مقالات وآراء

عمرو هاشم ربيع يكتب: مصر خارج تحالف مكة… ما الخطب؟

لا شك أن الكثيرين قد تفاجأوا خلال الأيام الماضية عندما أُعلن عن تحالف جديد للدفاع الاستراتيجي بين المملكة العربية السعودية وجمهوريتي تركيا وباكستان، وربما تفاجأوا أكثر لأن مصر خارج هذا التحالف.

لقد ظن كثيرون -مطلع العام الحالي- أن مصر والسعودية وتركيا سيدخلون في تحالف يقي الرياض ضغوطًا أمريكية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، ويُحمر عيون القاهرة لمواجهة ضغوط لتهجير الفلسطينيين إلى غزة، ويقي أنقرة من تهديدات مبطنة بحرب إسرائيلية على تركيا، وسط غطرسة القوة التي أعمت تل أبيب بانتصارات زائفة كونها في الأصل مدعومة أمريكيًا. بعبارة أخرى، كانت الأمور كلها تتجه لمواجهة غرور استعماري صهيوني أبقت عليه متقدًا قوى الاستكبار الأمريكي.

عدوان إيراني على القواعد الأمريكية بدول الخليج

العدوان الإيراني على المملكة العربية السعودية وكافة بلدان مجلس التعاون الخليجي، ربما باستثناء عُمان التي نالت حظًا قليلًا من الهجوم الإيراني، يبدو أنه غيّر دفة التفاعلات السعودية وعمليات الحشد والتعبئة التي ما فتئت المملكة أن تُديرها في العقود السابقة بذات سرعة إدارة المسبحة بين الأنامل.

فمن تحالفات خاسرة كانت تهدف لتغيير خارطة المنطقة في الخمسينات ضد الرئيس جمال عبد الناصر، خاصة بعد أن فقدت المملكة كلًا من النظام الملكي في العراق ثم النظام الرجعي في اليمن، إلى تحالف تركيا وباكستان الأخير، مرورًا بتحالف دعم الشرعية في اليمن في مارس 2015 والذي انتهى ببقاء المملكة وحدها بعد أن خسرت حليفها المتمرد الوحيد الراغب في الاستئثار بثروات جنوب اليمن (الإمارات العربية المتحدة)، وكذلك التحالف ضد الإرهاب في ديسمبر من ذات العام والذي مات عقب مولده… إلخ، كل ذلك لم يمنع من الدخول في شراكات أخرى، ربما كان هدفها فقط إخافة إيران.

لا شك لدى كثيرين -حتى من المفكرين وقادة الرأي من النخب العروبية الخليجية- أن العدوان الإيراني على دولهم وعلى الأردن، خلال المواجهة مع الولايات المتحدة اليوم، كان سببه الرئيس بل وهدفه هو التواجد الأمريكي على الأرض في المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة.

دروس كثيرة كان يجب ألا تخطئها العين الخليجية قبل وأثناء هذه الحرب الدائرة، لكن دون جدوى. لقد كان من الأولى أن تُدرك قيادات الخليج أن إيران بلد قائم بالمنطقة مهما تغير نظامه السياسي، على عكس الولايات المتحدة التي سترحل قرُب أو طالت مدة البقاء. كما كان عليها أن تُدرك من واقع دروس الحرب الحالية والعدوان على قطر العام الماضي، أن الولايات المتحدة عمليًا لا تدافع إلا عن إسرائيل. كما كان عليها أخيرًا أن تعترف بفشل منظومة الدفاع الخليجي المشترك، حيث أسفرت أحداث الحرب الراهنة عن اتفاقات إيرانية ثنائية مع بعض بلدان الخليج للوقاية من النيران الإيرانية.

احتواء إيران كان يُمكن أن يتم ببضعة ملايين من الدولارات

أنفقت بلدان مجلس التعاون الخليجي (باستثناء عُمان) مئات المليارات من الدولارات على صفقات أسلحة هجومية ودفاعية منذ انتهاء حرب الخليج الأولى عام 1988. لا شك أن الولايات المتحدة لعبت دورًا تحريضيًا كبيرًا لدعم نفوذها في بلدان الخليج. ففوق صفقات الأسلحة كان التواجد على الأرض كثيفًا كما ذُكر آنفًا.

بالتوازي، كان من المهم للكيان الصهيوني أن يظهر في ثوب الواعظ، بدعوى الشرق الأوسط الجديد، فيوقظ الكراهية والعداء القديم بين السنة والشيعة، ويقدم نفسه ليس كمحتل للأرض العربية، بل كمعادٍ للنفوذ الإيراني ووكلاء إيران من الفواعل من غير الدول في العراق واليمن ولبنان ولربما غزة، حتى إنه أقنع دولة كالإمارات ودولة كالبحرين بأن العدو المشترك هو إيران، وجعل المملكة السعودية تتردد كثيرًا في تصريحات متواترة تخرج علينا بمعدل شبه شهري، تحمل تنازلًا يلو الآخر حول العلاقات المستقبلية مع الكيان الصهيوني، والانضمام للاتفاقات الإبراهيمية، وموافقتها واقعًا على فتح مجالها الجوي للطيران المدني الصهيوني، ومن قبل ذلك اقتناص تيران وصنافير من مصر التي كانت تقف من خلالهما كالصقر على بوابة خليج العقبة.

لقد كان بالإمكان وبسهولة منقطعة النظير أن تحتوي المملكة السعودية وبلدان الخليج الأربعة الأخرى إيران بعُشر ما أنفقته على صفقات السلاح، من خلال مشاريع تنموية واستثمارية مشتركة مع طهران، بدلًا من أن تخلق منها عدوًا يناوئ نفوذًا أمريكيًا هي من سمحت بتواجده على الأرض، بعد أن غُرر بها أمريكيًا وصهيونيًا بقوة نووية إيرانية تعلم أنها ليست المستهدفة منها، وأنها كان يُمكن أن تستغلها كعضد للقوى العربية في مواجهة المستعمر الكبير والمستعمر الصغير.

حتمًا مصر خارج تحالف مكة

لا شك أن إدراك القاهرة لكل تلك المعطيات جعلها خارج تحالف مكة الأخير. يبدو هنا أن من يريد أن يقول إن مصر مُستبعدة من هذا التحالف هو مُخطئ لا محالة.

لربما يجد المرء عديدًا من الثغرات التي تُبرر نقد الناس لصانع القرار المصري فيما يتعلق بالسياسة الداخلية، لكن فيما يرتبط بالسياسة الخارجية، يبدو أن من يُنقب عن كبوات سيُصاب بالملل والكلل من عناء البحث.

مصر لا تُريد أن تخوض في لعبة المحاور الطائفية التي تُجيدها الرياض بدعم غربي صهيوني، ولا تُريد أن تلعب لعبة تقلب المواقف كما فعلت المملكة التي كانت تصف يومًا ما حماس وحزب الله بقوى المقاومة، وهي لا تُريد أن تكون مخلب قط للولايات المتحدة مستقبلًا، حال لو رغبت في إنزال أمريكي على الأرض الإيرانية، وهو احتمال أن يكون أحد أسباب تحالف مكة.

مصر أيضًا لا تُريد أن يُلفت نظرها عن عدوها التقليدي، لصالح عدو افتراضي، ما فتئ في كل مرة يأتي فيها الحديث عن مصر، إلا ويكون حديثًا إيجابيًا عن دولتين يملكان أقدم حضارتين في التاريخ. مصر أيضًا لا تُريد أن تخلق أعداء من العدم، أعداء صنعتهم القوى التي أوعز الآخرون إليهم أن يتخذوها عدوًا.

وفي شأن قناة السويس، فالقاهرة يُستبعد تمامًا الانضمام لتحالف مكة. فأولًا إن المشاركة في هكذا تحالف ربما يُورطها في أعمال ضد جماعة الحوثي -المتحكم الفعلي بباب المندب- حال قيام الأخيرة بضرب السعودية وطلب المملكة تدخل حلفاء مكة ضدها. وثانيًا، تكمُن مشكلة مشاركة مصر في أن أحد أهداف تحالف مكة -كما ذُكر- هو تأسيس ممر لوجستي بري وبحري يشمل الصين وباكستان والسعودية وتركيا، ما يلغي عمليًا قناة السويس. جدير بالذكر أن هذا التحالف بهذا الطريق البري والبحري القائم في الاتفاق يتعارض مع الموقف السعودي نفسه الداعم للممر التجاري الذي طرحته المملكة في قمة العشرين بنيودلهي في سبتمبر 2023 لمواجهة طريق الحرير.

اهتمامات مصرية خارجية تحتاج لشحذ واصطفاف

لا شك أن كل ما سبق من أمور لا يعني على الإطلاق أن تقف مصر في مواجهة المملكة العربية السعودية أو تركيا وباكستان، فالدول الثلاث وكلها صديقة للولايات المتحدة، تربطها بمصر علاقات جيدة، وبعضها كالسعودية وتركيا لها استثمارات كبيرة في مصر، كما تستضيف المملكة مئات الآلاف من المصريين القائمين بدعم عملية التنمية بالمملكة، لكن كل ما سبق لا يعني أن تتشابه أو تطابق المصالح. فمصالح تركيا وباكستان مع المملكة تختلف بالتأكيد عن مصالح مصر معها، ومصر مرتبطة باتفاق دفاع عربي مشترك مع كافة البلدان العربية.

المؤكد أن مسألة الأمن القومي المصري اليوم ترتبط بتأمين حدودها الشرقية مع الكيان الصهيوني، وكذلك منع تصدير العنف والإرهاب القادم من جهة الغرب، وتحقيق الأمن في السودان.

أمن مصر المائي له أيضًا أولوية قصوى وسط الشح المائي الذي وصل لحد متوسط 490 مترًا مكعبًا من الماء كنصيب للفرد من المياه سنويًا. نحن على أية حال ننتظر ماذا سنفعل أمام عزم إثيوبيا الوثوب إلى البحر الأحمر، وكذلك بناء ثلاثة سدود جديدة تُؤكد القاهرة أنها لن تمر مصريًا كما مر سد النهضة. مصر على أي حال لم يسبق لها أن عاتبت دول الخليج -التي تطلب من مصر اليوم أن تدخل في مواجهة مع إيران- رغم أن بعض تلك الدول تستثمر أموالها في إثيوبيا، وبعضها (الإمارات العربية المتحدة) أنقذ نظام أبي أحمد من السقوط في مواجهته مع التيجراي أواخر عام 2021 وأوائل عام 2022.

خلاصة القول، القاهرة لها اهتمامات مغايرة عن أطراف تحالف مكة، وكثير من تلك الأمور أولى أن تحلها وتفكك عقدها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى