
ليبيا: مركز التدفقات الجديد في المتوسط…
وفهم التحالف السعودي – التركي – الباكستاني عبر جيواستراتيجية الممرات
بعد الحرب الأمريكية–الإيرانية الأخيرة، أصبح واضحًا لصنّاع القرار في الشرق الأوسط أن الجغرافيا السياسية لم تعد تُفهم عبر الحدود كما كان الحال منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية. لقد كشفت الحرب اللامتماثلة التي خاضتها إيران، وما تبعها من أزمات عالمية، أن جيواستراتيجية الممرات (Flow Geopolitics) أصبحت البديل الواقعي عن الجغرافيا التقليدية القائمة على الحدود.
منذ أزمة 2008 المالية، ثم انهيار سلاسل الإمداد في جائحة كورونا، وأزمة أوكرانيا التي أعادت القطبية الدولية، وصولًا إلى أحداث غزة التي أظهرت حدود القوة الأمريكية، بدأت الدول تعيد تعريف أمنها القومي عبر الممرات لا الحدود. الممرات البحرية والبرية والطاقوية أصبحت شبكة الأعصاب التي تحدد سلوك الدول، وتعيد تشكيل التحالفات، وتكشف هشاشة الاقتصادات.
الحدود لم تعد هي المحدد لقوة الدولة أو شخصيتها في السياسة الدولية، هناك عدة نماذج درست بعناية في مراكز الدراسات الاكاديمية وهذا واحد منها، الشرق الأوسط لم يعد سايكس بيكو، بل شبكات إقليمية، النظرية القومية العربية لم تعد تعني شيئاً، الخلافات الإيديولوجية تنزاح في اتجاه سلوكيات عقلانية تعبر عن عقل الدولة، وحدها المؤسسات تحت الدولة لم ترتق لهذه التغيرات.
الممرات بدل الحدود: التحالف السعودي–التركي–الباكستاني نموذجًا
التحالف السعودي–التركي–الباكستاني لا يمكن فهمه عبر منطق التحالفات التقليدية (ضد إيران؟ ضد إسرائيل؟ بإيعاز أمريكي؟). هذه التفسيرات سطحية لأنها تتجاهل التحول الأكبر: الدول تبحث عن ممرات آمنة، لا عن حدود محمية.
السعودية تتحرك من الجنوب إلى الشمال عبر الأردن وسوريا نحو تركيا وأوروبا. تركيا تتحرك من الشمال إلى الجنوب عبر طريق التنمية نحو الخليج. باكستان تبحث عن ممر يربطها بتركيا لتنافس الممر الهندي نحو إسرائيل وأوروبا.
هكذا يتشكل منحنى دائري من الممرات:
• جنوب → شمال
• شمال → جنوب
• شرق → غرب
وكلها تتقاطع في شرق المتوسط.
إسرائيل وطريق ليفانت: محاولة السيطرة على شرق المتوسط
إسرائيل تفكر في ممر يبدأ من غزة ويمر بلبنان وسوريا وصولًا إلى تركيا ثم أوروبا. هذا يفسر:رغبتها في السيطرة على غزة
،الضغط على لبنان، منع إعادة تسلح سوريا، السعي لعلاقة مع تركيا من موقع قوة، لأن هذا الممر يجعل إسرائيل قوة اقتصادية طبيعية في المنطقة. لكن مصر هنا تمثل عنق زجاجة حقيقي، فممرات شرق المتوسط تتجاوز قناة السويس، وهذا يخلق توترًا جيواستراتيجيًا بين مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية.
إيران: القلق من فقدان المتوسط
إيران فقدت منفذها نحو العراق وسوريا ولبنان والمتوسط. لذا تستخدم السرديات الطائفية لدعم نفوذها في الممرات. لكن التحالف السعودي–التركي–الباكستاني يخلق ممرًا سنيًا يتجاوز مضيق هرمز ويقلل من قدرة إيران على التحكم في التدفقات.
طريق التنمية: تركيا والعراق يعيدان رسم الجغرافيا
طريق التنمية بين تركيا والعراق يخلق ممرًا معاكسًا للممر السعودي–التركي. من البصرة إلى تركيا إلى أوروبا، ومن الخليج إلى تركيا، يتشكل قوس جيواستراتيجي يعزز اقتصاد المنطقة دون تعارض مع مصالح السعودية.
شرق المتوسط: نقطة الارتكاز
شرق المتوسط أصبح ساحة نزاع بين لبنان وإسرائيل ومصر وتركيا واليونان، مركزًا للغاز، ممرًا طبيعيًا لأوروبا، نقطة التقاء كل الممرات الجديدة. من يسيطر على شرق المتوسط يسيطر على التدفقات.
ليبيا: مركز تدفقات وليس عنق زجاجة
هنا تظهر ليبيا. ليست نقطة تفتيش ولا عنق زجاجة، بل مركز تدفقات (Hub) ذو بنية عالية للربط مع أوروبا. يمكن تجاوز ليبيا، نعم. لكن لا يمكن تجاهلها.
ليبيا هي:
• أقرب نقطة للمتوسط نحو إيطاليا
• بوابة شمال إفريقيا نحو أوروبا
• مساحة مفتوحة للممرات القادمة من الشرق الأوسط
• عقدة يمكن أن تربط الخليج وتركيا وباكستان بأوروبا
وهذا يعني أن كل نزاعات الشرق الأوسط ستنزاح نحو شمال إفريقيا.
إذا استقرت ليبيا، ستصبح جزءًا من التحالف السني الجديد، ومركزًا في شرق المتوسط. وإذا يأس العالم من خلافات الليبيين، سيتم تجاوزها، لتتحول إلى ساحة صراع حدودي بين إفريقيا وأوروبا، وربما تضطر أوروبا للسيطرة عليها بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا قد يفسر تزايد الحديث عن توجهات إسرائيلية في ليبيا، وهذا عبر تحالفات عائلة حفتر في الشرق الليبي مع اليونان، ومصر بالطبع تدرك ذلك لذا ستتوجه نحو غرب ليبيا، أما السعودية وتركيا وباكستان فعليها أن تثبت قدرتها على إدارة الإقليم عبر هذه التحالفات، مثلاً تركيا موجودة في ليبيا، هناك تيارات تابعة للسعودية في ليبيا، يمكنها أن تجعل سلوكها يصب في صالح مصالحها، كما أن الإمارات ستدعم بكل قوة التواجد اليوناني الذي يعبر عن العلاقة مع إسرائيل.







