منظمات حقوقية أمريكية تقاضي إدارة ترامب بسبب عقوباتها على المحكمة الجنائية الدولية

رفعت أربع منظمات حقوقية أمريكية دعوى قضائية ضد إدارة الرئيس دونالد ترامب، اعتراضًا على العقوبات المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية والمتعاملين معها، معتبرة أن هذه الإجراءات غير قانونية وتنتهك حقوقًا دستورية أساسية.
وتضم الجهات التي أقامت الدعوى لجنة الأصدقاء الأمريكيين للخدمة، ومركز الحقوق الدستورية، وهيومن رايتس ووتش، ومعهد المجتمع المفتوح، وطالبت المحكمة بوقف نظام العقوبات المفروض على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية والأشخاص والمؤسسات المتعاونة معها.
وقالت المنظمات إن العقوبات أجبرتها على تقليص نطاق واسع من عملها الحقوقي والقانوني، معتبرة أن ذلك يمس حقوقها المكفولة بموجب التعديلين الأول والخامس من الدستور الأمريكي، إلى جانب قانون استعادة الحرية الدينية.
وأوضحت أن القيود المفروضة تجعل أي تعامل مع أشخاص أو جهات خاضعة لعقوبات مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية محفوفًا بتبعات قانونية ومالية، ما أثر بصورة مباشرة على أنشطتها المتعلقة بحقوق الإنسان والمساءلة عن جرائم الحرب.
دعوى تستهدف أمر ترامب التنفيذي
تطعن الدعوى في الأمر التنفيذي رقم 14203 الذي وقعه ترامب في 6 فبراير 2025، وسمح بفرض عقوبات على مسؤولين وقضاة وأشخاص مرتبطين بعمل المحكمة الجنائية الدولية.
وجاء الأمر في سياق اعتراض الإدارة الأمريكية على تحقيقات وإجراءات المحكمة المتعلقة بمسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، خاصة في القضايا المرتبطة بالحرب في قطاع غزة.
وتقول المنظمات الأربع إن الصلاحيات التي استند إليها ترامب في فرض العقوبات تقوم على ما وصفته بـ«حالة طوارئ وطنية زائفة لا أساس لها في الواقع»، مطالبة بإلغاء نظام العقوبات بالكامل.
وأكدت أن الإجراءات حدّت من قدرتها على تمثيل ضحايا جرائم الحرب، وتقديم مذكرات قانونية وسياسات للمحكمة، والتعاون مع منظمات حقوقية فلسطينية، وإجراء أبحاث حول انتهاكات حقوق الإنسان، وتنظيم حملات مناصرة أو تقديم مساعدات إنسانية.
عقوبات على مسؤولي المحكمة
كانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على عدد من مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، ومن بينهم المدعي العام السابق للمحكمة كريم خان، الذي أُقيل من منصبه في يوليو 2026 عقب تصويت للدول الأعضاء، على خلفية اتهامات بسوء سلوك جنسي ينفيها.
وتشمل العقوبات، بحسب النظام الذي أقرته الإدارة الأمريكية، تجميد الأصول وفرض قيود مالية وحظر دخول الولايات المتحدة على بعض الأشخاص غير الأمريكيين الذين تعتبر واشنطن أنهم يساعدون المحكمة في التحقيق مع مواطنين أمريكيين أو مواطني دول حليفة.
وجاء تصعيد واشنطن ضد المحكمة بعد إصدارها في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
دعاوى سابقة ضد العقوبات
ولا تعد هذه أول مواجهة قضائية داخل الولايات المتحدة بشأن عقوبات المحكمة الجنائية الدولية.
ففي يوليو 2026، رفعت منظمة «الديمقراطية الآن للعالم العربي» وتحالف «دافعي الضرائب ضد الإبادة» دعوى أمام محكمة اتحادية في نيويورك، طعنتا فيها أيضًا في العقوبات، معتبرتين أنها تقيد نشاطهما واتصالاتهما المتعلقة بالمحكمة.
وتأتي التحركات القضائية في وقت كثفت فيه إدارة ترامب انتقاداتها للمحكمة الجنائية الدولية، إذ قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الإدارة تعمل على «تفكيك» المحكمة، متهمًا إياها بتجاوز اختصاصاتها وتهديد السيادة الأمريكية.
خلاف بشأن اختصاص المحكمة
تقول إدارة ترامب إن المحكمة الجنائية الدولية اتخذت إجراءات غير مشروعة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعارض واشنطن وتل أبيب اختصاص المحكمة في التحقيق بقضايا مرتبطة بمواطنين من الدولتين.
ولا تعد الولايات المتحدة أو إسرائيل طرفًا في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.
في المقابل، تستند المحكمة في تحقيقاتها المتعلقة بالأراضي الفلسطينية إلى انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي عام 2015، وهو ما تعتبره المحكمة أساسًا قانونيًا لممارسة اختصاصها بشأن الجرائم التي يُشتبه في ارتكابها داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.
وتطعن إسرائيل والولايات المتحدة في هذا الأساس، كما تتمسكان بأن الأنظمة القضائية الوطنية هي صاحبة الأولوية في التحقيق، وفق مبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام روما الأساسي.
ضغوط أمريكية متزايدة على المحكمة
وسعت إدارة ترامب خلال الفترة الماضية نطاق إجراءاتها ضد المحكمة، وفرضت عقوبات على مسؤولين وجهات مرتبطة بعملها، إلى جانب ضغوط سياسية على الدول الأعضاء والمتعاملين معها.
وحذرت جهات دولية من أن العقوبات الأمريكية قد تؤثر على قدرة المحكمة على تنفيذ مهامها، ليس فقط في التحقيق المتعلق بالأراضي الفلسطينية، وإنما في ملفات أخرى تنظر فيها المحكمة بشأن جرائم دولية في مناطق متعددة من العالم.
وتحقق المحكمة الجنائية الدولية في عدد من القضايا المتعلقة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في دول ومناطق عدة، بينما تؤكد إدارة ترامب أن تحركاتها تستهدف منع ما تعتبره تجاوزًا لاختصاص المحكمة على الولايات المتحدة وحلفائها.







