ذاكرة التاريخمصرملفات وتقارير

ذاكرة التاريخ: أسرار شارع السبع بنات وحكايات ميدان المنشية العتيق بالإسكندرية

تستعيد الذاكرة التاريخية تفاصيل شارع السبع بنات بمدينة الإسكندرية، ذلك الشريان الحيوي الذي يطل مباشرة على ميدان المنشية الشهير، والذي ارتبط في الأذهان بحكايات تعود إلى عام 1898 م، حيث وثقت صور نادرة ملامح هذا المكان حين كان مركزًا رئيسيًا لتجمع الجاليات اليونانية والإنجليزية العاملة في مجالات التجارة المتنوعة، لا سيما تجارة الأدوات الكهربائية، وتبرز أهمية شارع السبع بنات كونه جزءًا لا يتجزأ من النسيج العمراني الذي شهد تحولات اجتماعية واقتصادية بالغة الأهمية خلال تلك الحقبة التاريخية.

ذاكرة التاريخ.. صورة نادرة لشارع السبع بنات بمدينة الإسكندرية تعود لعام 1898م

تتضح الحقيقة التاريخية وراء تسمية شارع السبع بنات بوجود سبع راهبات كن يقمن في دير بالمنطقة، حيث اتخذن على عاتقهن مهمة إضاءة الطريق ليلًا لتوفير الأمان للسيدات، خاصة في ظل المخاطر التي كانت تلاحق المارة بسبب العمليات الإجرامية التي كانت تدار من منطقة اللبان المجاورة، والتي اشتهرت بكونها معقلًا للعصابات النسائية، مما جعل السير في هذا الطريق خطرًا حقيقيًا استدعى تلك البادرة الإنسانية، ومن هنا اكتسب الشارع والمستشفى القريب منه تسمية “الراهبات” والسبع بنات.

يعد ميدان المنشية الذي يتصل به الشارع أقدم وأكبر ميادين الإسكندرية، وقد عرف قديمًا بميدان القناصل، ويحتضن هذا الميدان تمثالًا برونزيًا لمحمد علي باشا يتوسط الحديقة الرئيسية، كما يضم الميدان مباني إدارية وقضائية بالغة الأهمية، ومن أبرزها مبنى محكمة الإسكندرية الابتدائية التي تأسست في العام 1886 م، وتعتبر هذه المنطقة قلبًا نابضًا للحياة السياسية والاقتصادية على مر العصور، حيث شهدت أحداثًا غيرت وجه التاريخ الوطني في فترات زمنية متفاوتة.

تتواصل الحكايات حول هذا الميدان التاريخي لتشمل قبر الجندي المجهول الذي يقع تحديدًا أمام شارع السبع بنات عقب تمثال محمد علي باشا، ولا يمكن الحديث عن هذا المكان دون استحضار حادثة المنشية الشهيرة التي وقعت في يوم 26 أكتوبر 1954 م، حين ألقى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خطابه التاريخي، بالإضافة إلى إعلانه من قلب هذا الميدان عن تأميم قناة السويس، لتظل هذه الساحة شاهدة على قرارات سياسية ومواقف وطنية فارقة في سجلات التاريخ المعاصر.

تستمر الإسكندرية في حماية إرثها من خلال الحفاظ على معالم مثل شارع السبع بنات وميدان المنشية، إذ تروي جدران المباني العتيقة قصصًا عن التنوع الثقافي الذي ميز المدينة، وتعتبر هذه الأماكن مقصدًا لكل باحث في سجلات الماضي، حيث تتقاطع حكايات الراهبات مع ذكريات الخطب السياسية الكبرى، وتستمر العصور في تبديل ملامح الحياة التجارية والاجتماعية في تلك المنطقة التي ظلت لسنوات طويلة عنوانًا للأناقة والنشاط التجاري المتميز في المدينة الساحلية.

تؤكد الوثائق التاريخية أن التطور العمراني لم يمحو أثر شارع السبع بنات، بل زاد من قيمته كمعلم أثري يحكي جانبا من تفاصيل الحياة اليومية للسكندريين، وتظل منطقة اللبان وشارع السبع بنات محطة هامة في فهم تركيبة المدينة، حيث تتداخل الحكايات الشعبية مع الأحداث السياسية الموثقة، مما يجعل من استعراض تاريخ هذا المكان فرصة لإعادة قراءة الحاضر في ضوء ماضٍ حافل بالتفاصيل والدروس التي لا تزال تتردد في أرجاء ميدان المنشية العريق.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى