نور الشريف والسلطة.. كيف كشف الوجه الآخر للقوة والنفوذ؟

منذ بداياته، لم يكن نور الشريف مفتونًا بصورة الحاكم، ولا منجذبًا إلى الشخصيات التي تمتلك السلطة لمجرد أنها قوية. وعلى العكس، كان يبدو أكثر اهتمامًا بما تفعله السلطة بالإنسان، وكيف يمكن أن تتحول من وسيلة لحماية المجتمع إلى أداة للهيمنة عليه، أو كيف يمكن أن يصبح النفوذ، عندما يغيب القانون، سببًا في ضياع العدالة. ولهذا، فإن المتابع لمسيرته سيكتشف أن السلطة كانت واحدة من أكثر القضايا حضورًا في أعماله، لكنها لم تُطرح أبدًا بصورة مباشرة أو خطابية، بل جاءت دائمًا من خلال الإنسان الذي يعيش تحت تأثيرها.
لم يكن نور الشريف فنانًا يهاجم السلطة من أجل إثارة الجدل، كما لم يكن فنانًا يزين صورتها طلبًا للسلامة. كان يختار منطقة أكثر صعوبة، وهي أن يطرح الأسئلة. ماذا يحدث عندما تصبح مؤسسات الدولة أقوى من المواطن؟ ماذا يحدث عندما يخاف الناس من التعبير عن آرائهم؟ ماذا يحدث عندما يشعر الإنسان أن العدالة لا تُطبق على الجميع؟ هذه الأسئلة لم تكن شعارات في أعماله، بل كانت جزءًا من البناء الدرامي للشخصيات التي قدمها.
ولعل البداية الأبرز كانت مع فيلم “الكرنك”، المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، والذي أخرجه علي بدرخان عام 1975. لم يكن الفيلم مجرد عمل سياسي يتناول مرحلة معينة من تاريخ مصر، بل كان شهادة فنية على واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في العلاقة بين المواطن والسلطة.
في الفيلم، قدم نور الشريف شخصية إسماعيل الشيخ، الطالب الجامعي الذي يحلم مثل آلاف الشباب بمستقبل طبيعي، قبل أن يجد نفسه داخل دوامة الاعتقالات والتعذيب والانكسار النفسي. لم يكن يحمل سلاحًا، ولم يكن يقود تنظيمًا، بل كان مجرد شاب أصبح ضحية لمناخ سياسي فقد فيه الناس الشعور بالأمان.
القوة الحقيقية في أداء نور الشريف لم تكن في مشاهد الصراخ أو الانفعال، وإنما في التحول الذي أصاب الشخصية. فقد استطاع أن ينقل للمشاهد كيف يمكن للسلطة، عندما تُمارس بلا رقابة، أن تغيّر الإنسان من الداخل، وأن تدفعه إلى الشك في نفسه، وفي أصدقائه، وحتى في أحلامه.
ورغم أن أحداث الفيلم ارتبطت بمرحلة تاريخية محددة، فإن رسالته تجاوزت الزمن. فقد أصبح “الكرنك” واحدًا من أهم الأفلام التي ناقشت العلاقة بين السلطة والحرية في السينما العربية، وما زال يُستدعى كلما عاد الحديث عن حدود القوة، ودور الدولة، وحقوق المواطنين.
لكن السلطة في أعمال نور الشريف لم تكن دائمًا سياسية.
في “أهل القمة”، ظهرت السلطة في صورتها الاقتصادية. هنا لم يعد النفوذ مرتبطًا بالمنصب، بل بالمال. رجل خرج من السجن، ثم تحول إلى أحد كبار رجال الأعمال، وأصبح قادرًا على التأثير في المجتمع، بينما يقف رجل القانون حائرًا أمام شبكة معقدة من المصالح.
كان الفيلم يقول إن السلطة ليست دائمًا كرسيًا في مؤسسة حكومية، بل قد تكون حسابًا مصرفيًا، أو شبكة علاقات، أو قدرة على شراء النفوذ. وهنا كشف نور الشريف وجهًا آخر للقوة، أكثر هدوءًا، لكنه أكثر تأثيرًا.
وفي “ضربة شمس”، قدّم صورة مختلفة تمامًا. تبدأ الأحداث بجريمة تبدو عادية، ثم يكتشف البطل أن خلفها شخصيات نافذة تملك من القوة ما يجعل الحقيقة نفسها مهددة. لم يكن الفيلم يصرح بذلك بشكل مباشر، لكنه ترك المشاهد يشعر أن المشكلة ليست في المجرم وحده، بل في البيئة التي تسمح له بالاختباء خلف نفوذه.
حتى عندما ابتعد عن السينما السياسية، ظلت السلطة حاضرة في أعماله الاجتماعية.
في مسلسل “حضرة المتهم أبي”، لم تكن القضية صراعًا بين مواطن وحكومة، وإنما بين فرد ومنظومة قانونية قد تتحول، إذا أخطأت، إلى عبء على الأبرياء. قدم نور الشريف شخصية أب يفاجأ باتهامات تقلب حياته رأسًا على عقب، فيكتشف أن الإنسان قد يحتاج سنوات طويلة ليبني سمعته، لكن ساعات قليلة قد تكفي لتدميرها.
أما في “الدالي”، فقد اقترب من السلطة من زاوية جديدة. جسّد رجل أعمال يمتلك المال والنفوذ، لكنه كان يدرك أن كل سلطة تحمل مسؤولية، وأن النفوذ قد يتحول إلى عبء إذا غابت عنه الأخلاق. لذلك لم يقدم الشخصية باعتبارها نموذجًا مثاليًا، ولا باعتبارها فاسدة، بل إنسانًا يعيش صراعًا دائمًا بين النجاح ومتطلبات السلطة التي أصبح يمتلكها.
وإذا تأملت معظم شخصيات نور الشريف، ستلاحظ أنها كانت تقف غالبًا على الجانب الآخر من القوة. لم يكن الوزير، ولا اللواء، ولا رجل الأمن، هو الشخصية الرئيسية في أغلب أعماله، وإنما المواطن، أو الموظف، أو الصحفي، أو الطالب، أو الأب. وكأن اهتمامه الحقيقي كان موجهًا إلى السؤال الأهم: كيف يشعر الإنسان العادي عندما يواجه سلطة أكبر منه؟
هذه الرؤية لم تكن وليدة الصدفة. فقد كان نور الشريف قارئًا جيدًا للتاريخ، ومهتمًا بالسياسة، ومتابعًا لتحولات المجتمع المصري والعربي. وكان يؤمن بأن الفن لا يجب أن يقدم إجابات جاهزة، وإنما يفتح مساحة للتفكير. ولذلك جاءت أعماله بعيدة عن الدعاية، سواء كانت دعاية للسلطة أو ضدها.
حتى في الأعمال التاريخية، لم يكن ينجذب إلى الشخصيات التي تمتلك القوة لمجرد قوتها، بل كان يبحث عن الإنسان داخل الحاكم، وعن لحظة اتخاذ القرار، وعن الثمن الذي يدفعه من يجلس على قمة السلطة. كان يرى أن النفوذ لا يكشف قوة الإنسان فقط، بل يكشف ضعفه أيضًا.
ولهذا السبب، لم يكن الصراع في أعماله بين الخير والشر بالصورة التقليدية، وإنما بين الإنسان والسلطة، وبين الضمير والمصلحة، وبين القانون واستخدامه، وبين الحق والقوة. وهي صراعات لا تنتهي بانتهاء الفيلم، بل تستمر في ذهن المشاهد بعد إسدال الستار.
وربما لهذا بقيت هذه الأعمال حية حتى اليوم. فالأنظمة تتغير، والوجوه تتبدل، لكن الأسئلة التي طرحتها تظل قائمة. ما حدود السلطة؟ من يراقب أصحاب النفوذ؟ كيف نحمي القانون من سوء الاستخدام؟ وكيف ينجو المواطن العادي عندما يجد نفسه في مواجهة منظومة أكبر منه؟
هذه الأسئلة لم يقدم لها نور الشريف إجابات مباشرة، لكنه فعل ما هو أهم. جعلها جزءًا من الوعي العام، مستخدمًا الفن كوسيلة لفهم المجتمع، لا للهروب منه.
وهنا تكمن خصوصية تجربته. فقد كان كثير من النجوم يقدمون أفلامًا عن السلطة، لكن نور الشريف كان يقدم أفلامًا عن الإنسان في مواجهة السلطة. وبين الأمرين فرق كبير. فالأول يروي قصة مرحلة سياسية، أما الثاني فيروي قصة الإنسان في كل زمان ومكان.
ولهذا لم يكن نور الشريف ممثلًا جسّد السلطة، بل كان فنانًا كشف كيف يمكن للسلطة، حين تبتعد عن العدل، أن تصبح اختبارًا قاسيًا للإنسان، وكيف يبقى الضمير، في







