
تحل الذكرى الحادية عشرة لمقاومة أبناء مديرية عتمة بمحافظة ذمار، تلك الملحمة التي سطرها رجال صنعوا المستحيل، وواجهوا آلة الحرب الحوثية المدججة بالسلاح الإيراني بصدورهم العارية وإيمانهم الراسخ، ليقدموا للوطن نموذجاً فريداً في التضحية والصمود.
لم تكن مقاومة عتمة مجرد مواجهة محلية، بل كانت محطة فارقة في تاريخ اليمن. بدأت المعركة في 12 أغسطس 2015، حيث تحولت المديرية إلى قلعة تصدت لمشروع الهيمنة الطائفية، وأثبتت أن الإرادة الوطنية حين تتوحد تهزم أعتى الجيوش وأحدث الأسلحة.
امتدت رقعة المواجهات لتشمل جبهات حيفان وسوق الثلوث والمهلالة، حيث دارت أشرس المعارك بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وكبّد المقاومون المليشيا خسائر فادحة في العتاد والروح، وأجبروها على التراجع تحت وطأة الكمائن المحكمة، رغم استخدامها القصف العشوائي بالهاون.
ولم تقتصر البطولة على الجبهات، بل امتدت إلى قرى القدم والسلف ورخمة وبيت شولة ومنطقة منجدة، حيث تحول الحصار الخانق ومنع الدواء والغذاء إلى فخ مميت، وسقط العشرات من عناصر الانقلاب في كمائن متتالية، بينما أظهر أبناء عتمة براعة أسطورية في الحرب الجبلية وقطع خطوط الإمداد، محولين كل قرية إلى قلعة لا تُقهر رغم استخدام المليشيا الأسلحة الحارقة وقصف المنازل.
في تلك المواجهات العاصفة، قدّمت عتمة 23 شهيداً وعشرات الجرحى، وكان مقابل كل شهيد عشرة قتلى من مليشيا الحوثي الإرهابية، ومقابل كل جريح عشرة جرحى منهم، في معادلة تعكس الفارق في الروح المعنوية والإيمان بالقضية، رغم فارق التسليح الهائل.
لم تقتصر جرائم المليشيا على القتل في ساحات المعارك، بل عاثت الفساد في الأرض، وارتكبت جرائم جسيمة بحق المدنيين، على رأسها القتل العمد، والاختطاف، وتفجير المنازل، ونهب الممتلكات الخاصة والعامة، إضافة إلى استخدام الأسلحة الحارقة في قصف القرى والمنازل الآمنة، ومنع الدواء والغذاء عن سكان المنطقة من ثلاث جهات، في حصار جوع استهدف إخضاع الأهالي، لكنه زادهم إيماناً وصموداً.
خلف هذه البطولات، يقف قائد استثنائي، هو الشيخ عبدالوهاب معوضه، الذي قاد المقاومة الشعبية بحكمة عسكرية وبصيرة ثاقبة. لم يكن مجرد قائد ميداني، بل كان رمزاً للثبات والولاء للوطن، يتقدم الصفوف، ويشارك أبناءه في خنادق القتال، مما زاد من تماسك المقاومة ورفع من روحها المعنوية، وجعل من عتمة مدرسة في القيادة والإخلاص.
خطط الشيخ معوضه للمعارك بدقة، ووزع قواته على الجبهات بحنكة، محولاً تضاريس المنطقة إلى كمائن طبيعية، وأثبت أن القيادة الحكيمة قادرة على هزيمة التفوق العددي والتسليحي.
لم تقتصر بطولة أبناء عتمة على حدود مديريتهم، بل كان لهم شرف المشاركة في معركة تحرير محافظة مأرب من المليشيا الطائفية، جنباً إلى جنب مع المقاومة الشعبية والجيش الوطني، حيث سطروا بطولات جديدة في جبهات العزة.
واليوم، يواصل أبطال عتمة مسيرتهم الوطنية، منتشرين في كل جبهات الشرف والبطولة، من الساحل إلى الجوف، ومن مأرب إلى البيضاء، يحملون راية التحرير، ويؤكدون أن هدفهم تحرير اليمن كاملاً، وأن موعدهم صنعاء، حيث يرفعون شعارهم الخالد: “صنعاء موعدنا.. واليمن كله هدفنا.”
في هذه الذكرى، يرسل أبناء عتمة رسالة واضحة إلى العالم: أن اليمن لا يُرهب، وأن مقاومة المشروع الإيراني ستتواصل حتى تحرير كل شبر من تراب الوطن، وأن صنعاء ليست بعيدة، بل هي الموعد الذي يجمع كل الأحرار.
عتمة اليوم ليست مجرد مديرية في ذمار، بل هي رمز وطني يرفع راية الصمود، وموقف تاريخي يشهد لأبنائها بأنهم صنعوا المستحيل، وكتبوا بدمائهم الطاهرة سطراً من نور في كتاب النصر اليمني.
تظل ذكرى مقاومة عتمة محفورة في وجدان الشعب اليمني، مصدر إلهام للأجيال، ودليلاً على أن الإرادة الوطنية حين تتوحد، لا يقف في وجهها أي طغيان، وأن التحرير قادم مهما طال الطريق، وصنعاء ستكون لقاء الأحرار.







