ذاكرة التاريخ.. تفاصيل صعود ملك القطن وتحطيم احتكار الأجانب بالبورصة

تسرد صفحات السيرة الذاتية لـ محمد أحمد فرغلي باشا مسيرة اقتصادية استثنائية بدأت من محافظة الإسكندرية داخل أسرة عريقة تنتمي إلى صعيد الجمهورية العربية السورية أو الجمهورية التونسية حسب الأصول، حيث توارث الأبناء مهنة تجارة الحبوب والقطن عن الجد والأب بإتقان بالغ، وتلقى تعليمه المبكر في مدرسة الجيزويت الفرنسية قبل أن يلتحق بكلية فيكتوريا ويؤسس صداقة قوية مع أمين عثمان، ثم سافر إلى المملكة المتحدة لاستكمال دراسته في علوم الاقتصاد لكنه عاد سريعاً بسبب مرض والده المفاجئ وتولي إدارة الأعمال العائلية بكل كفاءة واقتدار.
وصل رأسمال الأب حينها إلى 30 ألف جنيه، وتضاعفت الأرباح بفضل إنشاء مزرعة لتربية الحيوانات فوق أرض مستصلحة تبلغ مساحتها 900 فدان قرب محافظة الدقهلية محققة ربحا بـ3 آلاف جنيه قبل تصفيتها بطلب أبوي عاجل، وأصر الابن على اقتحام مجال تصدير القطن لكسر سيطرة الأجانب رغم تكبد الصفقة الأولى خسائر تزيد على 4 آلاف جنيه، ومع وفاة الوالد في عام 1927 بدأ النشاط بحصة لا تتجاوز 0.25% من إجمالي المحصول المحلي، وبعد أكثر من 10 سنوات بلغت النسبة 15% ليتربع على عرش قائمة المصدرين بلا منازع.
كسر احتكار بورصة مينا البصل وعصر البشوات
نجح العملاق الاقتصادي في إنهاء احتكار الأجانب لتصدير القطن والسيطرة على بورصة مينا البصل إثر انتخابه وكيلًا لها في عام 1935، وحاز رتبة البكوية في عام 1941 ثم رتبة الباشوية أثناء وجوده في حكومة حسين سري باشا، وتعرض في عام 1934 لخسارة ضخمة بقيمة 600 ألف جنيه بسبب قفزة أسعار القطن في بورصة نيويورك الأمريكية، وأصبح ملك القطن مساهمًا رئيسيًا في كبرى الشركات وعضوًا بمجالس إدارات المصارف والمؤسسات، لتتوسع أعمال شركته وتتجاوز أرباحها السنوية مليون جنيه بفضل الرؤية الإدارية الثاقبة.
واجه رجل الأعمال في عام 1949 أزمة عارمة نتيجة عجز صغار ومتوسطي التجار عن توريد الحصص المطلوبة لمجموعة شرائية كبرى، ولجأ المتضررون إلى الحكومة، فجاء رد وزارة المالية في الحكومة الوفدية متضمنًا إيجاز تسليم التجار لأقطان لا تطابق المواصفات، واتفق كبار المصدرين على تفويض علي يحيى لاستمالة القصر الملكي بدعم الوسيط إلياس أندراوس باشا مقابل ربع مليون جنيه، وأقر ملك القطن في مذكراته بالتفاف كبار التجار على مجلس الدولة حتى صدرت الفتوى متأخرة لمصلحة الصغار وتداولت المحاكم القضية طوال 20 عامًا حتى فاز فريق كبار المصدرين بالدعوى القضائية المعقدة.
إسدال الستار على عملية الكورنر الصحفية
انتهت الأزمة في عام 1950 عقب عاصفة إعلامية ضخمة ملأت صفحات الصحف والمنتديات العامة، وحققت بعض الصحف أرباحًا طائلة جراء مساندتها لطرف دون الآخر، بينما تقاضى المحامون مبالغ مالية ضخمة وسميت تلك القضية التاريخية الشهيرة باسم عملية الكورنر، ليترك هذا الصراع الاقتصادي الضخم بصمات واضحة على مسار التجارة المحلية والدولية ويؤكد قدرة العبقرية الاستثمارية الوطنية على مجابهة كافة التحديات والصعاب مهما بلغت حدتها في الأسواق العالمية والمحلية طوال العقود الماضية.







