثلاث تحويل الدفاع المشترك إلى منظومة تشمل الصناعة والاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار والطاقة والمعرفة والتنسيق السياسي، بحيث تصبح القدرات التي تملكها كل دولة عنصرًا إضافيًا في قوة الدولتين الأخريين؟
وهنا تظهر الفكرة الحاكمة لهذه الورقة: «الانتقال من اتفاق للدفاع المشترك إلى منظومة لإنتاج القوة المشتركة». فالتحدي ليس فقط جمع ثلاثة جيوش أو إعلان التضامن عند الاعتداء، وإنما تحويل عناصر القوة الموزعة بين الدول الثلاث إلى قدرة متكاملة قابلة للاستخدام والاستمرار، ترفع الجاهزية، وتوسع حرية القرار، وتزيد القدرة على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية.
ويثير الاتفاق في الوقت نفسه سؤالًا مصريًا بالغ الأهمية؛ فمصر كانت حتى أسابيع قليلة أحد أضلاع إطار R-4 الرباعي الذي جمع القاهرة وأنقرة والرياض وإسلام آباد، ثم جاء الالتزام الدفاعي في صيغة ثلاثية. فهل نحن أمام مسارين متوازيين، سياسي رباعي ودفاعي ثلاثي؟ وهل يمكن أن تعود مصر لاحقًا إلى دائرة التعاون الدفاعي أو إلى بعض دوائرها الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية؟
ومن هذه الأسئلة تنطلق ورقة مركز حريات، محاولةً قراءة اتفاق مكة لا باعتباره حدثًا دفاعيًا منفصلًا، وإنما بوصفه اختبارًا لإمكان بناء نموذج جديد للتعاون بين قوى إسلامية كبرى، يقوم على المصالح والقدرات والمؤسسات، ويتجنب في الوقت نفسه التحول إلى محور استقطاب جديد.
(1) من التقارب إلى الالتزام الدفاعي ـ ماذا غيّر اتفاق مكة؟
تكمن النقلة الكبرى في اتفاق مكة في أنه تجاوز لغة «التنسيق» إلى مبدأ الدفاع المتبادل. فالبيان الرسمي الصادر عن الخارجية الباكستانية يؤكد أن الاتفاق يستند إلى الروابط التاريخية والتضامن الإسلامي والمصالح الاستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي الممتد، وأن هدفه تقوية الأمن الجماعي والردع، مع اعتبار الاعتداء المسلح على أي طرف اعتداءً على الأطراف الثلاثة جميعًا.
وهذه صيغة ذات وزن سياسي وعسكري كبير، لكنها لا تعني أن منظومة دفاعية متكاملة قد اكتملت بنيتها. فالمعلن حتى الآن لا يحدد آلية اتخاذ قرار الرد، ولا طبيعة الالتزام العسكري في كل حالة، ولا وجود قيادة مشتركة أو قوات دائمة أو خطط عملياتية موحدة. كما أفادت التغطيات بأن الاتفاق دفاعي وغير موجه إلى دولة محددة، وبأنه لا يتضمن في صيغته المعلنة التزامات تشغيلية تفصيلية.
ومن ثم، يمثل الاتفاق انتقالًا حقيقيًا من النوايا والتفاهمات إلى التزام دفاعي معلن، لكنه يفتح في الوقت نفسه مرحلة أكثر تعقيدًا: كيف يتحول الالتزام السياسي والقانوني إلى جاهزية عملياتية وقدرات ومؤسسات وهياكل تنفيذية تستطيع العمل عند الحاجة؟
فالردع لا ينتج من النص وحده، وإنما من اقتناع الأطراف الأخرى بأن للدول الثلاث إرادة وقدرة وخططًا تسمح لها بالاستجابة المنظمة إذا وقع الاعتداء. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للاتفاق لن يكون في قوة عباراته، وإنما في درجة وضوح الالتزامات وقدرة الأطراف على تحويلها إلى فعل.
(2) اتفاق وُلد تحت النار ـ المخاطر الآنية التي تحيط بالدول الثلاث والمنطقة
لا يمكن تفسير توقيت الاتفاق بمعزل عن المخاطر المباشرة التي أصبحت تحيط بالدول الثلاث. فقبل توقيعه بيوم واحد، نقلت رويترز عن مسؤول سعودي كبير أن المملكة تتوقع هجمات منسقة من الشمال والجنوب، من جماعات عراقية والحوثيين، مع مخاوف من استهداف منشآت الطاقة والموانئ والمطارات والبنية المدنية. كما شهدت الفترة السابقة هجمات على نجران وتصاعدًا للمواجهة في اليمن.
أما تركيا فقد وجدت آثار الحرب تدخل مجالها الجوي بالفعل؛ إذ أعلنت وزارة الدفاع التركية في عدة مناسبات خلال مارس 2026 اعتراض ذخائر بالستية أُطلقت من إيران ودخلت أو اتجهت إلى المجال الجوي التركي، وأسقطتها منظومات الدفاع الجوي والصاروخي التابعة للناتو.
وتواجه باكستان بدورها اتساع التهديد المسلح على حدودها مع أفغانستان، وتصاعد عمليات حركة طالبان باكستان، وقد أدى تفجير انتحاري في سوات في 2 أغسطس إلى مقتل 17 شخصًا، بعد أشهر شهدت مواجهة مباشرة وخطيرة بين باكستان وأفغانستان.
وبذلك يبدو اتفاق مكة استجابة لتزامن نادر؛ فثلاث دول كبيرة تواجه، كل بطريقتها، اقتراب الخطر المباشر من حدودها وأراضيها ومصالحها الحيوية.
لكن هذه الأخطار الوطنية المباشرة تقع داخل مشهد إقليمي أشمل؛ إذ اتسعت ساحات الحرب من غزة إلى إيران، وتصاعد استخدام الصواريخ والمسيّرات والأسلحة بعيدة المدى، وتعرضت الملاحة في البحر الأحمر والخليج والمضائق لضغوط متزايدة، وازدادت حساسية منشآت الطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد لأي اتساع جديد للمواجهة.
كما أظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران أن الصراعات الكبرى لم تعد تظل داخل حدود أطرافها الأصلية، وإنما يمكن أن تمتد آثارها العسكرية والاقتصادية والأمنية إلى دول لم تبدأ الحرب ولم ترغب في الدخول فيها. ويعني ذلك أن مفهوم الأمن الوطني نفسه أصبح أكثر ارتباطًا بقدرة الدولة على متابعة المجال الإقليمي المحيط بها، وحماية أجوائها وممراتها ومنشآتها الحيوية.
ويضاف إلى ذلك تصاعد القوة العسكرية الإسرائيلية واتساع نطاق تحركها الإقليمي، واستمرار اختلال موازين الردع، وغياب إطار أمني إقليمي قادر على الحد من الحروب قبل اتساعها، فضلًا عن استمرار أزمات سوريا والعراق واليمن والسودان وما تنتجه من فراغات أمنية وتداخلات دولية وإقليمية.
ومن ثم يمكن النظر إلى اتفاق مكة بوصفه نتاجًا لتزامن «الحاجة العاجلة» مع «التحول الاستراتيجي»: حاجة الدول الثلاث إلى حماية أمنها المباشر، وإدراك أوسع بأن البيئة الإقليمية تتطلب قدرًا أكبر من التنسيق والاعتماد على القدرات الذاتية والإقليمية المشتركة.
وإذا كانت الأخطار الآنية قد سرعت توقيع الاتفاق، فإن قدرته على الاستمرار ستتوقف على نجاحه في تجاوزها إلى معالجة الاختلالات الأعمق في أمن المنطقة، وتحويل الدافع العاجل إلى تعاون طويل المدى في الدفاع والاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والطاقة والممرات.
(3) عناصر القوة المتكاملة ـ ما الذي يضعه كل طرف على الطاولة؟
تكمن إحدى نقاط القوة الأساسية في أن الدول الثلاث لا تمتلك القدرات نفسها، بل تمتلك موارد ومزايا يمكن أن تتكامل بدرجة لافتة. فتركيا تقدم جيشًا كبيرًا، وصناعة دفاعية متقدمة نسبيًا، وخبرة واسعة في المسيّرات والإلكترونيات والمنظومات البحرية والجوية والإنتاج والتصدير العسكري.
وتقدم السعودية رأس المال والطاقة والقدرة الاستثمارية والموقع الممتد بين الخليج والبحر الأحمر، فضلًا عن ثقلها العربي والإسلامي ومكانة الحرمين الشريفين ودورها المؤثر في أسواق الطاقة والاقتصاد الدولي.
أما باكستان فتضيف جيشًا ضخمًا وخبرة عسكرية ممتدة وقاعدة صناعية دفاعية وثقلًا سكانيًا يتجاوز مئتي مليون نسمة، فضلًا عن كونها الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي.
لكن الفرق بين امتلاك القوة وإنتاج القوة المشتركة كبير. فالمال السعودي والصناعة التركية والقدرات العسكرية الباكستانية ستظل موارد وطنية منفصلة ما لم تُربط داخل خطط ومشروعات وتمويل وتصنيع وتكنولوجيا وتبادل معرفة تجعل بعضها مكملًا لبعض.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي ليس جمع القدرات في جدول مقارن، وإنما تحويلها إلى مشروعات مشتركة ينتج عنها مستوى من القوة لم يكن ممكنًا لأي دولة منفردة تحقيقه بالكفاءة نفسها.
وهذه الفكرة تتجاوز الدول الثلاث إلى سؤال أوسع يتعلق بالعالم الإسلامي؛ إذ تتوزع داخله عناصر كبيرة من القوة المالية والبشرية والعسكرية والجغرافية والصناعية، لكن محدودية التكامل بينها تقلل كثيرًا من أثرها الاستراتيجي.
(4) الدافع التركي ـ الاستقلال داخل التحالفات لا خارجها
لا تبدو تركيا راغبة في استبدال تحالفاتها الغربية بتحالف إسلامي جديد؛ فهي عضو محوري في الناتو وترتبط بأوروبا اقتصاديًا وعسكريًا. لكن تجربتها خلال العقدين الماضيين دفعتها إلى تنويع دوائر الحركة، والبحث عن مساحة أوسع للاستقلال في الصناعات الدفاعية والطاقة والسياسة الخارجية.
ويقدم اتفاق مكة لأنقرة ثلاث فوائد رئيسة: سوقًا وتمويلًا سعوديًا يمكن أن يدعما التوسع الصناعي الدفاعي، وعمقًا استراتيجيًا باكستانيًا في جنوب آسيا والمحيط الهندي، وشراكة سياسية مع قوتين إسلاميتين كبيرتين توسع قدرتها على الحركة الإقليمية.
كما أن وصول تداعيات الحرب الإقليمية إلى المجال الجوي التركي خلال 2026 أكد لأنقرة أن عضوية الناتو لا تلغي الحاجة إلى ترتيبات إقليمية إضافية وامتلاك قدرات وطنية أكبر في الدفاع الجوي والصاروخي والإنذار المبكر.
والأرجح أن تركيا ستسعى إلى الجمع بين الحفاظ على علاقاتها الأطلسية وتوسيع خياراتها مع الشركاء الإقليميين؛ فمفهوم الاستقلال الاستراتيجي هنا لا يقوم على الخروج من التحالفات القائمة، وإنما على زيادة مساحة الحركة وتقليل الاعتماد الأحادي.
(5) الدافع السعودي ـ من تنويع الشراكات إلى بناء القدرة الذاتية
تمثل السعودية الطرف الأكثر اتصالًا بالمخاطر الإقليمية الراهنة؛ فهي تقع في قلب معادلة الخليج واليمن والبحر الأحمر والطاقة، وتدرك أن أهمية الشراكة الأمريكية لا تلغي الحاجة إلى توسيع قدراتها الذاتية وتنويع دوائر التعاون الدفاعي.
ولهذا يأتي اتفاق مكة متسقًا مع توجه سعودي أوسع نحو توطين الصناعة العسكرية، وتنويع مصادر التكنولوجيا والتسليح، وتحويل القدرة المالية والاستثمارية إلى قدرة استراتيجية أكثر استقلالًا واستدامة.
وتشكل تركيا شريكًا مهمًا في التصنيع ونقل التكنولوجيا، بينما ترتبط السعودية وباكستان أصلًا بعلاقة دفاعية عميقة، وقد نشرت باكستان خلال الحرب آلاف الجنود ومقاتلات ومنظومة دفاع جوي في المملكة بموجب ترتيبات الدفاع الثنائية.
ومن ثم يمكن النظر إلى اتفاق مكة باعتباره محاولة لإضافة ضلع تركي صناعي وتكنولوجي إلى تعاون سعودي باكستاني ذي جذور دفاعية، وتحويل عدد من العلاقات الثنائية إلى إطار أكثر قدرة على التنسيق والإنتاج المشترك.
والاختبار السعودي الأهم سيكون في مدى القدرة على تحويل الإنفاق والاستثمار إلى صناعة ومعرفة وتوطين تكنولوجي، بحيث تتوسع القدرة الذاتية ولا يظل التعاون قائمًا أساسًا على شراء منتجات مكتملة من الخارج.
(6) الدافع الباكستاني ـ تحويل القوة العسكرية إلى قاعدة اقتصادية أوسع
تعاني باكستان مفارقة واضحة؛ فهي قوة عسكرية ونووية كبيرة، لكن اقتصادها لا يوفر دائمًا قاعدة موازية لهذا الثقل. ولذلك تحتاج إسلام آباد إلى تحويل جزء من وزنها العسكري والاستراتيجي إلى علاقات اقتصادية واستثمارية وتكنولوجية توسع خياراتها وتقلل هشاشتها المالية.
وتقدم السعودية رأس المال والطاقة، فيما تقدم تركيا خبرة صناعية ودفاعية وعلاقة سياسية وثقافية وثيقة. كما أن الاتفاق يوسع المجال السياسي لباكستان في لحظة تواجه فيها تحديات متزامنة من حركة طالبان باكستان والتوتر مع أفغانستان، إلى جانب الحساسية المستمرة على الجبهة الهندية.
لكن مصلحة باكستان تقتضي ألا يتحول الاتفاق إلى استدراج السعودية وتركيا إلى صراعها مع الهند، مثلما تقتضي مصالح الطرفين ألا تصبح باكستان طرفًا تلقائيًا في كل صراع يندلع في الشرق الأوسط.
ومن هنا سيعتمد نجاح الاتفاق على وضوح نطاق الدفاع المشترك، وعلى قدرة الأطراف على التمييز بين التهديدات التي تمس أمن المجموعة وبين الصراعات الخاصة بكل دولة.
(7) أين مصر من اتفاق مكة ـ لماذا انتقلت الرباعية إلى ثلاثية؟
ربما يكون غياب مصر أكثر الأسئلة إثارة بعد الإعلان؛ فالقاهرة لم تكن خارج الترتيبات السابقة. ففي 21 يونيو 2026 استضافت الاجتماع الرابع لمجموعة R-4 التي ضمت مصر وتركيا والسعودية وباكستان، وأكد بيانها الرسمي استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع دعمًا للأمن والاستقرار الإقليمي. فلماذا غابت مصر عن الالتزام الدفاعي الجديد؟
لا يوجد تفسير رسمي معلن يتيح الجزم. لكن الاحتمال الأكثر حذرًا هو أن R-4 واتفاق مكة مساران متوازيان، وليسا بالضرورة مشروعًا واحدًا تقلص من أربعة إلى ثلاثة. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن المفاوضات حول التعاون الدفاعي الثلاثي سبقت اكتمال مسار R-4.
وقد تكون القاهرة أكثر تحفظًا تجاه التزام دفاعي واسع يمكن أن يربط أمنها بصراعات جنوب آسيا والخليج، فضلًا عن خصوصية علاقاتها العسكرية بالولايات المتحدة، ومعاهدة السلام مع إسرائيل، وأولوياتها المباشرة في غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر.
لكن وزن مصر يجعل السؤال أبعد من مجرد العضوية؛ فهي تملك كتلة بشرية وعسكرية كبيرة، وتسيطر على قناة السويس، وتمتد على البحر الأحمر والمتوسط، وتمثل صلة استراتيجية بين المشرق والمغرب وإفريقيا.
ومن هنا ينبغي أن يظل السؤال مفتوحًا: هل سيستمر إطار R-4 بوصفه دائرة سياسية أوسع؟ وهل يمكن أن تتطور لاحقًا صيغ تسمح لمصر بالمشاركة في مجالات دفاعية أو بحرية أو صناعية أو تكنولوجية دون أن تكون طرفًا كاملًا في جميع التزامات الاتفاق الثلاثي؟
(8) من الدفاع المشترك إلى إنتاج القوة المشتركة
أكبر فرصة أمام اتفاق مكة هي ألا يبقى اتفاقًا يستدعى فقط عند وقوع الاعتداء. فقيمة المشروع ستتضاعف إذا استطاع تحويل الالتزام الدفاعي إلى تعاون يومي في الصناعة والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والمعرفة.
ويمكن أن يبدأ ذلك بمجلس استراتيجي دائم، وهياكل للتنسيق الدفاعي والاقتصادي والتكنولوجي، وصندوق استثماري مشترك، وبرامج في الدفاع الجوي والمسيّرات والإلكترونيات والفضاء والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
كما يمكن تطوير مشروعات تربط الموانئ والأسواق وسلاسل الإنتاج من الخليج والبحر الأحمر إلى الأناضول وبحر العرب، بما ينشئ ترابطًا اقتصاديًا وصناعيًا وتكنولوجيًا يجعل استمرار التعاون مصلحة استراتيجية لكل طرف.
وهنا يصبح مفهوم «إنتاج القوة المشتركة» أوسع من التنسيق العسكري. فالهدف هو أن تنتج الدول الثلاث معًا أصولًا وقدرات لا تملكها منفردة بالمستوى نفسه: مصانع، ومراكز تكنولوجيا، وأنظمة دفاع، ومشروعات طاقة ونقل، ومنصات تمويل واستثمار، وقدرات بحثية واستشرافية.
والفرصة الأوسع هي أن يقدم الاتفاق نموذجًا عمليًا للتعاون الإسلامي يبدأ بعدد محدود من الدول ومشروعات قابلة للقياس، ثم يسمح للنجاح نفسه بأن يفتح دوائر أوسع للمشاركة.
وبهذا يمكن للتجربة أن تنتقل من مفهوم التحالف الذي يُختبر في الحرب إلى مفهوم الشراكة الاستراتيجية التي تنتج قيمة مستمرة في الحرب والسلم.
(9) البعد العسكري ـ ماذا يعني الردع الجماعي عمليًا؟
النص المنشور واضح في المبدأ، لكنه مفتوح في آليات التنفيذ. فاعتبار الاعتداء على دولة اعتداءً على الجميع لا يحدد بالضرورة أن الرد سيكون عسكريًا تلقائيًا، ولا حجمه أو مستواه أو الجهة التي تتخذ القرار.
لذلك سيكون الاختبار في المرحلة المقبلة هو رفع الجاهزية العملياتية من خلال اجتماعات منتظمة لوزراء الدفاع ورؤساء الأركان، ومراكز للتخطيط والتنسيق، وتدريبات مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وشبكات الإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي، والأمن البحري، وحماية المنشآت الحيوية.
كما ينبغي ألا يُختزل التعاون العسكري في شراء الأسلحة، بل ينتقل إلى الإنتاج المشترك وتوزيع سلاسل التصنيع وتوحيد بعض المعايير الفنية والتدريبية كلما أمكن.
أما السلاح النووي الباكستاني فينبغي ألا تُبنى حوله افتراضات تتجاوز المعلن؛ فالاتفاق لم يعلن مظلة نووية ثلاثية، ومن المهم الفصل بين امتلاك باكستان لهذه القدرة وبين نطاق الالتزامات الدفاعية المعلنة.
والأكثر واقعية في المراحل الأولى هو بناء ردع تقليدي وتكنولوجي مرتفع الكفاءة، مع رفع القدرة على اكتشاف التهديد والتعامل معه بسرعة وتنسيق.
(10) الاقتصاد ـ قاعدة القوة والاستمرار
لا توجد منظومة دفاعية مستدامة دون قاعدة اقتصادية قادرة على دعمها. فالاقتصاد ليس مجرد مصدر تمويل للإنفاق العسكري، وإنما أحد مكونات القوة ذاتها.
ويمتلك الثلاثي قابلية مرتفعة للتكامل؛ فالسعودية تمتلك رأس المال والطاقة والاستثمار، وتركيا قاعدة صناعية وتصديرية وتكنولوجية متقدمة نسبيًا، وباكستان توفر السوق والقوة البشرية والموقع المتصل بالصين وجنوب آسيا.
ويمكن تحويل هذه المزايا إلى اعتماد متبادل في الاستثمار والتجارة والطاقة والصناعة والتمويل، وتطوير مشروعات مشتركة في البتروكيماويات والزراعة والأمن الغذائي والنقل والموانئ والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.
كما ينبغي بناء قدرة مالية مشتركة عبر صناديق استثمارية، وخطوط مقايضة، وتسهيلات ائتمانية، وتمويل التجارة والمشروعات الكبرى، بحيث لا تتحول الضغوط المالية على أي دولة إلى عامل يحد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
والهدف ليس فصل اقتصادات الدول الثلاث عن الاقتصاد العالمي، وإنما زيادة قدرتها على امتصاص الضغوط وتنويع مصادر التمويل والتجارة والتكنولوجيا.
ومن هنا فإن قوة الاتفاق ستقاس أيضًا بقدرته على تحويل العلاقات الأمنية إلى قيمة اقتصادية وتنموية حقيقية يشعر بها القطاع الخاص والمجتمعات، لا الحكومات وحدها.
(11) البعد الحضاري والسياسي ـ الإسلام رابطة لا أيديولوجيا تحالف
تمنح الهوية الإسلامية المشتركة الاتفاق رصيدًا شعبيًا ورمزيًا كبيرًا، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا جرى تقديم الثلاثي بوصفه ممثلًا حصريًا للعالم الإسلامي أو محورًا مذهبيًا في مواجهة إيران.
فالسعودية تحتضن الحرمين، وتركيا تحمل إرثًا تاريخيًا واسعًا، وباكستان تأسست في سياق ارتبط بالهوية الإسلامية؛ لكن هذه الرمزية ينبغي أن تستخدم لتقوية التعاون، لا لإعلان قيادة أو تفوق على بقية الدول الإسلامية.
والنموذج الأكثر فاعلية هو تعاون دول ذات سيادة تجمعها مصالح استراتيجية وقواسم حضارية، وتبقي أبواب المشاركة والتعاون مفتوحة أمام مصر وإيران وإندونيسيا وماليزيا ودول الخليج وآسيا الوسطى وغيرها.
وبهذا يتحول البعد الإسلامي من خطاب عام إلى مضمون عملي في الدفاع والصناعة والتجارة والعلم والأمن الغذائي والتكنولوجيا والطاقة والممرات والتنسيق السياسي.
كما يسمح هذا النموذج بتجاوز فكرة أن التكامل الإسلامي يتطلب بالضرورة إطارًا واحدًا واسعًا يشمل الجميع منذ البداية؛ فقد يكون التعاون الوظيفي بين مجموعات محدودة من الدول في مجالات محددة أكثر قدرة على إنتاج نتائج ثم توسيعها تدريجيًا.
(12) الواجبات الاستراتيجية ـ بناء القدرة قبل توسيع الالتزامات
أول واجب بعد توقيع الاتفاق هو تحويل الالتزام السياسي إلى قدرة دائمة. وهذا يقتضي بناء هياكل تنفيذية واضحة، وتحديد المسؤوليات، ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات المعنية بالدفاع والخارجية والاقتصاد والتكنولوجيا.
وينبغي وضع ترتيبات تنفيذية تحدد مفهوم الاعتداء المشمول بالاتفاق، وآليات التشاور واتخاذ القرار، ومستويات الاستجابة، وطبيعة مساهمة كل دولة وفق نوع التهديد.
كما ينبغي توزيع الأدوار وفق المزايا النسبية، لا وفق التنافس على القيادة؛ فالسعودية تمتلك مزايا كبيرة في الاستثمار والطاقة، وتركيا في الصناعة والتكنولوجيا، وباكستان في الخبرة والقدرات العسكرية، مع إمكان تداخل هذه الأدوار وتطورها مع الزمن.
ومن المهم كذلك إنشاء قناة دائمة لفصل الملفات الخلافية عن مسارات التعاون الأخرى، حتى لا يؤدي الخلاف في قضية واحدة إلى تعطيل التعاون الدفاعي أو الاقتصادي أو التكنولوجي برمته.
ويجب أن تتوسع قاعدة المشروع خارج وزارات الدفاع والخارجية لتشمل القطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الاقتصادية، بحيث يتحول استمرار التعاون إلى مصلحة وطنية مستقرة لكل طرف.
والقاعدة الحاكمة هنا هي أن تتوسع الالتزامات بقدر نمو القدرة الفعلية، وأن يسبق بناء القدرات والمؤسسات رفع سقف التعهدات السياسية والعسكرية.
(13) المحاذير الداخلية ـ الثقة هي الحلقة الأصعب
التاريخ الطويل للعلاقات بين الدول الثلاث لا يخلو من اختلافات؛ فقد مرت العلاقات السعودية التركية بفترات من التوتر قبل أن تتجه إلى التقارب، كما تحمل كل دولة علاقات وشراكات دولية تختلف عن شريكيها.
وتختلف كذلك تصورات التهديد. فما تعتبره باكستان خطرًا وجوديًا من جهة الهند لا تنظر إليه السعودية وتركيا بالطريقة نفسها، مثلما لا تتطابق حساسيات أنقرة في سوريا وشرق المتوسط مع أولويات إسلام آباد، ولا تتطابق حسابات الرياض في الخليج واليمن مع الحسابات التركية.
ولذلك يصبح تعريف الاعتداء المشمول بالتضامن الدفاعي مسألة حاسمة. فإذا فُهم الاتفاق باعتباره التزامًا تلقائيًا بكل أزمة يواجهها أي عضو، فقد يحمل منذ بدايته أعباء أكبر من قدرته.
أما إذا قامت العلاقة على حماية الأمن الأساسي للدول الثلاث مع ترتيبات واضحة للتشاور وتقدير طبيعة كل حالة، فيمكن الجمع بين صدقية الردع والحفاظ على حرية القرار.
وتزداد أهمية فصل الخلافات في هذا السياق؛ إذ ينبغي ألا يؤدي تباين المواقف تجاه دولة أو أزمة أو علاقة دولية إلى تعطيل المصالح الأساسية التي قامت عليها الشراكة.
(14) المحاذير الإقليمية ـ من الردع إلى الاستقطاب
ستقرأ إيران الاتفاق بعين القلق، خصوصًا في ظل الحرب الراهنة، وستراقبه الهند من خلال علاقته بباكستان، بينما ستنظر إسرائيل باهتمام إلى أي تكامل دفاعي وتكنولوجي بين ثلاث دول إسلامية كبيرة.
لكن الخطر الأكثر أهمية هو أن يعاد تعريف الاتفاق بوصفه محورًا مذهبيًا أو جبهة موجهة ضد دولة بعينها. فهذا سيحول مشروع بناء القدرة إلى عنصر جديد في الاستقطاب الإقليمي، ويستنزف الدول الثلاث في صراعات قد لا تخدم مصالحها.
ومن هنا تكتسب التصريحات التي تؤكد الطابع الدفاعي للاتفاق وعدم توجيهه إلى دولة محددة أهمية استراتيجية.
وينبغي أن تقوم فلسفة المشروع على الجمع بين القدرة على ردع الاعتداء واستمرار قنوات الحوار والتفاوض مع القوى الإقليمية المختلفة.
فالغرض من القوة هو توسيع القدرة على حماية المصالح وخفض احتمالات الحرب وتحسين شروط التفاوض، لا زيادة عدد الخصوم.
(15) الموقف الدولي ـ استقلال دون قطيعة
لا تستطيع الدول الثلاث بناء استراتيجيتها على مواجهة الولايات المتحدة أو الغرب؛ فجميعها ترتبط بدرجات مختلفة بعلاقات أمنية واقتصادية مهمة مع واشنطن، وتركيا عضو في الناتو، وباكستان ترتبط بالصين في شراكة استراتيجية واسعة، والسعودية تنوع علاقاتها مع الشرق والغرب.
ولهذا فإن المفهوم الأنسب هو «الاستقلال الاستراتيجي متعدد الاتجاهات»: أي توسيع حرية القرار والخيارات مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مراكز القوة المختلفة.
ستراقب واشنطن خصوصًا انتقال التكنولوجيا الدفاعية وموقع الاتفاق من التزامات تركيا الأطلسية، وستنظر الصين إلى أثره في باكستان والممرات والطاقة، بينما ستكون أوروبا معنية بأمن المتوسط والتجارة.
ولا ينبغي أن يكون الهدف الانتقال من اعتماد أحادي على طرف إلى اعتماد أحادي على طرف آخر، بل بناء قاعدة أوسع من الشراكات تسمح للدول الثلاث بالمناورة وحماية مصالحها.
وإذا أُدير الاتفاق بوصفه أداة للاستقرار وتوسيع القدرة الذاتية، فقد تجد القوى الدولية مساحة للتعامل معه. أما إذا تحول إلى إعلان مواجهة مع النظام الدولي، فقد يستدعي ضغوطًا مبكرة تشتت أهدافه الأساسية.
(16) خطر تقييد القرار الجماعي ـ كيف يحتفظ الاتفاق بشكله ويفقد فاعليته؟
ليس من الضروري أن ينهار الاتفاق رسميًا حتى تتراجع قيمته الاستراتيجية. فقد تظل الاجتماعات والبيانات والهياكل قائمة، بينما يصبح اتخاذ موقف جماعي حقيقي أكثر صعوبة بسبب اختلاف المصالح والالتزامات الخارجية لكل دولة.
وقد يأتي التقييد من عدة أبواب: صفقات تسليح ثنائية تخلق اعتمادًا طويل الأجل على موردين مختلفين، أو ضغوط اقتصادية ومالية على أحد الأطراف، أو اختلاف علاقات الدول الثلاث بالولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا، أو تضارب الأولويات الإقليمية بينها.
كما يمكن أن تنشأ فجوة بين قدرة كل دولة على التحرك منفردة وقدرة الدول الثلاث على اتخاذ قرار جماعي. فقد تمتلك الأطراف أسلحة واقتصادات كبيرة، لكن غياب التنسيق والتخطيط المتوافق يجعل مجموع القوة أقل بكثير مما توحي به الأرقام.
ومن هنا لن يُقاس نجاح اتفاق مكة بعدد القمم والبيانات، وإنما بمدى قدرته على إنتاج قرارات وقدرات مشتركة قابلة للتنفيذ، وبحجم المشروعات التي تربط المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية بين الدول الثلاث.
والخطر الحقيقي هو أن تستمر كل دولة في تطوير علاقاتها الثنائية بصورة تجعلها أكثر ارتباطًا بموردين وترتيبات خارجية من ارتباطها بشريكيها داخل الاتفاق.
ولهذا يصبح الحفاظ على حرية القرار الجماعي مرتبطًا بتوسيع البدائل، وبناء قدرات مشتركة في المجالات الحساسة، مع عدم السعي إلى استقلال كامل غير واقعي عن الاقتصاد والتكنولوجيا العالميين.
(17) فلسطين ـ الاختبار السياسي والأخلاقي
لا تستطيع قوة إسلامية بهذا الوزن أن تتجنب سؤال فلسطين. فالدول الثلاث تعلن دعمها للحقوق الفلسطينية، كما شاركت خلال الشهور الماضية في بيانات إسلامية ودولية مشتركة تتناول الإجراءات الإسرائيلية في القدس والأراضي الفلسطينية.
لكن قيمة الاتفاق لن تكون في رفع سقف الخطاب، وإنما في تحويل الوزن المتجمع إلى أدوات تأثير: تحرك دبلوماسي منسق، ودعم قانوني، ومواجهة التهجير، والمساهمة في إعادة الإعمار، وحماية المقدسات، ودعم الحقوق الفلسطينية.
وفلسطين تكشف الفارق بين التضامن والتحالف القادر على الفعل؛ فالأول يعبر عن الموقف، بينما يستطيع الثاني توزيع الأدوار واستخدام الأدوات السياسية والاقتصادية والقانونية بصورة أكثر تنظيمًا.
كما ينبغي ألا تتحول القضية الفلسطينية إلى مبرر لإقحام الاتفاق في حرب مفتوحة غير محسوبة؛ بل ينبغي أن تكون اختبارًا لقدرة الدول الثلاث على تحويل ما تمتلكه من وزن سياسي واقتصادي ودبلوماسي إلى تأثير فعلي.
وبهذا تصبح فلسطين اختبارًا للفاعلية: هل يستطيع الاتفاق توسيع الخيارات المتاحة للدول الثلاث وحماية الحقوق والمصالح، أم يظل تأثيره محصورًا في المجال الدفاعي الداخلي؟
(18) من الثلاثية إلى نواة أوسع ـ هل تعود مصر؟
إذا نجح الاتفاق، فإن أحد أهم أسئلة المستقبل سيكون التوسع. لكن التوسع المبكر قد يضعف بناء النواة الثلاثية، ولذلك تبدو الأولوية لتثبيت التعاون القائم وإثبات قدرته على إنتاج نتائج.
بعد ذلك يمكن تطوير دوائر متعددة للمشاركة: تعاون دفاعي، وشراكة صناعية، وتكامل اقتصادي، وتعاون في التكنولوجيا، وآليات للأمن البحري والطاقة والممرات.
وبذلك لا يصبح الانضمام مسألة «كل شيء أو لا شيء»، وإنما يستطيع كل طرف المشاركة في المجالات التي تتوافق مع مصالحه وقدراته.
ومصر هي المرشح الأكثر أهمية إذا اتجهت الدول الثلاث إلى توسيع النواة؛ فهي تضيف جيشًا كبيرًا، وثقلًا سكانيًا، وقناة السويس، والبحر الأحمر والمتوسط، وعمقًا عربيًا وإفريقيًا، كما أنها عضو في إطار R-4.
لكن الأهم ألا يتحول التوسع إلى سباق عضوية أو زعامة. فالمطلوب ليس إنشاء مؤسسة إسلامية واسعة جديدة تنافس منظمة التعاون الإسلامي، وإنما بناء نموذج تعاون ناجح يسمح لمن يرغب بالمشاركة في مشروعات محددة وفق مصالحه وقدراته.
والنجاح الفعلي للنواة الثلاثية هو الذي سيحدد جاذبيتها للتوسع، لا الخطاب أو الرمزية وحدهما.
(19) السيناريوهات المستقبلية ـ خمسة مسارات أمام اتفاق مكة
السيناريو الأول أن يبقى الاتفاق التزامًا دفاعيًا سياسيًا قويًا لكنه محدود التنفيذ، بحيث تستمر المشاورات والتنسيق دون تطور كبير في القدرات المشتركة.
والسيناريو الثاني أن يتحول إلى تعاون دفاعي ذي جاهزية عملياتية مرتفعة، يشمل التدريبات الدورية وتبادل المعلومات والإنذار المبكر والدفاع الجوي والبحري والتخطيط لسيناريوهات الاعتداء.
والسيناريو الثالث، وهو الأكثر أهمية استراتيجيًا، أن يتجاوز المجال الدفاعي إلى منظومة لإنتاج القوة المشتركة تشمل الصناعة والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والبحث العلمي.
والسيناريو الرابع أن تصبح الثلاثية نواة لتعاون أوسع، تشارك فيه مصر ودول أخرى عبر دوائر مختلفة من التعاون الدفاعي والاقتصادي والصناعي والتكنولوجي.
أما السيناريو الخامس فهو بقاء الاتفاق سياسيًا مع محدودية أثره الفعلي نتيجة اختلاف الأولويات، واستمرار الاعتماد الخارجي، وضعف المشروعات المشتركة، وصعوبة بناء قرارات جماعية في القضايا الحساسة.
ولا يلزم أن يسير المستقبل في مسار واحد؛ فقد تجتمع عناصر من أكثر من سيناريو. وسيظل الفيصل هو مقدار ما تنتجه الدول الثلاث من قدرة عملية واعتماد متبادل ومشروعات مشتركة وحرية أكبر في القرار.
(20) شروط النجاح ـ كيف يتحول اتفاق مكة إلى قوة؟
لا تكمن قيمة أي تحالف في قوة نصوصه بقدر ما تكمن في قدرته على تحويلها إلى قدرة قابلة للاستخدام. ومن هنا يمكن قياس مستقبل اتفاق مكة من خلال سبعة معايير رئيسية مترابطة.
المعيار الأول هو وضوح الالتزامات؛ فالدفاع المشترك يفقد جزءًا من قدرته على الردع إذا ظلت الأطراف نفسها غير متفقة على مفهوم الاعتداء وحدود الاستجابة والجهة التي تتخذ القرار ونوعية المساعدة المطلوبة.
والمعيار الثاني هو الجاهزية العملياتية؛ أي وجود خطط مسبقة لمختلف درجات التهديد والاعتداء، وتدريبات دورية، وقدرة على التواصل واتخاذ القرار وتبادل المعلومات والاستجابة في الوقت المناسب.
والمعيار الثالث هو التكامل الصناعي؛ فاستمرار اعتماد كل دولة بصورة منفصلة على واردات السلاح لا ينتج قوة مشتركة بالمعنى الكامل. أما توزيع مشروعات الإنتاج والتطوير بين الدول الثلاث فيخلق قدرة أكثر استدامة.
والمعيار الرابع هو الاستقلال التكنولوجي النسبي؛ إذ أصبحت التكنولوجيا والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والفضاء والاتصالات والأمن السيبراني في قلب القوة العسكرية والاقتصادية، ولا يمكن الحديث عن حرية قرار واسعة مع اعتماد حاسم على مصادر خارجية في القطاعات الحساسة.
والمعيار الخامس هو الترابط الاقتصادي؛ فكلما توسعت التجارة والاستثمارات والمشروعات وشبكات النقل والطاقة والصناعة بين الدول الثلاث، أصبح التعاون أكثر ارتباطًا بالمصلحة الوطنية طويلة الأجل، لا بالظرف السياسي العابر.
والمعيار السادس هو القدرة السياسية؛ أي قدرة الأطراف على تنسيق المواقف في القضايا الكبرى، وحماية المصالح المشتركة، والتفاوض مع القوى الدولية من موقع أفضل، مع الاحتفاظ بحرية كل دولة في ملفاتها الخاصة.
أما المعيار السابع فهو الاستدامة؛ أي قدرة المشروع على الاستمرار بعد تغير الحكومات والقادة، وانتهاء بعض المخاطر التي عجّلت بولادته، وظهور أزمات أو اختلافات جديدة بين أعضائه.
وتجتمع هذه المعايير في قاعدة واحدة: بناء القدرة قبل توسيع الالتزامات. فكلما سبقت المؤسسات والمشروعات والجاهزية الفعلية رفع سقف التعهدات، أصبح الاتفاق أكثر قدرة على الاستمرار وأقل عرضة للاهتزاز.
والتدرج في هذا السياق ليس ضعفًا، وإنما طريقة لتحويل التعاون من قرار سياسي إلى واقع اقتصادي وعسكري وتكنولوجي يصبح الحفاظ عليه مصلحة مستقرة لكل طرف.
الخاتمة ـ من اتفاق الدفاع إلى إنتاج القوة المشتركة
نقل اتفاق مكة العلاقة بين تركيا والسعودية وباكستان من مرحلة التقارب إلى مرحلة الالتزام الدفاعي المعلن، لكنه فتح في اللحظة نفسها سؤالًا أكبر وهو هل تستطيع الدول الثلاث الانتقال من الدفاع المشترك إلى إنتاج القوة المشتركة؟
لقد جاء الاتفاق في لحظة تواجه فيها الدول الثلاث مخاطر وطنية مباشرة، وفي بيئة إقليمية أوسع تتداخل فيها الحروب والصواريخ والمسيّرات والممرات والطاقة والحدود والتدخلات الدولية. ولهذا كان الردع دافعًا مهمًا للتوقيع، لكنه لا ينبغي أن يكون المصدر الوحيد لاستمرار المشروع.
فالقيمة طويلة الأجل ستتحدد بما تستطيع الدول الثلاث أن تبنيه معًا في الدفاع والصناعة والاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار والبحث العلمي، وبمدى نجاحها في تحويل اختلاف إمكاناتها إلى تكامل، لا إلى مجرد تجاور بين ثلاث قوى كبيرة.
ويظل غياب مصر سؤالًا مهمًا، خاصة بعد حضورها في الإطار الرباعي السابق، دون أن تتوافر حتى الآن معلومات تسمح بالجزم إن كان غيابها قرارًا مصريًا أم نتيجة اختلاف مسارات التفاوض. وقد يكون ما نشهده مسارين متوازيين: تشاور سياسي رباعي، وترتيب دفاعي ثلاثي قابل لتطوير دوائر أوسع من التعاون.
كما ستتحدد قيمة الاتفاق بفلسفته الإقليمية. فإذا تحول إلى محور مذهبي، أو أداة للصراع مع إيران، أو امتداد للمواجهة الباكستانية الهندية، أو مشروع خصومة مع الغرب، فقد يُحمّل نفسه أعباء تتجاوز أهدافه وقدراته.
أما إذا حافظ على طابعه الدفاعي، وربط الردع بالتصنيع والاقتصاد والتكنولوجيا والمعرفة، ووسع حرية القرار مع إبقاء علاقاته الدولية مفتوحة ومتوازنة، فقد يقدم نموذجًا جديدًا للتعاون بين قوى إسلامية رئيسية.
فالتحدي في العالم الإسلامي ليس دائمًا غياب عناصر القوة؛ فهناك المال والطاقة والسكان والجيوش والمواقع والممرات والأسواق والقدرات الصناعية والتكنولوجية، لكنها موزعة بين دول متعددة ولا تتجمع دائمًا داخل مشروعات استراتيجية مشتركة.
ومن هنا يمكن أن تكون الدلالة الأبعد لاتفاق مكة هي إثبات قدرة مجموعة محدودة من الدول على تحويل هذه الإمكانات إلى مشروعات ومؤسسات وقدرات مشتركة، ثم فتح المجال أمام دوائر أوسع من التعاون إذا أثبتت التجربة نجاحها.
فالاختبار التاريخي لاتفاق مكة لن يكون في قدرته على جمع الدول الثلاث عند الخطر فقط، وإنما في قدرته على جعل ما تمتلكه كل دولة عنصرًا دائمًا في قوة الدولتين الأخريين، وتحويل الدفاع المشترك إلى منظومة مستدامة لإنتاج القدرة وحماية القرار وتوسيع مساحة الحركة الاستراتيجية.
خلاصات وتوصيات مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية
ينطلق مركز حريات في توصياته من أن اتفاق مكة يمثل فرصة استراتيجية مهمة، لكنها تظل رهينة القدرة على تحويل الالتزام الدفاعي من نص سياسي إلى قدرة ومصالح ومؤسسات مشتركة قابلة للاستمرار. فنجاح الاتفاق لن يتحدد بقوة الإعلان وحدها، وإنما بمدى نجاح الدول الثلاث في رفع الجاهزية العملياتية، وتعميق التكامل الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي، وتوسيع حرية القرار، والحفاظ على استدامة المشروع دون الانزلاق إلى الاستقطاب أو العزلة. ومن ثم تأتي التوصيات التالية بوصفها خارطة طريق عملية للانتقال من اتفاق الدفاع إلى إنتاج القوة المشتركة:
- تحويل اتفاق مكة من التزام بين القيادات إلى بناء مؤسسي دائم، عبر إنشاء مجلس استراتيجي ثلاثي وأمانة تنسيق وهياكل تنفيذية منتظمة للدفاع والخارجية والاقتصاد والتكنولوجيا.
- وضع ترتيبات تنفيذية دقيقة تحدد مفهوم الاعتداء المشمول بالاتفاق، وآلية طلب المساعدة، ومستويات الاستجابة، وطبيعة الالتزام السياسي والاقتصادي والاستخباراتي والعسكري لكل طرف.
- إنشاء مركز مشترك لتقدير المخاطر والإنذار المبكر، يميز بين التهديدات التي تمس الأمن الجماعي للدول الثلاث والأزمات الوطنية الخاصة بكل دولة.
- تحويل المخاطر الآنية التي عجّلت بتوقيع الاتفاق إلى مشروعات وقدرات ومصالح طويلة المدى تستمر بعد تغير الظروف التي أنتجته.
- إعطاء أولوية عاجلة لرفع الجاهزية العملياتية في مجالات الإنذار والدفاع الجوي والصاروخي ومواجهة المسيّرات وتبادل بيانات الرادار والمعلومات الاستخباراتية.
- تطوير تعاون بحري واسع لحماية الموانئ والممرات وخطوط الطاقة والتجارة من البحر الأحمر والخليج إلى بحر العرب والمحيط الهندي.
- الانتقال من شراء السلاح إلى التصنيع الدفاعي المشترك من خلال توزيع حلقات الإنتاج، وتطوير مشروعات في الدفاع الجوي والمسيّرات والإلكترونيات والذخائر الذكية والمنظومات البحرية والأمن السيبراني.
- عدم تحميل امتلاك باكستان للسلاح النووي دلالات لم يعلنها الاتفاق، وتجنب افتراض وجود مظلة نووية مشتركة، مع توسيع التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية والبحث العلمي والتكنولوجيا المرتبطة بها.
- جعل الترابط الاقتصادي والاستثماري أحد أعمدة الاستدامة من خلال توسيع التجارة والاستثمار وربط الموانئ والمناطق الصناعية وشبكات النقل والطاقة.
- تأسيس صندوق استثماري استراتيجي ثلاثي تشارك فيه صناديق السيادة والبنوك التنموية والقطاع الخاص لتمويل المشروعات الكبرى المشتركة.
- بناء قدرة مالية مشتركة من خلال خطوط المقايضة والتسهيلات الائتمانية وتمويل التجارة والصناديق الاستثمارية المشتركة، بما يقلل قابلية القرار للضغط المالي الخارجي.
- توجيه جانب معتبر من التعاون إلى مجالات القوة المستقبلية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والفضاء وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية.
- تجنب تقديم الاتفاق بوصفه محورًا مذهبيًا أو إطارًا موجهًا ضد إيران، والجمع بين القدرة على الردع واستمرار قنوات الحوار والتفاوض والتعاون الممكن.
- منع انتقال الصراع الهندي الباكستاني تلقائيًا إلى قلب الالتزامات الدفاعية للدول الثلاث، مع دعم أمن باكستان واحترام المصالح المستقلة للسعودية وتركيا في جنوب آسيا.
- إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة بمنطق توسيع حرية القرار وتنويع الخيارات، لا القطيعة أو الاستغناء غير الواقعي عن العلاقات القائمة.
- الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وغيرها، بحيث يكون الاستقلال الاستراتيجي متعدد الاتجاهات إطارًا حاكمًا للعلاقات الخارجية.
- معالجة غياب مصر باعتباره ملفًا استراتيجيًا مفتوحًا، والحفاظ على قنوات الحوار حول إمكان مشاركتها مستقبلًا أو تعاونها في بعض المجالات الدفاعية والاقتصادية والتكنولوجية.
- الحفاظ على إطار R-4 بوصفه دائرة سياسية وتشاوريا أوسع تضم مصر، ما دام قادرًا على أداء هذه الوظيفة إلى جانب الاتفاق الثلاثي.
- تطوير نموذج للمشاركة متعددة الدوائر مستقبلًا، يتيح التعاون في الدفاع أو الصناعة أو الاقتصاد أو التكنولوجيا أو الأمن البحري بدرجات مختلفة.
- عدم تقديم التحالف باعتباره ممثلًا حصريًا للعالم الإسلامي أو بديلًا عن منظمة التعاون الإسلامي، وإنما نموذجًا عمليًا للتعاون يمكن توسيعه إذا أثبت نجاحه.
- تطوير سياسة مشتركة أكثر فاعلية تجاه فلسطين تقوم على منع التهجير وحماية المقدسات ودعم الحقوق الفلسطينية والتحرك القانوني والدبلوماسي والاقتصادي والمساهمة في إعادة الإعمار.
- إنشاء قناة دائمة لفصل الملفات الخلافية عن بقية مجالات التعاون، ومنع انتقال الخلاف في ملف واحد إلى تعطيل المسارات الدفاعية والاقتصادية والتكنولوجية الأخرى.
- توسيع المشروع من مستوى الحكومات إلى مستوى المجتمعات عبر التعاون بين الجامعات ومراكز الدراسات والشركات والباحثين والمهندسين والطلاب والمؤسسات الثقافية والشبابية.
- إنشاء مركز ثلاثي للدراسات والاستشراف الاستراتيجي يتولى تحليل التحولات الدولية والإقليمية وإعداد السيناريوهات وقياس المخاطر وتقديم تقديرات لصناع القرار.
- توسيع الالتزامات بقدر نمو القدرة الفعلية، بحيث يسبق بناء القدرات والمؤسسات رفع سقف التعهدات السياسية والعسكرية.
- إعداد خطط مسبقة لمختلف درجات التهديد والاعتداء، وإجراء تدريبات دورية على آليات اتخاذ القرار والاستجابة والتنسيق بين المؤسسات المعنية.
- اعتماد منظومة سنوية لقياس نجاح الاتفاق تشمل حجم التجارة والاستثمار، ونسبة التصنيع الدفاعي المشترك، والمشروعات التكنولوجية، ومستوى التدريبات وتبادل المعلومات، وسرعة اتخاذ القرار عند التهديد.
- حماية قدرة الدول الثلاث على اتخاذ موقف جماعي من تأثير الصفقات الثنائية والضغوط الاقتصادية والاعتماد العسكري الخارجي، مع زيادة المشروعات والقدرات التي تجمع الأطراف الثلاثة.
- عدم تحويل الاستقلال الاستراتيجي إلى عزلة؛ فالغرض من بناء القوة هو تحسين شروط التعامل مع العالم، وتعدد الخيارات، ورفع القدرة على حماية القرار والمصالح.
- وضع رؤية عشرية لاتفاق مكة تحدد أهدافًا قابلة للقياس حتى منتصف الثلاثينيات في الدفاع والصناعة والتجارة والطاقة والتكنولوجيا والفضاء والأمن الغذائي والأمن البحري.
- جعل «إنتاج القوة المشتركة» إطارًا حاكمًا للمشروع، بحيث لا يقتصر على تنسيق القدرات الوطنية القائمة، بل ينشئ قدرات وصناعات وتقنيات ومؤسسات جديدة بصورة مشتركة.
- إعطاء أولوية لمشروعات نموذجية محددة يمكن قياس نتائجها في التصنيع الدفاعي والطاقة والنقل والتكنولوجيا، لتكون النجاحات العملية قاعدة لتوسيع التعاون.
- ربط حرية القرار بزيادة البدائل في التمويل والتكنولوجيا والتسليح والطاقة والتجارة، بدل تفسيرها باعتبارها انفصالًا عن العلاقات الدولية القائمة.
- تحويل استدامة التعاون إلى مصلحة وطنية مستقرة لكل دولة من خلال توسيع الاعتماد المتبادل بين المؤسسات والأسواق والصناعات والمشروعات طويلة المدى.
🔵 الخلاصة الحاكمة لتوصيات مركز حريات
تقوم فلسفة المرحلة المقبلة على أربعة مفاهيم مترابطة: «إنتاج القوة المشتركة، وحرية القرار، والجاهزية العملياتية، والاستدامة». فإنتاج القوة المشتركة يحول اختلاف قدرات الدول الثلاث إلى مصدر للتكامل، وحرية القرار تمنحها مساحة أوسع للحركة، والجاهزية العملياتية تحول الالتزام الدفاعي إلى قدرة قابلة للاستخدام، والاستدامة تحمي المشروع من الارتهان للظروف التي أدت إلى ولادته.
ومن ثم فإن نجاح اتفاق مكة لن يقاس بعدد الاجتماعات والبيانات أو حتى بحجم التسليح وحده، وإنما بمقدار ما تنشئه الدول الثلاث من صناعات ومشروعات واستثمارات وتكنولوجيا ومعرفة وقدرات عسكرية واقتصادية مشتركة، وبمدى ما تضيفه هذه العناصر إلى قوة كل دولة وحرية قرارها. وعندئذ يمكن لاتفاق مكة أن يتجاوز حدود الترتيب الدفاعي الذي فرضته لحظة إقليمية مضطربة، ليصبح تجربة عملية في التكامل بين قوى إسلامية رئيسية، ونموذجًا لكيفية تحويل الإمكانات المتفرقة إلى قدرة استراتيجية مشتركة قابلة للاستمرار والتوسع.
=====
المصادر والمراجع
- وزارة الخارجية الباكستانية، «قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك»، البيان الرسمي الخاص باتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، 7 أغسطس 2026.
- وكالة رويترز، «السعودية وتركيا وباكستان تتعهد بالدفاع المتبادل وسط الاضطرابات الإقليمية»، 7 أغسطس 2026.
- وكالة رويترز، «السعودية تتوقع هجومًا وشيكًا من اتجاهين من حلفاء إيران»، 6 أغسطس 2026.
- وزارة الدفاع الوطني التركية، بيان بشأن اعتراض وتحييد ذخيرة بالستية مرتبطة بتداعيات الحرب الإقليمية ودخولها أو اقترابها من المجال الجوي التركي، 2026.
- وكالة رويترز، «تفجير انتحاري مشتبه به في مركز للشرطة يقتل 17 شخصًا في باكستان»، 2 أغسطس 2026.
- وكالة رويترز، «باكستان تنشر سربًا من المقاتلات وآلاف الجنود في السعودية خلال الحرب مع إيران»، 18 مايو 2026.
- وكالة رويترز، «باكستان تتهم مسلحين متمركزين في أفغانستان بالوقوف وراء هجوم دموي»، 11 مايو 2026.
- وزارة الخارجية التركية، «البيان المشترك لمجموعة R-4 عقب الاجتماع التشاوري الرابع لوزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان»، 21 يونيو 2026.
- وزارة الخارجية التركية، «البيان المشترك لوزراء خارجية تركيا ومصر وإندونيسيا والأردن وباكستان وقطر والسعودية والإمارات»، 23 يوليو 2026، بشأن القضية الفلسطينية والتطورات الإقليمية.
- د. حاتم عزام، «تمرد التحسس ونهاية الأمن المستعار ـ من طوفان الأقصى إلى الرباعية: هل يملأ الإقليم فراغه الأمني بنفسه؟»، ورقة تحليلية ـ بحثية، زيورخ، 30 يوليو 2026.







