مقالات وآراء

نور الشريف في عيون النقاد.. لماذا اعتبروه أحد أهم ممثلي جيله؟

النجومية يصنعها الجمهور، والإيرادات يصنعها شباك التذاكر، أما المكانة الحقيقية فيصنعها الزمن. ولهذا، عندما رحل نور الشريف في أغسطس عام 2015، لم يكن السؤال الذي طرحه النقاد: كم فيلمًا قدم؟ ولا كم بطولة حقق؟ بل كان السؤال: لماذا اتفق معظم النقاد، رغم اختلاف مدارسهم واتجاهاتهم، على أنه أحد أهم الممثلين في تاريخ السينما المصرية؟

هذا الاتفاق لم يكن مجاملة لرجل رحل، ولا تعاطفًا مع فنان كبير، وإنما كان نتيجة مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود، استطاع خلالها أن يفرض نفسه ليس كنجم جماهيري فقط، بل كممثل يمتلك مشروعًا فنيًا واضحًا، وأدوات أداء استثنائية، وثقافة انعكست على كل شخصية جسدها.

في النقد السينمائي، هناك قاعدة معروفة تقول إن الممثل الكبير هو الذي يجعلك تنسى اسمه، وتتذكر الشخصية.

وهذا تحديدًا ما كان يفعله نور الشريف.

عندما تشاهد “الكرنك”، لا ترى نور الشريف، بل ترى إسماعيل الشيخ.

وفي “سواق الأتوبيس”، لا تتذكر النجم، بل ترى المواطن الذي يحاول إنقاذ ورشة والده.

وفي “العار”، تنشغل بالإنسان الذي يبرر سقوطه الأخلاقي، أكثر مما تنشغل بالممثل الذي يؤدي الدور.

أما في “لن أعيش في جلباب أبي”، فقد اختفى نور الشريف تمامًا داخل شخصية عبد الغفور البرعي، حتى أصبح كثيرون ينادونه باسم الشخصية أكثر مما ينادونه باسمه الحقيقي.

وهذا، في نظر النقاد، ليس مجرد نجاح في الأداء، بل هو أعلى درجات التمثيل.

فالممثل الحقيقي لا يلفت الانتباه إلى نفسه، وإنما إلى الشخصية التي يؤديها.

ومن الأسباب التي جعلت النقاد يحتفون بتجربته أيضًا، أنه لم يعتمد يومًا على الكاريزما وحدها.

في السينما، كثير من النجوم يعيشون على حضورهم الشخصي.

يدخلون أي فيلم بالشخصية نفسها، مع بعض التعديلات.

لكن نور الشريف كان يهدم نفسه مع كل دور.

يغير طريقته في الكلام.

إيقاعه.

نظراته.

طريقة جلوسه.

حتى الصمت عنده كان يختلف من شخصية إلى أخرى.

ولهذا، لم يكن المشاهد يشعر أنه يشاهد “نور الشريف” يؤدي شخصية جديدة، بل يشاهد إنسانًا جديدًا بالكامل.

وكان الناقد الكبير الراحل سمير فريد يلفت النظر دائمًا إلى هذه النقطة.

فقد رأى أن أهم ما يميز نور الشريف هو أنه ينتمي إلى مدرسة الممثل الذي يصنع الشخصية من الداخل، لا من الخارج.

أي أنه يبدأ من عقل الشخصية، ثم يصل إلى ملامحها، وليس العكس.

أما الناقد علي أبو شادي، فكان يرى أن نور الشريف من أكثر ممثلي جيله احترامًا لعقل المشاهد.

لم يكن يقبل أن يقدم شخصية مسطحة، أو تعتمد على الانفعال فقط.

حتى في أكثر مشاهده غضبًا، كان هناك دائمًا منطق داخلي يحكم الأداء.

الغضب عنده له سبب.

والصمت له معنى.

والابتسامة لها توقيت.

وكان هذا ما يجعل شخصياته قابلة للتصديق.

ومن النقاط التي توقف عندها النقاد كثيرًا، قدرته على الانتقال بين الأنواع المختلفة من الدراما دون أن يفقد مستواه.

قدم السينما السياسية.

والاجتماعية.

والتاريخية.

والرومانسية.

والدراما النفسية.

والكوميديا الخفيفة أحيانًا.

وفي كل مرة، كان يبدو وكأنه ينتمي إلى هذا النوع منذ البداية.

لم يكن أسير قالب واحد.

ولم يسمح للنجاح أن يحبسه داخل شخصية واحدة.

ولهذا، كان النقاد يعتبرونه من أكثر ممثلي جيله مرونة.

لكن المرونة وحدها لم تكن كافية.

السبب الأهم، في نظر كثيرين، كان ثقافته.

فنور الشريف لم يكن ممثلًا يقرأ دوره فقط.

كان يقرأ الرواية إذا كان الفيلم مأخوذًا عن رواية.

ويقرأ عن الفترة التاريخية إذا كان العمل تاريخيًا.

ويقرأ في علم النفس إذا كانت الشخصية معقدة.

وكان يعود أحيانًا إلى أكثر من مرجع قبل أن يبدأ التصوير.

وهذا ما جعل أداءه مليئًا بالتفاصيل.

فلم تكن الشخصية عنده تبدأ مع أول مشهد، بل كانت تمتلك تاريخًا كاملًا، حتى لو لم يظهر على الشاشة.

وكان المخرجون يشعرون بذلك.

فكثيرًا ما كانوا يتركون له مساحة في البروفات، لأنه يأتي وقد كوّن عالمًا كاملًا للشخصية.

ولم يكن هذا اجتهادًا فرديًا فقط.

بل كان جزءًا من إيمانه بأن الممثل شريك في صناعة العمل، لا مجرد منفذ لما كُتب.

ولهذا، كان يناقش المؤلف.

ويتحاور مع المخرج.

ويقترح.

ويحذف.

ويضيف.

لكن دون أن يفرض نفسه.

كان يناقش بالفكرة، لا بالنجومية.

ومن الأشياء التي جعلت النقاد يضعونه في مكانة خاصة، اختياراته.

فالموهبة وحدها لا تكفي.

هناك ممثلون كبار أضاعوا جزءًا من تاريخهم بسبب اختيارات ضعيفة.

أما نور الشريف، فكان شديد القسوة على نفسه.

رفض عشرات السيناريوهات.

واعتذر عن أعمال كان يمكن أن تحقق نجاحًا جماهيريًا، لأنه لم ير فيها إضافة حقيقية.

وكان يقول إن الفنان لا يختار الفيلم الذي سينجح اليوم، بل الفيلم الذي سيعيش غدًا.

وبالفعل، عندما ننظر اليوم إلى أهم أفلام السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، نجد اسمه حاضرًا في عدد كبير منها.

ليس بالصدفة.

ولا بالمجاملة.

بل لأنه كان يعرف كيف يختار.

ومن الملاحظات التي كررها النقاد أيضًا، أنه لم يكن يخاف من الوقوف أمام ممثلين كبار.

شارك البطولة مع محمود مرسي، ويحيى شاهين، وفريد شوقي، وأحمد زكي، وعادل إمام، ومحمود عبد العزيز، وغيرهم.

ولم يحاول يومًا أن يسرق الكاميرا.

كان يؤمن أن المشهد الجيد أهم من البطل.

وأن نجاح زميله داخل الفيلم، هو نجاح للعمل كله.

وهذه الروح أصبحت نادرة مع مرور الزمن.

كما رأى النقاد أن نور الشريف كان من آخر ممثلي “المدرسة الكلاسيكية الحديثة”.

فهو درس المسرح أكاديميًا، لكنه لم يقع في الأداء المسرحي المبالغ فيه.

واستفاد من الواقعية الجديدة، دون أن يفقد وضوح الأداء.

وجمع بين الانضباط الأكاديمي، والصدق الإنساني.

ولهذا، أصبح مدرسة قائمة بذاتها.

وربما أجمل ما قيل عنه، أن الجمهور أحبه لأنه كان نجمًا…

أما النقاد فأحبوه لأنه كان ممثلًا.

وقليلون هم الذين ينجحون في الجمع بين الأمرين.

فالنجومية قد تأتي بالحضور.

لكن احترام النقاد لا يأتي إلا بالاجتهاد، والثقافة، والاختيارات، والقدرة على التطور مع الزمن.

ولهذا، لم يعتبر النقاد نور الشريف واحدًا من أهم ممثلي جيله لأنه قدم عددًا كبيرًا من الأفلام، أو لأنه حصل على جوائز كثيرة، بل لأنه أثبت، على مدار خمسين عامًا، أن التمثيل ليس موهبة فقط، وإنما مشروع عمر.

وعندما يُعاد تقييم تاريخ السينما المصرية، يبقى اسم نور الشريف حاضرًا، ليس باعتباره نجمًا كبيرًا فحسب، بل باعتباره واحدًا من الفنانين الذين رفعوا سقف الأداء، وجعلوا احترام عقل المشاهد جزءًا أساسيًا من معنى أن تكون ممثلًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى