فؤاد باشا سراج الدين.. أيقونة الملحمة التي أخرجها أبطال الشرطة في الإسماعيلية

محمد فؤاد باشا سراج الدين، سياسي ورجل دولة مصري وزير الداخلية الاسبق ومؤسس حزب الوفد الجديد ، حصد العديد من الألقاب، و هو الباشا الوحيد الذى مارس السياسية في زمن العولمة من خلال رئاسته لحزب الوفد.
يمتلك فؤاد باشا سراج الدين تاريخًا طويلاً من النضال، حيث رافق في طفولته زعيم الوفد مصطفى باشا النحاس، وشارك معه في تمزيق معاهدة 1936 في الإسكندرية، عندما أعلن النحاس باشا أنها دون طموحات الشعب المصري ، في تحقيق جلاء الاستعمار البريطاني.
في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، خاض سراج الدين معارك سياسية طاحنة ضد قوات الاحتلال البريطاني والقصر الملكي، مما جعله يتبوأ مكانة كبيرة في قلوب المصريين، فقد كان أصغر نائب في مجلس النواب عن محافظة كفر الشيخ القريبة من القاهرة، حيث موطن عائلته في منطقة «كفر الجرايدة»، وكان عضواً في مجلس النواب منذ عام 1936 الى 1942 ثم مجلس الشيوخ في 1946، وكان زعيماً للأغلبية الوفدية بمجلس الشيوخ قبل ثورة يوليو 1952 ، أيضًا من أهم معاركه ضد الاحتلال تصدي قوات الشرطة للمحتل البريطاني في معركة الإسماعيلية.
صدرت ضده أحكام بالسجن عقب الثورة لمدة 15 عاماً أمضى منها 3 سنوات، ثم بعد ذلك وضعه مجلس قيادة الثورة تحت الحراسة.
25 يناير عيد الشرطة المصرية
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نغفل الدور الكبير الذى لعبه الزعيم الراحل محمد فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية آنذاك عام 1952، في تصدي قوات الشرطة للمحتل البريطاني في رفضهم تسليم مديرية الاسماعيلية، وفقد على إثرها ما يقرب من 80 شهيد و 120 مصابًا، إلى أن نفدت ذخيرتهم وخرج الجنود بعد انتهاء معركتهم مع الإنجليز ليؤدي جنود الاحتلال التحية العسكرية لما تبقى من القوات المصرية في نهاية المعركة.
وكانت منطقة القناة تحت سيطرة القوات البريطانية ، وفقًا لما أقرته إتفاقية 1936، و كان بمقتضاها أن تنسحب قوات بريطانيا إلى القناة و ألا يكون لها أي تمثيل داخل القطر المصري غير منطقة القناة ” الاسماعيلية – السويس – بورسعيد”، وكان الفدائيون فى هذا التوقيت يعملون بدون تنسيق بينهم، حتى قام الزعيم خالد الذكر فؤاد سراج الدين وزير الداخلية حينئذ بدور بالغ الأهمية وهو توحيد صفوف الفدائيين والتنسيق فيما بينهم، وتم تكبيد القوات البريطانية خسائر كبيرة بعد التنسيق بين الفدائيين الذى قام به سراج الدين.
أصدر قائد قوات الإنجليز في الإسماعيلية “اكس هام” حينها أوامره التي وجهها إلى أعلى رتبة في “البوليس المصري، الملازم أول مصطفى فهمي بأن يخرج كافة أفراد الشرطة المصرية من مدن القناة وأن يتركوها قبل فجر يوم 25/1/1952.
وعندما ذهب بعد ذلك أفراد البوليس المصري إلى مقر عملهم في مبنى المحافظة وجدوا قوات الاحتلال تطالبهم بإخلاء المبنى خلال 5 دقائق، وترك أسلحتهم داخل المبنى، وهددوهم بمهاجمة مبنى المحافظة إذا لم يستجيبوا للأوامر.
وما كان من الملازم أول مصطفى فهمي سوى الرد بعزة وكرامة: “إذا أنت لم تأخذ قواتك من حول المبنى سأبدأ أنا الضرب لأن تلك أرضي وأنت الذي يجب أن ترحل منها ليس أنا”، وتركه ودخل إلى مبنى المحافظة وتحدث إلى جنوده وإلى الظابط الملازم أول عبد المسيح- القائد الثاني بالبوليس- وقال لهم ما دار بينه وبين”اكس هام”، فما كان منهم إلا أن رفضوا الاستسلام وقالوا: “سندافع عن هذا المبنى لآخر جندي فينا”، مع علمهم بعدم التكافؤ بينهم وبين قوات الاحتلال الذين يحاصرون المبنى بالدبابات وأسلحه أكثر تقدما من بنادق ورشاشات وقنابل في مقابل بنادقهم القديمة.
وفي تلك الأثناء نادى عامل “سويتش التليفون” على الملازم أول مصطفى فهمي ليتحدث إلى التليفون وكان يوجد على خط التليفون وزير داخلية مصر آنذاك فؤادباشا سراج الدين، وتحدث إليه فؤاد باشا وقال إن معلومات وصلته تفيد بأن القوات البريطانية تحاصر مبنى المحافظة فماذا انتم فاعلون، فرد عليه الملازم أول بنبرة فدائيه بأنه هو وجنوده لن يستسلموا مهما كانت العواقب وحتى آخر جندي فيهم، فما كان من فؤاد باشا سراج الدين إلى أن يقول له “الله معكم وينصركم”.
وعقب انتهاء المكالمة خروج الملازم أول مصطفى فهمى من غرفه التليفون فإذا بقذيفة دبابة تدمر تلك الغرفة واستشهد على الفور عامل التليفون لتكون هي بداية المعركة والاشتباكات التي أسفرت عن إصابة العديد من أفراد البوليس واستشهاد آخرين.
وخرج الملازم أول مصطفى فهمى إلى “اكس هام” وتوقفت الاشتباكات وظن الإنجليز إن الجنود سيستسلمون ولكن فوجئ”اكس هام” بأن قائد البوليس المصري يطلب منه إحضار الإسعاف لإنقاذ المصابين وإخلائهم، الطلب الذي قابله “اكس هام” بالرفض واشترط الاستسلام أولاً، إلا أن القائد المصري هو الذي رفض الفكرة هذه المرة، وعاد إلى جنوده وظلت الاشتباكات متقدة وكثر المصابين بالإصابات البالغة والشهداء.
وفي ظل تلك الاشتباكات تسلل أهل الإسماعيلية إلى مبنى المحافظة لتوفير الغذاء والذخيرة والمسدسات رغم حصار الدبابات الانجليزية للمبنى واستشهد وأصيب منهم العديد.
وعند قرب انتهاء الذخيرة ورفض قوات البوليس الاستسلام قرروا أن يقرأوا الفاتحة و”الشهادتيين” و يرددونها استعدادا للاستشهاد الذي لا مفر منه، إلا أنه في لحظة قرر الملازم أول مصطفى فهمي قتل “اكس هام” للتخلص من الحصار، و خرج ليفاجأ برتبه من الجيش الإنجليزي غير “اكس هام” يقدم له التحية العسكرية، فبادله “فهمي” التحية وتبين أن تلك الرتبة هو “الجنرال ماتيوس” قائد القوات البريطانية في منطقه القناه بالكامل.
وتحدث الجنرال ماتيوس إلى القائد المصري، و حياه على قتالهم البطولي للحفاظ على مبنى المحافظة رغم إمكانياتهم القتالية المتواضعة، و دعاه للاستسلام بشرف مثلما دافعوا عن مكانهم بشرف، فوافق الملازم أول مصطفى فهمي على ذلك مع الموافقة على شروطه وهي أن ينقل المصابين لإسعافهم فورا، وأن يخرج الجنود بشكل عسكري يليق بهم لا أن يرفعوا أيديهم على رؤوسهم، مع تركهم الأسلحة داخل المبنى، فوافق الجنرال ماتيوس، وخرجت قوات البوليس بشكل يليق بهم في طابور منظم.
وفقدت مصر واستشهد من أفراد البوليس المصري في ذلك اليوم ما لايقل عن 80 جندياً، وأصيب أكثر من 120 جندياً قاتلوا ببسالة ووقفوا أمام المحتل الأجنبى رافضين الاستسلام مهما كلفهم ذلك من تكلفه ، بمساندة قوية من شعب الاسماعيلية.
وبعد قيام ثورة 23 يوليو قرر الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بعد توليه حقيبة وزارة الداخلية ، تخليد ذكرى موقعة الإسماعيلية في 25 يناير 1952 وجعله عيدًا للشرطة المصرية.
توفي في 9 اغسطس عام 2000 . رحمه الله عليه واسكنه فسيح جناته .







