
لم يعد ما يجري في مدينة الزاوية مجرد اشتباكات مسلحة تتوقف بهدنة ثم تعود بأسماء وتحالفات مختلفة. فخلال ثلاثة أيام، انتقل الخطر من الطرق والأحياء إلى منشآت حيوية تمس الوقود والمياه، بعدما استهدفت طائرات مسيّرة خزانًا للنافتا داخل المصفاة، ومحطة لتحلية المياه، ثم خزانًا للبنزين تابعًا لشركة البريقة.
كان الهجوم الأخير الأخطر؛ إذ تسبب في حريق شديد وانهيار الخزان رقم «402-T» بالكامل، وكان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من بنزين السيارات. وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة الطوارئ القصوى، فيما عملت فرق الإطفاء على تبريد الخزانات المجاورة ومنع امتداد النيران.
يجعل تقارب الهجمات وتشابه وسيلتها وموقعها فرضية وجود رابط بينها جديرة بالتحقيق. لكن المؤسسة الوطنية للنفط، رغم وصفها الوقائع بأنها «اعتداءات متكررة»، لم تؤكد أن جهة واحدة نفذتها. كما لم تكشف السلطات نوع المسيّرات أو مداها أو مساراتها أو نقاط إطلاقها.
المفارقة أن المجمع النفطي لا يفتقر إلى الحراسة. ففيه منتسبون لفرع المنطقة الغربية بجهاز حرس المنشآت النفطية، بينما تتولى شركتا الزاوية والبريقة إجراءات السلامة والحماية الداخلية. لكن مواجهة المسيّرات تتجاوز الحراسة التقليدية، وتحتاج إلى تنسيق مع الجهات العسكرية والأمنية وقدرات للرصد والإنذار المبكر.
ما لا نعرفه حتى الآن هو: مَن يقود منظومة الحماية؟ وكيف تتوزع المسؤولية بين حرس المنشآت ورئاسة الأركان والأجهزة الأمنية؟ ومَن كان مطالبًا برصد المسيّرات قبل وصولها إلى الخزانات؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا؛ لأن الخطر كان معروفًا. ففي مايو الماضي، توقفت المصفاة وأُخلي ميناء التصدير من الناقلات بعد اشتباكات وسقوط قذائف داخل المجمع. وكان ذلك إنذارًا واضحًا بهشاشة الموقع، لكن الهجمات الجديدة تكشف أن الحماية لم تتطور بما يواكب انتقال التهديد من القذائف والأسلحة التقليدية إلى المسيّرات.
وجاءت الاستهدافات عقب مواجهات الزاوية وصرمان وتحركات أمنية أعقبتها في الساحل الغربي. فقد أعلنت المنطقة العسكرية تجهيز قوة للتمركز في صرمان وتأمين المدينة والسجن، مع إخراج التشكيلات المسلحة منها، تنفيذًا لتعليمات رئيس الأركان العامة صلاح الدين النمروش.
في المقابل، لم تُعلن خطة مماثلة لحماية المجمع النفطي في الزاوية. ولا يثبت ذلك أن المسيّرات جاءت ردًا على تحركات النمروش، لكنه يضع الهجمات ضمن مرحلة تشهد محاولات لإعادة ترتيب المشهد الأمني بعد الاشتباكات.
وقد غذّى هذا التزامن روايات متداولة على منصات التواصل؛ إذ ربطت صفحة «الملازم علي» التصعيد بتحركات النمروش، بينما ركزت صفحة «تك يحرق كل شي» على نقل المشاهد الميدانية. لكن هذه الروايات، مهما اتسع انتشارها، لا تشكل دليلًا على هوية المنفذين أو دوافعهم.
ورغم مطالبة المجلس البلدي والمؤسسة الوطنية للنفط بتحقيق عاجل وضبط الجناة، لم يُعلن عن جهة تسلمت التحقيق، أو لجنة فنية فحصت الوقائع، أو نتائج لتحليل حطام المسيّرات. وهنا يصبح غياب المعلومة الرسمية جزءًا من الأزمة؛ لأنه يترك المجال مفتوحًا أمام الاتهامات والتفسيرات غير الموثقة.
ولم تعلن المؤسسة توقف التكرير أو التصدير، كما لم يثبت حدوث اضطراب في إمدادات الوقود. لذلك لا يمكن الحديث حاليًا عن أزمة تموين، لكن انهيار خزان بهذا الحجم واستمرار الهجمات يرفعان احتمال امتداد الأضرار إلى مرافق أكثر تأثيرًا في الإنتاج والتوزيع.
دعا رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة إلى التعامل بحزم مع الاعتداءات التي تهدد المنشآت الحيوية. غير أن الحزم لا يُقاس بعدد الاجتماعات وبيانات الإدانة، بل بتحديد مسؤولية الحماية، وفتح تحقيق معلن، ونشر ما يمكن من نتائجه، وبناء قدرة فعلية على رصد المسيّرات.
الزاوية لا ينقصها الحراس ولا المؤسسات ولا بيانات الطوارئ. ما ينقصها جهة تتقدم لتحمل مسؤولية الحماية، وتحقيق معلن يجيب عن ثلاثة أسئلة: كيف وقعت الهجمات؟ مَن نفذها؟ وكيف ستُمنع المسيّرة التالية؟







