مقالات وآراء

أمين محمود يكتب: غزة اليوم … كاشفة وفاضحة

إن ما يُسمّى بمشكلة الشرق الأوسط، والإرهاب في المنطقة، وجميع الحروب التي شهدتها منطقتنا منذ الحرب العالمية الثانية، ينبع من أصل واحد، على الرغم من تواطؤ القوى الكبرى المسيطرة على الأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن، وهو: احتلال إسرائيل لفلسطين، وتهجير غالبية سكانها، وقتل أعداد أكبر بكثير، سواء خلال النكبة أو منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.

لذلك، فإن احتلال فلسطين هو جذر جميع المشكلات التي نواجهها في المنطقة. وليس إنكار هذه الحقيقة إلا وسيلة للتهرب من معالجة مشكلات الدول العربية كافة، وجيرانها مثل إيران وتركيا. ولا يمكننا إنكار أن تفتيت العالم العربي بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية قد أسهم أيضًا في إضعافه، وفي نشوء جميع المشكلات التي تعاني منها شعوب المنطقة. فقد كانت تلك مخططات استعمارية نفذتها هذه الدول للسيطرة على المنطقة، بعد تأسيسها للكيان الصهيوني في فلسطين، بهدف ضمان بقاء المنطقة مقسّمة وخاضعة لهيمنة القوى الكبرى.

واصلت القوى الاستعمارية بسط سيطرتها على الدول المستقلة بأشكال مختلفة، وأصبحت هذه الدول تدريجيًا معتمدة على الولايات المتحدة في حمايتها، ولا سيما بعد غزو العراق للكويت والتدخل العربي اللاحق لتحريرها. ومنذ ذلك الحين، تعمل الولايات المتحدة على إقناع دول الخليج بالخطر الإيراني، ما أدى إلى خلق فراغ في موازين القوة، ومكّنها من التحكم بصورة غير مباشرة في حكام هذه الدول. وفي الخفاء، تستعد إسرائيل لتنفيذ سياساتها في المنطقة مستندة إلى القوة الأمريكية، وإلى دعم دول أوروبية ذات تاريخ استعماري. ونتيجة لذلك، غابت الديمقراطية عن الدول العربية، ما أدى إلى انعدام الحريات بأشكالها كافة؛ فالمظاهرات ممنوعة، بل إن رفع العلم الفلسطيني محظور في معظم الدول العربية، في استسلام واضح للرواية الصهيونية والغربية.

نتعلم من التاريخ، ولا سيما خلال حكم الرئيس السادات وتصريحاته المتكررة بأن 99% من أوراق حل مشكلات المنطقة في يد الولايات المتحدة. وهذا يعني، بوضوح، أنه يتعين علينا اتباع نهج أمريكا في حل مشكلاتنا، بما في ذلك مشكلة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، ولا سيما بعد توقيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل، كما حدث مع مصر والأردن. والآن، بتنا نعلم، من خلال نتائج تلك الاتفاقيات، أن هدفها الأساسي كان إبعاد مصر، تحديدًا، عن الدفاع عن الشعب الفلسطيني، وكذلك إبعاد الأردن، وهما دولتان تقعان على حدود فلسطين المحتلة. ولذلك، فإننا نجني اليوم ثمار توقيع تلك الاتفاقيات، والمتمثلة في ازدياد عدد المستوطنات في الضفة الغربية، والطموح الحالي إلى إقامة مستوطنات في قطاع غزة بعد الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل.

تتحايل إسرائيل على اتفاقية ترامب للسلام في غزة من خلال توسيع رقعة الأراضي المحتلة، مع استمرارها في التدمير والقتل، ومنع دخول الغذاء والماء والدواء، وعرقلة إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لانتشال جثامين أكثر من تسعة آلاف شهيد مدفونين تحت الأنقاض. ويتفاقم الوضع مع تدمير أكثر من 85% من مركبات الإنقاذ والجرافات أو تعطيلها، إلى جانب منع دخول المعدات الحديثة الضرورية.

أُقيمت أكبر جنازة في غزة مطلع أغسطس/آب 2026، بعد انتشال 112 جثة أو رفاتًا لأفراد من عائلتين، من منزلين دُمّرا قبل أكثر من عامين. إن سكان غزة قادرون ومستعدون لانتشال جميع الجثامين إذا سُمح بدخول المعدات اللازمة، كما نصّت عليه اتفاقية السلام. إلا أن الإسرائيليين لا ينفذون الاتفاقية، كما أن الولايات المتحدة لا تضغط عليهم للالتزام بأي بند من بنودها. وهكذا، تتلاعب إسرائيل بالعالم وبقوانينه، بينما ينصب اهتمام العالم حاليًا على الحرب ضد إيران.

منذ توقيع اتفاقيات السلام، بدأت المخابرات الأمريكية والإسرائيلية بالتغلغل في شؤون مصر والأردن، ثم امتد نفوذها تدريجيًا إلى الدول العربية المتحالفة مع أمريكا. واستغلت هذه الأجهزة ما يُفترض أنه نوايانا الحسنة، مدّعية تقديم المساعدة لنا بفضل تقدمها في مجالات الزراعة والصناعة وغيرها من القطاعات. وقد نتج عن ذلك عواقب وخيمة، منها إفساد الزراعة المصرية، إذ فقدت مصر سيطرتها على القطن طويل التيلة ومحاصيل أخرى. وفي نهاية المطاف، سيطرت أمريكا على الخطط الاستراتيجية لبعض الدول العربية، بما في ذلك اختيار قادتها، ومارست تدخلًا خطيرًا أثّر فينا بوصفنا دولًا مستقلة. كما غيّر هذا التدخل العقيدة العسكرية لتلك الدول، ما دفعها إلى معاملة إسرائيل بوصفها صديقًا، لا عدوًا يحتل الأراضي الفلسطينية. ورفضت هذه الدول الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، كما رفضت مناقشة ضرورة منحه حقوقه وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

أثبت الزمن أن تصريحات السادات كانت تعكس قناعاته، وهي القناعات التي أثبت الأمريكيون خطأها. فقد استغلوا الوضع لمنح إسرائيل حرية مطلقة في توسيع المستوطنات، وتشديد الحصار على غزة، وإخراج مصر فعليًا من دائرة السيطرة على حدودها الشرقية. وتمارس إسرائيل الآن سيطرة كاملة على الحدود، وكأنها تملكها وحدها، وأصبحت لها اليد العليا في جميع القرارات المتعلقة بغزة أو بالفلسطينيين. ورغم الحوار المستمر بين مصر وإسرائيل، تبقى القرارات إسرائيلية. وهذا يُظهر فقدان مصر جانبًا من أمنها القومي واستسلامها للعدو. وأعتقد أن غالبية الشعب المصري تؤيد هذا التحليل؛ ولذلك لم يلمس معظم أبناء شعبنا أي فائدة من اتفاقية السلام مع إسرائيل بعد مرور 47 عامًا. ويرفض الشعب المصري المصالحة مع إسرائيل حتى تُستعاد حقوق الشعب الفلسطيني كاملة، كما تؤيد معظم الدول العربية موقف مصر.

شعر الشعب المصري بخيبة أمل عميقة خلال الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، وتفاقمت هذه الخيبة بسبب تقاعس الدول العربية عن تقديم المساعدات إلى غزة بعد انقطاع إمدادات الغذاء والماء والدواء عنها. وقد تجلى ذلك بوضوح في دول الجوار، مثل مصر والأردن، اللتين لم تستخدما قوتهما الناعمة لإلغاء الاتفاقيات أو تجميدها، أو لاتخاذ أي موقف حازم، بل اكتفتا بإصدار بيانات وإدانات جوفاء. ونتيجة لذلك، تمكنت أمريكا وإسرائيل من التأثير في قرارات هذه الدول. وتكرر الأمر نفسه مع فكرة التطبيع، التي سارعت الإمارات والبحرين والمغرب إلى تبنيها.

والسؤال المطروح هو: هل دول منطقتنا ضعيفة إلى هذا الحد؟ الجواب واضح؛ فمنطقتنا غنية جدًا بالموارد والثروات والمعادن، وتسيطر على احتياطيات نفطية ضخمة، كما تمتلك استثمارات هائلة في الغرب. ولو سُحبت هذه الاستثمارات، لانهار الغرب اقتصاديًا. وبالطبع، لن يحدث هذا، لأن تلك الدول العربية تعتمد على حماية القوات الأمريكية للدفاع عنها، بعد توقيع اتفاقيات لحمايتها من إيران عقب الحرب على العراق واحتلاله. لكن على الرغم من تلك الاتفاقيات، فإن ولاء أمريكا لا يكون إلا للكيان الفاشي العنصري. وكانت أمريكا آخر دولة في العالم تعترف بوجود نظام عنصري في جنوب إفريقيا، ولم يعد بإمكانها الاستمرار في موقفها قبل سقوط ذلك النظام في جنوب إفريقيا، وتكرر أمريكا والغرب نفس الشيء مع النظام العنصري.

لقد شهدنا جميعًا فشل أمريكا في حماية الدول العربية، بدءًا من الهجوم الإسرائيلي على قطر في محاولة لاغتيال الوفد الفلسطيني المفاوض، الذي كان موجودًا في الدوحة لمتابعة محادثات السلام الرامية إلى إنهاء الإبادة الجماعية في غزة. وخلال تلك الفترة، لم تُستخدم القاعدة الأمريكية للدفاع عن قطر، ووقع الهجوم. ثم أنكرت أمريكا أن يكون لديها أي علم مسبق بالهجوم الإسرائيلي، وهو أمر مثير للسخرية ومخزٍ في آن واحد.

وتكرر الأمر نفسه خلال الهجوم على إيران في نهاية فبراير/شباط 2026. فقد حمت أمريكا الكيان العنصري المحتل، حتى بعد مرور عامين على الإبادة الجماعية المرتكبة بحق شعب غزة، وتجويعه، واستمرار قتله، ومنع وصول المساعدات المتفق عليها إلى القطاع، وكل ذلك من دون أي بادرة إنسانية من المجتمع الدولي. وفي المقابل، لم تدافع أمريكا عن الدول العربية التي هاجمتها إيران بهدف ضرب القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها.

أثبت اتفاق السلام الذي توسط فيه الرئيس الأمريكي ترامب أنه اتفاق مع إسرائيل، يهدف إلى تمكينها من تحقيق ما عجزت عن تحقيقه خلال حرب الإبادة. ولذلك، احتلت إسرائيل أراضي في غزة ووسّعت نطاق سيطرتها عليها، حتى باتت تسيطر على نحو 70% من القطاع، وحصرت سكان غزة في منطقة ضيقة. كما تواصل قتل كل من يقترب من حدودها الوهمية، وتفرض سيطرة كاملة على الماء والغذاء والوقود والمواد والمعدات اللازمة للشعب الفلسطيني من أجل تحسين حياته اليومية بجهوده الذاتية، من دون انتظار اعتراف العالم بمعاناة الفلسطينيين في غزة.

نحن، بوصفنا شعوبًا عربية، ندعم غزة والفلسطينيين في نضالهم من أجل نيل حقوقهم كاملة، وهي الحقوق التي يكفلها القانون الدولي، كما نصّت عليها قرارات مجلس الأمن. وتتجاهل الدول الغربية هذه الحقوق؛ فهي تدعم إسرائيل، وقد ساعدتها خلال فترة إبادتها بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية. ولا يزال تواطؤها مستمرًا حتى اليوم في تهجير سكان غزة.

الحل موجود إذا توفرت الإرادة. ونحن، بوصفنا شعوبًا محبة للسلام، يجب أن ننتفض ونطالب حكامنا الموالين للغرب بالعمل معًا من أجل تحرير فلسطين، ضمن أي إطار كان، سواء من خلال حل الدولة الواحدة أو حل الدولتين، حتى تُستعاد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني كاملة.

والآن هو الوقت الأمثل للتفاوض مع الكيان الصهيوني. فقد أصبحت معظم دول العالم وأغلبية شعوبه تقف ضده بعد أكبر مجزرة في التاريخ الحديث، شاهدها العالم أجمع على الهواء مباشرة. لقد شعر العالم بألم غزة وشعبها، وتجلّت إنسانية شعوب العالم في أبهى صورها من خلال مواقفها وتحركاتها، ولا سيما شعوب الغرب، على الرغم من المخاطر التي تواجهها من حكوماتها، مثل فقدان الوظائف أو حتى الترحيل.

وإذا لم يتحرك الحكام، فعلى الشعوب العربية أن تضع خطة عمل مشتركة بشأن القضايا التي تهمنا جميعًا. ويجب علينا التعاون من أجل مساعدة الفلسطينيين على نيل حقوقهم كاملة. ومن المعلوم أن إسرائيل لا ترغب حقًا في السلام، بل تسعى إلى فرض السيطرة والهيمنة، ليس على الفلسطينيين وحدهم، وإنما أيضًا على الدول المجاورة وما وراءها، تحقيقًا لحلمها بإقامة إسرائيل الكبرى.

ومن المؤسف أن يعيش القادة العرب في حالة من اللامبالاة المتعمدة. وفي المقابل، أُشيد بتصريحات المملكة العربية السعودية الرافضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني إلى أن يعترف بالسلام، ويُظهر رغبة حقيقية فيه، ويمنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة كاملة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى