حرب إيران تضعف نفوذ مصر واقتصاد الأردن وسط تحولات دفاعية إقليمية جديدة

تبلورت تداعيات الصدام العسكري الأخير لتفرض واقعا أمنيا معقدا أعاد رسم ملامح الخريطة الإقليمية، وسط تراجع واضح في الأوراق الدبلوماسية والعسكرية التي تمتلكها كل من الحكومة الأردنية والإدارة في القاهرة. وتكشف المعطيات الميدانية عن هشاشة التحالفات التقليدية التي استندت إليها المملكتان لعقود طويلة، لا سيما مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية التي قادتها إيران ووكلائها في المنطقة، والتي طالت البنية التحتية والمقدرات الاقتصادية للبلدين بشكل مباشر، مما دفع المتابعين إلى رصد تراجع دور ركيزتي الاستقرار التاريخيتين في المشرق العربي وشمال إفريقيا على حد سواء.
تداعيات الصدام الإقليمي تضعف العمق الاستراتيجي للقاهرة وعمان وسط تقلبات حادة
تكبدت الأراضي الأردنية أثمانا باهظة نتيجة تموقعها في خط النار الأول بين واشنطن وطهران، حيث استقبلت الجغرافيا الأردنية مئات الصواريخ والطائرات المسيرة التي أطلقتها القوات الإيرانية استهدافاً للقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في صحراء الشرق. وجاءت هذه الضربات لتضاعف من حدة الضغوط الداخلية المتمثلة في الرفض الشعبي الواسع لوجود القوات الأجنبية، والذي تجسد في عرائض احتجاجية رفعتها شخصيات سياسية وعسكرية بارزة تطالب بالانسحاب الفوري. وفي المقابل، تقف القيادة السياسية مكبلة أمام هذه المطالب نظراً للاعتماد المالي الكبير على الحزمة الاقتصادية التي تقدمها واشنطن، والتي بلغت مبالغ طائلة تعادل نسبا مؤثرة من الناتج المحلي الإجمالي لدعم قطاعات البنية التحتية والتعليم.
تزامنت هذه التوترات الأمنية مع ضربات قاسية تلقتها المنظومة الاقتصادية في الأردن، تركزت حول تراجع حاد في إيرادات قطاع السياحة نتيجة تعطل حركة الطيران وعزوف الزوار بنسب تجاوزت عشرة بالمئة مقارنة بالعام السابق. ولم تتوقف الأزمات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل قطاع الطاقة بعد إيقاف شحنات الغاز الطبيعي القادمة من تل أبيب فور اندلاع المعارك، مما أجبر شركات الكهرباء الرسمية على الاندفاع نحو استخدام بدائل باهظة التكلفة كالديزل والوقود الثقيل. ورغم محاولات احتواء الأزمة عبر استئناف التدفقات لاحقا، تشير تقديرات الصندوق الدولي إلى قفزة محتملة في فاتورة واردات الطاقة بنسب تتجاوز الثلث، فضلا عن المساعي الإيرانية المستمرة لإحداث شرخ بين الشارع الأردني وقراراته السيادية عبر رسائل الدعاية الموجهة.
شهدت الأوضاع الاقتصادية في الجانب الآخر استقرارا ظاهريا تمثل في معدلات نمو متوقعة بلغت أربعة وستة من عشره بالمئة، وتدفقات مالية مرتبطة بشركات الإقراض الدولية، إضافة إلى صمود نسبي في قطاعات السياحة وقناة السويس والتحويلات الخارجية. ومع ذلك، تخفي هذه المؤشرات الإيجابية خلفها هشاشة واضحة أمام الهزات الخارجية، خصوصا مع تراجع عوائد الملاحة البحرية بفعل العمليات العسكرية المناهضة للسفن في البحر الأحمر، والتهديد المحتمل لتحويلات العاملين في الخليج نتيجة أي تباطؤ اقتصادي محتمل في تلك المنطقة الحيوية.
فقدت القيادة السياسية في القاهرة الكثير من رصيدها الدبلوماسي الذي راكمته خلال محطات التفاوض السابقة في شرم الشيخ وعلاقاتها مع الفصائل الفلسطينية، لتتراجع مكانتها كوسيط رئيسي في الأزمة الإيرانية لصالح قوى إقليمية أخرى كأنقرة وإسلام آباد ودول الخليج. وواجهت الإدارة المصرية انتقادات علنية من مسؤولين خليجيين بسبب الغياب العسكري عن مسرح العمليات رغم الدعم المالي الهائل الذي تلقته الخزينة المصرية منذ عام 2013، في وقت تذرعت فيه الدوائر الرسمية بوجود تهديدات أخرى على الحدود المجاورة، وتأخر إعلان إرسال سرب مقاتلات رافال إلى الإمارات حتى انتهاء العمليات العسكرية، تزامنا مع إبرام اتفاقيات دفاعية ثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان بمعزل عن الدور المصري.







