
شاهدت فيديو، ولا أعرف حقيقةً فيما إذا كان ذكاءً اصطناعيًا أم حقيقةً، يتحدث به أحدهم وسط شارع تجاري، اعتقدت في الوهلة الأولى بأنه الشانزليزيه، تبدو فيه الفتيات بأبهى جمال وبأحلى ما لديهن من زي عصري، ودون غطاء للرأس، في منظر يختلف كليًا عن منظر ذات الشارع وذات النساء فيما قبل الثامن من فبراير الماضي، الذي كانت النساء به يُعتقلن ويُسقن للمعتقلات والسجون، والضرب في أحسن الأحوال لدرجة الموت، مثلما حدث مع مهسا أميني، فيما إذا شاهدهن عناصر الحرس الثوري في الأسواق أو الطرقات وحتى في الحافلات دون غطاء الرأس.
هذا التحول الذي شاهدته، إن كان صحيحًا، يشي بأن النظام الإيراني استوعب حقيقة أن كبت المجتمع تحت حجة المحافظة على القيم التي يعتقد بأنها هي القيم الصحيحة التي يجب أن تسود، وعلى المجتمع الخضوع لها، ثبت له بأنها ليست القيم التي يجب أن تُتبع، واستوعب ذلك النظام، على ما يبدو، بعد تجارب قاربت نصف قرن، ناهيكم عن تاريخ طويل عريض يتم تكراره مرارًا دون أن تحقق نتيجة تُذكر.
أجزم بأن المجتمع الفارسي العظيم، ذا الحضارة الفارسية العظيمة، قد أدرك أن النظام الثيوقراطي الذي يقوده الملالي يسير بالاتجاه الخطأ، وكلَّفه ذلك الكثير من الأموال والأرواح، وبدأ النظام يتراجع عنه، ولا أعرف إن كان ذلك التراجع تكتيكيًا لامتصاص الغضب الشعبي نتيجة لسياساته التدميرية، أم أنه أدرك فداحة السير بذلك الاتجاه المخالف للفطرة البشرية التوَّاقة للتقدم، لا للتقهقر للوراء، والسيطرة على البشر من خلال السيطرة على مظاهرهم، كما حدث للمجتمع الفارسي الذي كان في مقدمة الشعوب المحيطة به إلى أن أصبح في المؤخرة منه.
إدراك النظام الثيوقراطي لهذه الحقيقة يعطيه الأفضلية العقلية والمنطقية للسبق الحضاري، هذا إذا كان يفكر بطريقة براغماتية لكي ينتشل ذاته من حقيقة لن تختلف عن حقيقة سقوط أي نظام في التاريخ الذي اعتمد على تسلُّطه وطغيانه على شعبه.
الحقيقةُ التي أعتقد، وفق ما شاهدته، إن كان ذلك صحيحًا وليس ذكاءً اصطناعيًا، أن النظام في طهران يبدو عليه أنه استوعب حقيقة أنه لا يملك الحقيقة المطلقة، وأن حرية شعبه هي الحقيقة التي يجب عليه أن يستوعبها إذا أراد أن يستمر في السلطة لخمسين عامًا قادمة، غير ذلك فسقوطه حتميٌّ لا محالة.
السؤال هنا: هل يستوعب ملالي طهران هذه الحقيقة؟ وهل يستوعبون بأن العنتريات نتيجتها خراب ودمار ودماء؟ هل يستوعبون بأن معاداة العالم لن يجر عليهم غير الخيبات؟ هل يستوعبون بأن حرية شعبهم هي أعظم سندٍ ودعمٍ لهم؟
هذا ما آمله…







