مقالات وآراء

د. محمد عماد صابر يكتب: آليات حماية الشورى من احتكار القرار

في كل أزمة تنظيميّة تعصف بالكيانات الإصلاحية الكبرى، يُعاد فتح ملف “الشورى” كمطالبة ملحة تطالب بها القواعد، وتتغنى بها القيادات. غير أن الوقوف المنصف أمام الواقع يخبرنا أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الشعار أو شكليات المجالس، بل في “طبيعة الشورى ووظيفتها” داخل البناء الإداري: هل هي “شورى استئناسية مُعْلِمة” يملكها الشيوخ والقيادة ويُسقطونها متى شاؤوا، أم هي “شورى مؤسسية ملزمة” تحكم القرار وتخضع لها الرؤوس؟

إن العجز عن تحويل الشورى من “حالة وعظية وأدبية” إلى “منظومة إجرائية وقانونية محوكمة” هو الثقبة التي تسربت منها الفردية في اتخاذ القرار، وأدت إلى انسداد القنوات الشورية، ولجوء الأفراد إلى الفضاءات الرقمية بحثاً عن صوت ومراجعة.

أولاً: خديعة “الشورى المُعْلِمة” وتكريس الفردية

لقد وقعت كثير من الحركات في فخ أصولي وفكري حين اعتمدت القول بأن الشورى “معلمة وليست ملزمة” في المحاضن البشرية. هذا الفهم أدى إلى اختزال المؤسسة في الشخص، وتحويل مجالس الشورى إلى “مؤسسات تصديق على القرار بدل أن تكون شريكة في صناعته”، تُستدعى لتأييد قرارات مسبقة، مما غيّب المحاسبة، وأورث الشباب والكفاءات شعوراً بالإحباط والانفضاض عن البناء.

إن الشريعة التي حذرت من الاستبداد جعلت الشورى صفة لازمة للمؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]. والتأمل في السيرة النبوية يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم – وهو المؤيد بالوحي – نزل على رأي الأغلبية “الرأي الذي استقر عليه مجلس المشاورة” في مواقف حاسمة، كما حدث في غزوة أحد حين أخذ برأي الشباب وعامة الصحابة بالخروج، رغم أن رأيه الشريف كان البقاء في المدينة. لقد أرسى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الموقف سنة استقرار المؤسسية، وعلم الأمة أن التزام المجموع وتربية القواعد على تحمل مسؤولية القرار الشوري أعظم مقصداً من الانفراد بالرأي حتى لو كان صائباً.

ثانياً: التمييز المنهجي بين “الشورى” و”المشاورة” و”القرار القيادي”

من أهم دواعي النقد التي تُوجه لخطاب الإصلاح، التخوف من أن تؤدي “إلزامية الشورى” إلى تعطيل حركة القائد وإصابة المؤسسة بـ”الشلل الإداري”. ولرفع هذا اللبس وتأسيس الفقه الإداري الراشد، يجب التمييز الصارم بين ثلاثة مستويات للقرار:

الشورى المؤسسية الملزمة (سلطة المجلس): هي اختصاص أصيل لمجلس الشورى المنتَخب؛ وتنحصر في القرارات الاستراتيجية والمصيرية (كالتحالفات، قرارات الحرب والسلم، إقرار الميزانيات الكبرى، تعديل اللوائح، وانتخاب وعزل القيادة). وتكون قرارات الأغلبية فيها ملزمة للقيادة التنفيذية بلا استثناء.

المشاورة الاستئناسية (حق القائد الفني): هي مساحة يستشير فيها القائد والمسؤول أهل الخبرة والتخصص في ملفات تخصصية طارئة (أمنية، اقتصادية، إعلامية). ولا تُعرض على مجالس عامة، وله فيها أخذ الرأي أو تركه بحسب مرجحات التخصص، كما شاور النبي صلى الله عليه وسلم الحباب بن المنذر في موقع بدر وأخذ برأيه الفني الميداني.

القرار التنفيذي المباشر (صلاحية القيادة): هي الصلاحيات الممنوحة لائحيّاً للمسؤول لإدارة اليومي وإدارة الأزمات العاجلة بحرية وسرعة، دون حاجة لانتظار انعقاد مجالس الشورى، طالما أنه يتحرك تحت سقف الخطة الاستراتيجية المعتمدة شوريّاً.

ثالثاً: خطورة “اللوبيات التنظيمية” واختطاف المجلس الشوري

غير أن الواقع يكشف أزمة أعمق تتجاوز اللوائح؛ فمع مرور الوقت وتجذر القيادات في مناصبهم، ينشأ ما يُعرف بـ”قانون التكتلات الصلبة” (أو اللوبيات التنظيمية)؛ حيث تشكل طبقة “أمناء الهيكل” شبكات نفوذ غير معلنة تستغل الرصيد العاطفي، والشرعية التاريخية، والتحكم في منافذ المعلومات، لتوجيه خيارات الأعضاء وهندسة الانتخابات الشورية سلفاً عبر إيحاءات تنظيمية مغلقة.

حينها تتحول “الشورى” من أداة تقويم إلى “ختم مطاطي” يُشرعن رغبات الدوائر الضيقة تحت مظلة الأغلبية الموجهة! ولذلك فإن الشورى الملزمة لا تكتمل إلا بفك هذه التكتلات وتعرية أدوات هيمنتها.

رابعاً: منظومة الآليات العملية لحوكمة القرار الشوري

لكي تتحول الشورى إلى حائط صد حقيقي يمنع الاستبداد والفردية دون أن يُعطل فاعلية الإدارة، نحتاج إلى ثماني آليات إجرائية صارمة تُدمج في اللوائح الأساسية لتكتمل الدورة الحوكمية:

1- النص الصريح على “إلزامية قرارات الشورى الاستراتيجية”:
تحديد القضايا المصيرية باعتبارها سلطة حصرية لمجلس الشورى بأغلبية حاسمة، لا يحق لأي قيادة الالتفاف عليها.

2- الفصل التام بين “السلطة الشورية” و”السلطة التنفيذية”:
منع الجمع بين رئاسة مجلس الشورى وإدارة المكتب التنفيذي؛ ليكون المجلس سلطة رقابية وتشريعية حرة ومستقلة تحاسِب السلطة التنفيذية ولا تخضع لها إداريًا أو رقابيًا.

3- استقلال المعلومات والتقديرات (كسر التضليل المعرفي):
لا قيمة لشورى تُبنى على تقارير موجهة؛ لذا يُنص على حق المجلس في الاستعانة بلجان خبراء وتقارير مستقلة، مع إلزام الجهاز التنفيذي بإتاحة كافة الوثائق والمعطيات المالية والسياسية دون حجب.

4- استقلال الهيئة الانتخابية والترشيحات:
منع المكتب التنفيذي و”أمناء الهيكل” من التحكم في الترشيحات، وتشكيل “لجنة انتخابات شورية مستقلة” تُشرف على نزاهة الاقتراع والترشح وفق معايير شفافة للجميع.

5- سلطة المساءلة وحجب الثقة والعزل:
امتلاك المجلس حق استدعاء أي قيادة تنفيذية للمساءلة عن التقصير الإداري أو الانحراف السياسي، مع إقرار آلية لائحة صريحة لـ”حجب الثقة وعزل المسؤول” إذا ثبت خلله.

6- التصويت السري وسحب سلطة التزكية:
كسر الحرج النفسي والهيبة التاريخية عبر إقرار “التصويت السري المغلق” في القرارات والانتخابات المصيرية، لمنع ضغوط الشيوخ وتوجيه القواعد.

7- تزمين العضوية الشورية وتداولها:
وضع سقف زمني لعضوية مجلس الشورى نفسه (دورات محددة)؛ لمنع تشكل شبكات نفوذ أبدية داخل المجلس، وضمان ضخ دماء جديدة تعبر عن تطلعات القواعد.

8- حق الأقلية في نشر “تقرير الرأي المخالف”:
إذا اختلفت نسبة معتبرة من مجلس الشورى (مثلاً 30% فأكثر) في قرار مصيري، يُلزم النظام بنشر “وثيقة الرأي المخالف” للقواعد؛ لضمان الشفافية ومنع احتكار الرواية الرسمية.

ختاماً..

إن الشورى ليست مجرد خلق فضيل في التعامل أو مجاملة أدبية، بل هي نظام حوكمة وتوازن صلب بين سلطة المجموع ومرونة القيادة. ولن تستعيد الكيانات الكبرى عافيتها، ولن تعود الثقة بين القواعد والقيادة، إلا حين يشعر الجميع أن الفكرة أكبر من الأشخاص، وأن الكيان يُدار بعقل المجموع لا برغبات مراكز النفوذ.

إن الانتقال من “الشورى الشكليّة” إلى “الشورى المؤسسية المحوكمة” هو الخطوة الأولى والأساسية لرأب الصدع، وبناء المستقبل، واستعادة ثقة الأمة في مشاريع الإصلاح.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى