
“قصة الشيخ الطاهر الحداد تكشف ظاهرة تتكرر في التاريخ:
قد يُدان المصلح في زمنه بالأفكار التي سيصبح المجتمع نفسه مقتنعاً بها بعد عقود”.
فالطاهر الحدّاد الذي قتله التونسيون كمداً، بعد محنة استمرت “خمس سنوات” وهو يعاني وحيداً، محاصرا من قبل الرعاع والغوغاء والدهماء، من “زقافنة” ذلك الزمان، يحتفلون اليوم بمشروعه الذي دعا إليه حينها في “تحرير المرأة التونسية”، ولم يتضامن معه ساعتها حتّى من نسب الأمر إليه لاحقاً.
ما يزال التوانسة يكرّرون ذات الصنيع، ولا أراهم اعتبروا كثيرا، ومن نخبهم من يشبه الشيخ “ابن مراد” الذي حاكم كتاب الشيخ الطاهر دون أن يقرأه، وقال معترفا “هذا على الحساب حتّى أقرأ الكتاب”..فكثير منهم ما يزال يسمح لنفسه بذات الصنيع الكريه ويسبّ كتباً لم يقرأها.
وأقول الشيخ الطاهر، لأنه كان شيخا فعلا، مصلحا تخرّج من جامعة الزيتونة، وكان إصلاحه أصيلا قائما على فكر المدرسة المقاصدية الراسخة في تراث الإسلام، لا مسخاً كما هي دعوة بعضهم اليوم.
الشيخ الطاهر ظل وفيّا لأستاذه المصلح الأكبر الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي مات مظلوما بدوره وما يزال، وبينهما مراسلات منشورة إلى أن توفي رحمة الله عليهما، وقد حافظ الشيخ الطاهر على عضويته في اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري (القديم)، ورفض الانشقاق عنه إلى أن لقي ربه، مظلوما.
وهذه أيضا من نواقض الافتراءات التي ردّدت حول تلاميذ الشيخ الثعالبي ممن نُكِّلَ بهم وانتهكت سيرتهم ونضالاتهم من أجل الإصلاح والحرية والاستقلال، لأن التاريخ الرسمي غالبا ما يكتبه المنتصرون..ولكن التاريخ الحقيقي يمكن إعادة كتابته دائما من باب الإنصاف..
رحم الله الشيخ الطاهر الحداد وجميع من ظلمهم بنو جلدتهم من الأموات والأحياء..
وحفظ الله نساء تونس من داء “الزقفنة” وهو داء عضال يصعب الشفاء منه، ومن كل شر مستطير، فكثير منهن قابعات اليوم في السجون دفاعا عن الحرّية للجميع وعن الديمقراطية..وليس ذلك بغريب عنهن أبدا..فقد كنّ دائما في مقدّمة معارك الوطن الكبرى ..







