مصر

ميدل إيست آي: السعودية عارضت انضمام مصر إلى اتفاق مكة وسط تراجع الثقة في القاهرة

كشفت مصادر سعودية مطلعة أن المملكة العربية السعودية عارضت انضمام مصر إلى «اتفاق مكة للدفاع المشترك» الذي وقعته الرياض مع تركيا وباكستان، رغم مساعٍ تركية قوية لإشراك القاهرة في الاتفاق، في ظل توترات مكتومة بين الرياض والقاهرة وتزايد الشكوك السعودية بشأن الدور الإقليمي والعسكري لمصر.

وبحسب تقرير لموقع «ميدل إيست آي»، قال أحد المصادر، وهو «مستشار سابق رفيع المستوى للعائلة المالكة السعودية ولا يزال قريبًا من صنع القرار»، إن الرياض لم ترغب في انضمام مصر إلى الاتفاق، «على الأقل في الوقت الحالي».

وأوضحت المصادر أن الدافع الرئيسي وراء الموقف السعودي يتمثل في تزايد حالة الإحباط من حكومة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى جانب اعتقاد متنامٍ داخل دوائر صنع القرار في الرياض بأن مصر لم تعد تقدم القيمة الاستراتيجية أو العسكرية التي كانت تقدمها في مراحل سابقة.

وبحسب المصادر، فإن القرار السعودي بمعارضة دخول مصر الاتفاق جاء في سياق توترات متراكمة بين الرياض والقاهرة، وليس نتيجة خلاف عابر بشأن تفاصيل الاتفاق الدفاعي الجديد.

وأشارت المصادر إلى أن السعودية قدمت دعمًا ماليًا واسعًا لمصر عقب أحداث عام 2013، وذكرت أن الرياض وحلفاءها الخليجيين قدموا في المرحلة الأولى نحو 25 مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري، في وقت كانت فيه القاهرة تواجه ضغوطًا مالية واقتصادية كبيرة.

لكن الرياض، بحسب التقرير، باتت ترى أن الدعم المالي والسياسي الذي قدمته إلى حكومة السيسي لم يقابله مستوى مماثل من الدعم المصري للمملكة في ملفات تعتبرها السعودية مرتبطة بصورة مباشرة بأمنها القومي ومصالحها الإقليمية.

حرب اليمن ضمن أسباب الغضب السعودي

وضربت المصادر مثالًا بموقف مصر من الحرب السعودية الطويلة ضد جماعة الحوثيين في اليمن، مشيرة إلى أن القاهرة لم تلعب الدور العسكري الذي كانت الرياض تتوقعه منها.

ووصفت المصادر الدور المصري في الحرب بأنه كان ضئيلًا وغير موثوق، رغم العلاقات الوثيقة بين البلدين والدعم المالي الكبير الذي حصلت عليه القاهرة من السعودية.

وترى المصادر أن هذا الملف أسهم في ترسيخ شعور داخل بعض الدوائر السعودية بأن مصر استفادت من الدعم الخليجي دون أن تتحول إلى شريك يمكن الاعتماد عليه بصورة كاملة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الأمنية والعسكرية التي تعتبرها الرياض ذات أولوية قصوى.

ويأتي ذلك في وقت كانت فيه السعودية تسعى خلال السنوات الماضية إلى إعادة بناء منظومة تحالفاتها الإقليمية، مع الاعتماد بشكل أكبر على دول تملك قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة وقابلية أكبر للمشاركة في ترتيبات أمنية مشتركة.

موقف مصر خلال الحرب على إيران

ولم يقتصر عدم الرضا السعودي، بحسب المصادر، على الملف اليمني، إذ أشار التقرير كذلك إلى موقف مصر خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران باعتباره من بين الملفات التي عززت الشكوك السعودية في مدى استعداد القاهرة للوقوف إلى جانب الرياض عند تعرض أمن الخليج لتهديدات مباشرة.

وبحسب المصادر التي تحدثت إلى «ميدل إيست آي»، رأت الرياض أن الموقف المصري خلال الأزمة لم يكن بالمستوى الذي كانت تتوقعه من دولة تعتبر نفسها شريكًا استراتيجيًا للمملكة.

وفي المقابل، تقول المصادر إن القاهرة أبدت استعدادًا أكبر لمساندة الإمارات خلال المواجهات والتوترات الإقليمية، الأمر الذي أثار مزيدًا من التساؤلات داخل السعودية بشأن أولويات السياسة الخارجية المصرية.

قلق سعودي من ارتباط القاهرة بأبوظبي

وتحدثت المصادر عن قلق سعودي متزايد مما وصفته بـ«تبعية» القاهرة للإمارات، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة خلال الفترة الأخيرة بين الرياض وأبوظبي.

ويرتبط جانب من الخلاف السعودي الإماراتي، وفق التقرير، بموقف أبوظبي من الجماعات الانفصالية في جنوب اليمن، والتي ترى الرياض أن تحركاتها قد تهدد المصالح والأمن السعوديين.

وبحسب المصادر، أدى التقارب المصري الإماراتي الوثيق إلى زيادة الشكوك السعودية بشأن مدى قدرة القاهرة على اتخاذ مواقف مستقلة عندما تتعارض المصالح السعودية والإماراتية.

وقالت المصادر إن هذه المسألة باتت أكثر حساسية بالنسبة إلى الرياض مع تصاعد الخلافات بينها وبين أبوظبي حول عدد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها التطورات في اليمن.

القاهرة أرسلت دفاعات وطائرات إلى الإمارات

وأشار التقرير إلى أن مصر أرسلت أنظمة دفاع جوي وطائرات مقاتلة إلى أبوظبي ردًا على الهجمات الإيرانية، في خطوة اعتبرتها المصادر السعودية مؤشرًا على حجم التنسيق العسكري والسياسي بين القاهرة والإمارات.

وأضافت المصادر أن الرئيس عبد الفتاح السيسي زار نظيره الإماراتي أكثر من مرة خلال الأزمة، في حين لم تتخذ القاهرة، من وجهة نظر المصادر، خطوات مماثلة تجاه المملكة العربية السعودية.

واعتبرت المصادر أن المقارنة بين طريقة تعامل القاهرة مع أبوظبي وطريقة تعاملها مع الرياض أثارت تساؤلات إضافية داخل الدوائر السعودية بشأن موقع المملكة في حسابات القيادة المصرية.

شكوك بشأن ولاء السيسي

وبحسب التقرير، تجاوزت التحفظات السعودية مسألة الأداء العسكري المصري إلى شكوك أوسع تتعلق بمدى ولاء الرئيس عبد الفتاح السيسي للمملكة وإمكانية الاعتماد على حكومته في التحالفات الإقليمية طويلة المدى.

وأشارت المصادر إلى وجود مقارنة داخل دوائر سعودية بين قيادة مصر من جهة، وقيادتي تركيا وباكستان من جهة أخرى.

وترى هذه الدوائر، بحسب التقرير، أن تركيا وباكستان تقدمان نفسيهما باعتبارهما شريكين يتمتعان بقدرات عسكرية واستراتيجية واضحة، بينما أصبحت مصر تُنظر إليها بصورة متزايدة باعتبارها دولة تعتمد على الدعم المالي الخليجي أكثر من كونها شريكًا استراتيجيًا موثوقًا وقادرًا على تقديم قيمة عسكرية موازية.

وقالت المصادر إن الاعتماد الاقتصادي المصري على دول الخليج أصبح عنصرًا حاضرًا في تقييم الرياض لعلاقتها بالقاهرة، لا سيما مع استمرار حاجة الاقتصاد المصري إلى الاستثمارات والتمويل الخارجي.

انتقادات للقدرات العسكرية المصرية

كما تناول التقرير تقييمًا سعوديًا للقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية المصرية، حيث انتقدت المصادر مستوى التصنيع العسكري في مصر مقارنة بما تمتلكه تركيا وباكستان.

وبحسب المصادر، فإن جزءًا كبيرًا من المؤسسات التابعة للقطاع العسكري المصري يركز على أنشطة وإنتاج مدني، بدلًا من تطوير صناعة دفاعية متقدمة قادرة على المنافسة إقليميًا.

كما أثارت المصادر تساؤلات بشأن مستوى الجاهزية القتالية للقوات المسلحة المصرية وقدرتها على الدخول في مواجهات عسكرية حديثة، مقارنة بتركيا التي تمتلك جيشًا كبيرًا وصناعة متطورة للطائرات المسيرة والصواريخ والمنظومات الدفاعية، وباكستان التي تمتلك خبرة عسكرية واسعة وقدرات نووية وصناعة تسليح متقدمة.

وترى الرياض، بحسب المصادر، أن الاتفاق الدفاعي الجديد يجب أن يستند إلى دول قادرة على تقديم قيمة عسكرية حقيقية ومباشرة عند الحاجة، وليس إلى مجرد تحالفات سياسية أو علاقات تاريخية.

تركيا دفعت باتجاه انضمام مصر

وفي المقابل، كانت تركيا، بحسب التقرير، من أبرز الأطراف التي دفعت باتجاه إدراج مصر في الاتفاق الجديد.

وكانت أنقرة ترى أن مشاركة القاهرة يمكن أن تمنح التحالف الجديد وزنًا إقليميًا أكبر، لا سيما في ظل التحسن الكبير الذي شهدته العلاقات المصرية التركية خلال السنوات الأخيرة.

وأفاد تقرير سابق لـ«ميدل إيست آي» بأن تركيا سعت بقوة إلى إدراج مصر ضمن الاتفاق الدفاعي الذي يضمها إلى السعودية وباكستان، إلا أن القاهرة لم تكن ضمن الدول التي وقعت الاتفاق في نهاية المطاف.

وكانت تفسيرات سابقة قد أشارت إلى أن القاهرة أبدت ترددًا تجاه الانضمام بسبب رغبتها في موازنة علاقاتها مع إسرائيل والإمارات، إلى جانب حرصها على عدم الاضطرار إلى اختيار جانب في ظل التوترات بين السعودية والإمارات.

إلا أن المصادر السعودية التي تحدثت في التقرير الجديد قدمت رواية مختلفة، مؤكدة أن السبب الأساسي وراء غياب مصر عن الاتفاق يعود إلى اعتراض سعودي على انضمامها في المرحلة الحالية.

المصادر تنفي أن مصر رفضت الاتفاق

ونفت المصادر بصورة واضحة الرواية التي تقول إن مصر هي التي رفضت الانضمام إلى اتفاق مكة.

ووصف أحد المصادر فكرة أن القاهرة هي صاحبة قرار الرفض بأنها «مضحكة»، معتبرًا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان سيحرص على الانضمام إلى الاتفاق إذا أتيحت له الفرصة، خاصة لما قد يوفره ذلك من فوائد سياسية ومالية لمصر.

وبحسب رؤية المصادر، فإن اعتماد القاهرة المستمر على الدعم والاستثمار الخليجي يجعل من المستبعد أن ترفض طوعًا الانضمام إلى إطار دفاعي تقوده السعودية ويضم تركيا وباكستان.

وأكدت المصادر أن القرار في المرحلة الحالية كان سعوديًا بالأساس، وأن الرياض فضلت إبقاء القاهرة خارج الاتفاق.

الباب لم يُغلق أمام مصر

ورغم الانتقادات الحادة التي نقلها التقرير عن المصادر السعودية، فإنها أكدت أن الباب لم يُغلق بصورة نهائية أمام انضمام مصر إلى الاتفاق في المستقبل.

وقالت المصادر إن حدوث تغيير في الظروف السياسية أو تحسن في العلاقات بين الرياض والقاهرة، إلى جانب تقديم مصر ما تعتبره السعودية التزامًا أكثر وضوحًا تجاه المصالح الأمنية المشتركة، قد يدفع المملكة إلى إعادة النظر في موقفها.

لكن المصادر شددت على أن الموقف السعودي الحالي يتمثل في الإبقاء على مصر خارج الاتفاق، وأن أي انضمام محتمل في المستقبل سيتوقف على تطورات العلاقات بين البلدين وعلى تقييم الرياض لمدى استعداد القاهرة للقيام بدور أكثر فاعلية كشريك عسكري واستراتيجي.

اتفاق دفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان

وكانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت اتفاقًا للدفاع المشترك في مكة، ينص على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الموقعة اعتداءً على باقي الأطراف، في خطوة تؤسس لإطار أمني وعسكري جديد بين الدول الثلاث.

ويجمع الاتفاق بين ثلاث دول تمتلك قدرات عسكرية مختلفة ومتكاملة؛ إذ تمتلك تركيا واحدة من أكبر القوات المسلحة في المنطقة وقاعدة صناعات دفاعية توسعت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، في حين تمتلك باكستان جيشًا ضخمًا وترسانة نووية وخبرات عسكرية واسعة.

أما السعودية فتملك موارد مالية ضخمة وتعمل على تطوير قدراتها الدفاعية وبناء شراكات عسكرية تقلل اعتمادها على المظلة الأمنية الغربية وحدها.

ويأتي الاتفاق في ظل تحولات واسعة تشهدها منظومة الأمن الإقليمي، وتصاعد الخلافات بين عدد من القوى التقليدية في الشرق الأوسط، بالتزامن مع سعي السعودية إلى بناء ترتيبات وتحالفات جديدة مع قوى إقليمية وإسلامية كبيرة.

ترتيبات إقليمية جديدة

ويمثل استبعاد مصر من الاتفاق في مرحلته الحالية تحولًا لافتًا بالنظر إلى الثقل التاريخي للقاهرة في النظام الإقليمي العربي، وإلى العلاقات التي جمعتها بالسعودية خلال العقود الماضية.

كما يكشف، بحسب ما نقلته «ميدل إيست آي» عن مصادرها، عن تغير في معايير الرياض عند اختيار شركائها الاستراتيجيين، مع إعطاء أولوية أكبر للقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية والاستعداد لتقديم دعم متبادل عند وقوع أزمات إقليمية.

وفي الوقت نفسه، تظل العلاقات المصرية السعودية مرتبطة بشبكة واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، ما يجعل الباب مفتوحًا أمام تغير الموقف مستقبلًا إذا تحسنت العلاقة بين الجانبين.

لكن المصادر الثلاثة التي تحدثت للموقع أكدت أن الموقف السعودي، في الوقت الراهن، هو عدم ضم مصر إلى الاتفاق، رغم رغبة تركيا في مشاركة القاهرة.

وبذلك، يقدم تقرير «ميدل إيست آي» رواية مغايرة للتفسيرات التي تحدثت عن تردد مصري أو رفض من القاهرة للانضمام، إذ ينقل عن مصادر سعودية مطلعة أن الرياض نفسها هي التي عارضت مشاركة مصر، على خلفية تراكمات تتعلق بالثقة المتبادلة، والموقف المصري في الملفات الأمنية، والعلاقة الوثيقة بين القاهرة وأبوظبي، إلى جانب تقييم سعودي متحفظ للقدرات العسكرية والاستراتيجية المصرية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى