مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: 10 أسئلة حائرة في جمهورية الغموض


في زمن مبارك، بطوله وعرضه، كان لدينا سؤال ساخر لا يموت: من سرق الونش العملاق الخاص بمترو الأنفاق من ميدان التحرير؟ لم يكن عاقل يتصور أن الدولة سرقت الونش. لكن الناس لم تكن تسأل عن السارق وحده. كانت تسأل عن الدولة التي لم تمنع، ولم تكشف، ولم تشرح.


هناك مسؤولية جنائية تقع على الفاعل. وهناك مسؤولية سياسية وتقصيرية تقع على الدولة. الدولة لا ترتكب كل جريمة، لكنها مسؤولة عن منع ما تستطيع منعه، وعن كشف ما يقع، وعن احترام حق الناس في معرفة الحقيقة، خاصة حين لا تكون الحقيقة غائبة عن أجهزة الدولة ولا عن جهات التحقيق.
اليوم، في الجمهورية الجديدة، لم يعد لدينا سؤال واحد عن ونش اختفى. لدينا عشرة أسئلة، وربما أكثر. أسئلة لا يجيب عنها أحد، ولا يعتذر أحد عن عدم الإجابة. كأن الصمت صار بيانا رسميا غير مكتوب.


السؤال الأول: عن طائرة الذهب في زامبيا. طائرة خرجت من القاهرة إلى لوساكا. قيل إن على متنها ملايين الدولارات، ومسدسات، وذخائر، وسبائك. قالت مصادر مصرية إن الطائرة ليست مصرية التسجيل. حسنا. لكن السؤال الأبسط لم يجب عنه أحد بما يكفي. من هم ركابها من المصريين؟ وما مصيرهم الآن؟ وكيف خرجت من مطار مصري؟ من فتشها؟ ومن كان يعلم؟ ولماذا لم يصدر بيان مصري كامل يغلق الباب بدلا من أن يتركه مواربا وغامضا؟

السؤال الثاني: عن مسيرة دمياط. قالت الحكومة لاحقا إن حريق سفينتي الغاز في ميناء دمياط سببه هجوم بطائرة مسيرة. قبل ذلك كانت الرواية أقرب إلى حريق غامض. هنا لا نحتاج إلى تهويل. نحتاج إلى تفسير. من أين جاءت المسيرة؟ من أطلقها؟ كيف وصلت إلى ميناء مصري حساس؟ وهل دخلت مصر، ولو بغير إعلان، إلى خريطة حرب الموانئ والطاقة؟


السؤال الثالث: عن السفينة المصرية في باب المندب. الهجوم على سفينة الشحن تيهامة، المملوكة مصريا، أسفر عن قتلى من أفراد الطاقم ورجال إنقاذ بحسب تقارير دولية. المصادر المتاحة تحدثت عن باكستانيين وإندونيسي لا عن مصريين بين القتلى. لكن السؤال المصري باق. ما مسؤولية الدولة تجاه سفينة مصرية الملكية في ممر مشتعل؟ ومن يحمي المصريين ومصالحهم حين يصبح البحر نفسه حقل ألغام؟


السؤال الرابع: عن هرمز وباب المندب معا. منذ مارس 2026 تتوالى الأخبار عن ضرب سفن، وتعطيل ممرات، وتراجع حركة الملاحة في الخليج والبحر الأحمر. مصر ليست جزيرة بعيدة. قناة السويس تتأثر. أسعار الطاقة تتأثر. أمن التجارة يتأثر. فأين التقرير المصري العلني عن انعكاس هذه الحرب البحرية على أمننا القومي؟ وأين خطة حماية السفن والموانئ والعاملين؟


السؤال الخامس: عن مقتل السياح المكسيكيين في الصحراء الغربية عام 2015. سياح مكسيكيون قتلوا مع مصريين، بعد أن تعاملت قوات مصرية معهم خطأ باعتبارهم عناصر إرهابية، وفقا للرواية الرسمية وقتها. من حوسب؟ من أمر؟ من قدر؟ من أخطأ في المعلومات؟ وهل تكفي كلمة خطأ حين تكون النتيجة دماء وسياحة وسمعة دولة؟


السؤال السادس: عن جوليو ريجيني. باحث إيطالي اختفى في القاهرة عام 2016، ثم عثر على جثمانه وعليه آثار تعذيب. في إيطاليا استمرت المحاكمة الغيابية لمسؤولين أمنيين مصريين. وفي مصر بقي الإنكار المرتبك، وبقيت الأسئلة أكبر من البيانات. فمن خطف؟ من عذب؟ من قتل؟ ومن عطل الوصول إلى حقيقة تقنع العدالة قبل أن تقنع الدبلوماسية؟ والأخطر من السؤال عن ريجيني، الشاب الإيطالي، هو السؤال عن الخمسة الذين قتلوا في ميكروباص، وقيل إنهم هم الذين خطفوا ريجيني، بينما تبين لاحقا أنه لا علاقة لهم بالأمر.


السؤال السابع: عن سد النهضة. سنوات طويلة من التفاوض. بيانات كثيرة. خطوط حمراء كثيرة. ثم أمر واقع يكبر على النيل. من راجع إدارة هذا الملف؟ من قيم كلفة الوقت الضائع؟ من حاسب على كل جولة انتهت ببيان مطمئن، ثم عادت الأزمة أكبر؟ لا يكفي أن نقول إن إثيوبيا تعنتت. هذا صحيح. لكن السؤال هو: هل أحسنا إدارة ما نستطيع نحن إدارته؟
السؤال الثامن: عن تيران وصنافير. بعيدا عن الجدل القانوني الذي سالت فيه أحكام ومرافعات وسياسة، بقي السؤال الأهم: هل تم بالفعل تسليم تيران وصنافير إلى الجانب السعودي، أم أنهما ما زالتا تحت سيطرة مصر؟ هذا الغموض غير مبرر، ولا مفهوم.


السؤال التاسع: عن محطة رمسيس. في فبراير 2019 اصطدم جرار بحاجز في محطة مصر، واشتعلت النار، وسقط قتلى وجرحى. الحادث لم يكن مجرد خلل فني. كان صورة مكثفة لعلاقة الإهمال بالموت. جرى الحديث عن مسؤوليات مباشرة. لكن السؤال الأعمق بقي: هل تغيرت منظومة السكك الحديدية؟ وهل حوسب الإهمال الإداري قبل العامل الصغير؟.


السؤال العاشر: عن رابعة العدوية. ونحن على أبواب ذكرى جديدة، يظل السؤال أكبر من الخصومة السياسية. مئات القتلى من المصريين، بل تشير منظمات حقوقية إلى أكثر من 900 قتيل في فض رابعة والنهضة. من حق المجتمع أن يعرف: هل جرى تحقيق مستقل في تقدير الخسائر البشرية؟ هل سئل أصحاب القرار عن التناسب؟ هل حوسب من أخطأ في التقدير؟ أم أن الدم، حين يدخل في السياسة، يفقد حقه وحرمته؟


لو كان الأمر بيدي، لجعلت لكل واقعة كبرى تقريرا موضوعيا محايدا معلنا. يقول ما حدث. وما لم يحدث. وما تم التحقيق فيه. وما لا يمكن إعلانه مؤقتا ولماذا. فحتى الحجب في الدولة المحترمة يجب أن يكون مؤقتا ومسببا، لا ظلاما مفتوحا.


مصر لا ينقصها من يعرف. ينقصها من يشرح. لا ينقصها من يجمع المعلومات. ينقصها من يحترم حق الناس في المعلومة. وما بين الونش القديم، وطائرة الذهب، ومسيرة دمياط، وتيهامة، والمكسيكيين، وريجيني، وسد النهضة، وتيران، ورمسيس، ورابعة، تتراكم الأسئلة كغبار فوق مرآة الوطن.
أخطر ما في الأسئلة الحائرة أنها لا تموت. تسكن الذاكرة. وتنتظر لحظة عودة. وتقول للسلطة في كل مرة: ربما نجحت في تأجيل الإجابة، لكنك لم تنجح في إلغاء أصل الموضوع والمشكلة.
هذا رأيي… فهل تسمعني؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى