
سياسة «الهروب إلى الأمام» في العرف السياسي والاقتصادي والإداري تشير إلى أسلوب تتخذه الحكومات أو السلطات عندما تواجه أزمة مُركبّة أو عميقة، وبدلاً من مواجهة جذور هذه الأزمة ومعالجتها بقرارات جذرية وحلول حقيقية، تلجأ إلى اتخاذ قرارات متسارعة، أو التوسع في مشاريع جديدة، أو تصدير أزمات أخرى للتغطية على القصور الحالي، وتأجيل لحظة المواجهة الحتمية، وقيام السلطة بنقل الحمل المالي أو الاجتماعي إلى الحكومات المستقبلية لتفادي التبعات في الوقت الراهن.
ومنها على سبيل المثال تحركات وزارة الصحة خلال الفترة الأخيرة في عدد من الملفات العاجلة مثل: 1- أزمة تهالك البنية التحتية في المنشآت الصحية، 2- ومعاناة الأطباء في سبيل الالتحاق بالدراسات العليا التخصصية (حركة النيابات 2026)، 3- نقص الأدوية وزيادة الأسعار المتتالية.
أولا: التصريحات حول إنشاء المدن الطبية بدلا من مواجهة أزمة تهالك البنية التحتية في المنشآت الصحية:
بتاريخ 31 يوليو 2026 ؛ نشر “موقع برلماني” عن تقدم النائب حسين غيته، عضو مجلس النواب بسؤال موجه إلي رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، بشأن: خروج 65 وحدة صحية من منظومة التأمين الصحي الشامل بالمنيا. وتابع: “والحقيقة هي اشتراطات غاية في الحزم ولا باس بذلك لكن ان تكون النتيجة إغلاق هذه الوحدات والاكتفاء بباقي الوحدات والمستشفيات للعمل بالمنظومة فالغريب أن يتم حرمان اهل هذه القري وإلحاقهم بقري مجاورة وصاحب هذا القرار لا يدرك طبيعة الجغرافيا ولا التركيبة السكانية ، ولا المشاكل التي يمكن أن تترتب علي ذلك بين مختلف القري وحيث ان هدف المنظومة هو تقديم خدمة افضل من الحالية فأصبح شعور المواطن في القري التي تم إلغاء العمل بها انه فقد الخدمة تماما، وتعليقا على السؤال البرلماني نشر ” موقع اليوم السابع ” بتاريخ 1 أغسطس الجاري ؛ تصريح المتحدث الرسمي للصحة ؛” المنشآت التي لم تُدرج ضمن المرحلة الحالية من التشغيل التجريبي تواصل تقديم جميع الخدمات الصحية المعتادة، ولم يصدر أي قرار بإيقاف الخدمة أو إغلاقه”.
ومن ناحية أخرى؛ فقد خرج د. خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان فورا يوم 5 أغسطس الجاري ليكشف عن تفاصيل إنشاء مدينتين طبيتين عالميتين في العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين بتكلفة إجمالية 5 مليارات دولار، وقال خلال تصريحات تلفزيونية إن المدن الطبية تمثل “البديل” للمستشفيات التقليدية ذات السعة السريرية المحدودة.
وأكد الوزير على أن نموذج المدن الطبية قد حقق نجاحات في كثير من الدول التي تطبق نظام التأمين الصحى الشامل، وكان واضحا أن الإشارة للتأمين الصحى الشامل يعتبر ردا على ما أثاره أعضاء مجلس النواب حول استبعاد عدد كبير من وحدات محافظة المنيا من منظومة التأمين الصحى، ولم تتم الإشارة بالطبع إلى أن العاصمة الإدارية تتبع محافظة القاهرة والمدرجة ضمن المرحلة السادسة والأخيرة من تنفيذ منظومة التأمين الصحى الشامل الجديد والتي مازالت في المرحلة الأولى ، وتستعد لبدء لمرحلة الثانية التجريبية ؛ وذلك بعد مرور ثماني سنوات من صدور القانون رقم 2 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية.
ثانيا: ترك مواجهة مشكلة حركة نيابات الأطباء 2026؛ والتبشير بالتوجيهات الرئاسية بزيادة أجور الأطباء تدريجيا :
في تقرير لموقع “صحيح مصر” بتاريخ 12 أغسطس الجاري؛ تمت الإشارة إلى أزمة “نيابات الأطباء 2026” بعد استبعاد الحكومة نحو 1400 خريج من كليات الطب من التوزيع للعمل في المستشفيات العامة والجامعية، رغم حصول بعضهم على أكثر من 90 بالمئة من إجمالي الدرجات، في وقت تعاني فيه المستشفيات من عجز في أعداد الأطباء، وسط اتهامات لوزارة الصحة بغياب الشفافية في قواعد وآليات القبول.
وتُعد النيابات المرحلة الأساسية التي يبدأ خلالها الطبيب البشري التدريب والتخصص بعد إتمام الدراسة بكلية الطب وقضاء فترة الامتياز، إذ يُوزع الخريجون على الأقسام والتخصصات الطبية المختلفة لاكتساب الخبرة الإكلينيكية والتدريب تحت إشراف أطباء أكثر خبرة، وتتم إجراءات التوزيع من خلال التنسيق الرسمي مع إدارة التكليف بوزارة الصحة بشكل دوري.
وتحت عنوان ” أزمة غير مسبوقة، نقابة الأطباء تكشف تفاصيل صادمة عن حركة النيابات 2026″؛ نشر موقع “فيتو” بتاريخ 9 أغسطس الجاري؛ تشديد مقرر لجنة الشباب بالنقابة العامة لأطباء مصر؛ على أهمية مراجعة ما حدث في حركة النيابات الحالية للأطباء، والعمل على وضع آليات أكثر وضوحًا وعدالة في الحركات المقبلة، بما يضمن معرفة الأطباء لمعايير التوزيع والمفاضلة بشكل مسبق.
وأشار إلى أن اختيار التخصص يمثل مرحلة محورية في مستقبل الطبيب، وبالتالي فإن أي تأخير أو عدم وضوح في الإجراءات ينعكس بصورة مباشرة على خطته المهنية والدراسات العليا التي يسعى إلى استكماله”..
وتقتصر الأطروحات الرسمية الحالية على تجميع التظلمات ووعد الأطباء المتضررين بحركة نيابات إضافية في ديسمبر المقبل، وهو ما يراه الأطباء تأجيلاً للأزمة وليس حلاً جذرياً لمشكلة التوزيع العادل للطاقات الطبية.
وبالتوازي فقد نشر موقع ” الشروق ” بتاريخ 10اغسطس الجاري جانبا من حوار وزير الصحة مع إحدى الفضائيات ؛ والذى أعلن عن التوجيهات الرئاسية للوزارات المعنية بـ”إعادة النظر في المقابل المادي لكل أعضاء الفريق الصحي”، مؤكداً أن التوجيه يشمل جميع أعضاء الفريق الطبي، لا يقتصر على الأطباء وحدهم ، وأضاف قائلاً: “نحن نتحدث على إعادة النظر وتدريجياً، ، وأوضح أن متوسط أجر الطبيب في التأمين الصحي الشامل يتراوح تقريباً ما بين 17 إلى 18 ألف جنيه مصري ، لافتاً إلى أن حديثه عن الأطباء المعينين أو المستعان بهم في المنظومة، وليس الأطباء المكلفين الذين يعاملون بذات أجور الحكومة العادية.
ثالثا: وزير الصحة يترك حل مشكلة الدواء وحذف السعر من العبوة الدوائية ويعلن وقف استيراد الانسولين!!
حالة شديدة من الاضطراب سادت سوق الدواء المصرية، خاصة مع ترسيخ قضية عدم اليقين المجتمعي من المصداقية الحكومية في استمرارية السعر الجبري للدواء دون تلاعب فيه خاصة؛ بعد تداول أخباء حول حذف سعر الدواء من على العبوة الدوائية، ومن ناحية أخرى؛ فإن هيئة الدواء المصرية أضافت عناصر أخرى لتناسب الرضع الراهن في مصر، وتشمل ثلاثية :1- سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، 2- ونسبة التضخم، 3- وسعر الفائدة أو تكلفة القروض؛ ويثير إدخال تلك المتغيرات تساؤلًا جوهريًا حول مدى انتقال تسعير الدواء المصري من نموذج التسعير المرجعي التقليدي إلى نموذج أكثر ارتباطًا بالمتغيرات الاقتصادية المحلية، ومن المعروف أن هذه العناصر لا تعمل منفصلة، لأنه غالبًا ما يؤدي ارتفاع سعر الصرف إلى زيادة الضغوط التضخمية، وقد يدفع البنك المركزي إلى تشديد السياس ة النقدية ورفع أسعار الفائدة للحد من التضخم. وزاد من الاضطراب أن هيئة الدواء المصرية لم تعلن رسميا عن إلغاء القرار الوزاري رقم 23 لسنة 2017؛ والذي يسمح بالبيع من سعر لنفس الدواء من نفس الشركة وبنفس المواصفات؛ والذي كان له بالغ الأثر السلبي على اقتصاديات الصيدليات؛ حيث أنه وبتاريخ (25 مايو 2024) نشر موقع “القاهرة 24 ” تصريح الدكتور حاتم البدوي، أمين عام شعبة الصيدليات باتحاد الغرف التجارية، عن غلق 1500 صيدلية بناء على طلبات وإرادة أصحابها؛ لعدم قدرتهم على الاستمرار في ظل تعرضهم لمجموعة من المشاكل الاقتصادية.
وبالتوازي وبدلا من اتخاذ القرار المناسب للحالة وعرض آلية أسعار الدواء بشفافية للمصريين ؛ فقد سارع وزير الصحة بالخروج على الفضائيات ليعلن توقف الحكومة عن توفير الانسولين المستورد في مستشفيات التأمين الصحى ، وزاد الوزير أن أعلن عن وجود وفرة من الانسولين المحلى ولكنها ثقافة المجتمع نحو تفضيل المستورد مما يرهق الدولة في توفير العملة الصعبة ؛ كما شدد وزير الصحة خلال جولة حكومية، يوم الثلاثاء 11 أغسطس الجاري على “توافر الإنسولين بكثرة”، نافيا ما يثار بشأن عدم وجوده، فيما وجه رئيس الوزراء المصري بالتوعية بتوافر بدائل للإنسولين المستورد من المنتجات المحلية التي تضاهي المستورد من حيث النتائج والفعالية.
ونشر “موقع الشروق” بتاريخ 11 أغسطس الجاري قول عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، النائبة إيرين سعيد، إن تصريحات وزير الصحة عن تصنيع الأنسولين محليا ووقف استيراده، من أجل توفير العملة الصعبة، يحمل خلطا لمهامه، لأنه من المفترض أن يكون دوره الاهتمام بصحة المصريين، وليس توفير العملة الصعبة.
تأتي أهمية الجدل في ظل اتساع قاعدة مرضى السكري في مصر، إذ تشير بيانات الاتحاد الدولي لمرضى السكرى إلى أن مصر من بين الدول ذات الأعداد الكبيرة من المصابين بالمرض، مع تقديرات تشير إلى نحو 11 مليون مصاب، فيما ترى تقديرات محلية أن العدد الفعلي قد يكون أعلى ، وبحسب بيانات وزارة الصحة المصرية يبلغ عدد مرضى السكري الذين تتعامل معهم منظومتا التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة نحو 2.45 مليون مريض من البالغين، إضافة إلى نحو 60 ألف طفل.
وكما هو متوقع فقد سارع الجميع لمناقشة الخطوة الجديدة، ودخل أعضاء مجلس النواب على الخط لمعرفة الحقيقة ورفع القلق المجتمعي حول صحة وسلامة مرضى السكرى من النوع الأول المعتمد على عقار الانسولين المستورد خاصة وأنه مستحضر حيوي وليس مجرد عقار عادى.
وأخيرا وفى حوار صوتي مساء أمس الأربعاء 12 أغسطس الجاري على موقع الرسمي لوزارة الصحة؛ طرح المتحدث الرسمي رؤية جديدة يشرح فيها ما قال بأنه قد خفي على المواطنين في تصريحات الوزير، ويعلن بأنه سوف يتم استيراد أنواع الانسولين التي ليس لها مثيل مصري، ووعد بتوفيرها في برنامج العلاج على نفقة الدولة وفى منافذ خدمات التأمين الصحى.
تداعيات سياسة الهروب إلى الأمام التي تتبعها وزارة الصحة وضياع فرص الأولويات:
المشكلة ليست في المشروعات الجديدة في حد ذاتها، وإنما في ترتيب الأولويات وتكلفة الفرصة البديلة داخل اقتصاديات الصحة؛ فإنشاء مدينة طبية قد يكون جيدًا، وزيادة أجور الأطباء مطلوبة، وتشجيع الإنسولين المحلي قد يكون هدفًا استراتيجيًا؛ لكن هل هذه القرارات تعالج الاختناقات الأكثر إلحاحًا الآن؟
بمعنى أنه عندما تكون الموارد محدودة، هل يتم توجيه الأولوية إلى مشروع جديد كبير، بينما توجد منشآت قائمة لا تستوفي معايير الاعتماد؟ هل نتحدث عن زيادة الأجر بينما الطبيب لا يعرف متى وأين سيتخصص؟ هل نتحدث عن توطين الإنسولين بينما المريض يريد أولًا ضمان توافر جميع الأدوية وبسعر مناسب؟
المشكلة هي إن تأجيل الأزمات لا يلغيها؛ بل يزيد من كلفتها وتكلفتها المستقبلية؛ فالديون تتراكم والمشكلات الهيكلية تتجذر، ويتم استنزاف الموارد المالية العامة فقدان الشارع والأسواق والمستثمرين الثقة في خطط الحكومة وفي المؤسسات الرسمية، مما يرفع من حالة عدم اليقين في اقتصاديات الصحة بصورة عامة.
ولا يقتصر الأمر على الخطاب الوزاري على الفضائيات؛ وإنما يمتد إلى الخطاب الإعلامي للمتحدث الرسمي؛ والذي تحول إلى كتابة مقالات صحفية تبدو أقرب إلى الدفاع عن القرارات وتبريرها، بدلًا من تقديم إجابات تفصيلية عن الأسئلة التي يطرحها المواطنون والعاملون في القطاع الصحى.







