
من إدارة الأزمة إلى استعادة الفاعلية الوطنية
لم تعد المأساة الفلسطينية، وبالأخص مأساة قطاع غزة، مجرد أزمة إنسانية يمكن احتواؤها بمزيد من المساعدات أو البيانات السياسية أو الترتيبات الأمنية المؤقتة، فالدمار الذي أصاب القطاع ليس دماراً في الأبنية والبنية التحتية وحدها، بل أصاب أيضاً القدرة الفلسطينية على إدارة الحياة العامة، وعلى إنتاج القرار، وعلى ممارسة الفعل السياسي المستقل.
ومن هنا يبرز السؤال الذي قد يكون أخطر من سؤال إعادة الإعمار نفسه: من يملك حق تعريف مستقبل الشعب الفلسطيني؟
إذا بقي الفلسطينيون مجرد متلقين للخطط الدولية، أو أطرافاً في ترتيبات تُصاغ خارجهم، أو أطرافاً متنازعة فيما بينها على ما تبقى من السلطة، فإن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الحرب أو الاحتلال أو الحصار، بل في تحول الفلسطيني تدريجياً من فاعل سياسي إلى موضوع سياسي، أي إلى شعب تُدار أزمته وتُحدد احتياجاته وتُرسم ترتيبات مستقبله من دون أن يمتلك مركز القرار فيها.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه فلسطين اليوم.
المطلوب، إذن، ليس منافسة المبادرات الدولية بمبادرة فلسطينية أخرى، ولا رفض كل تدخل خارجي، ولا الدخول في مواجهة جديدة بين الفلسطينيين، وإنما بناء مبادرة فلسطينية جامعة تجعل أي ترتيبات دولية أو عربية لاحقة تمر عبر بوابة فلسطينية واضحة، ذات شرعية اجتماعية وسياسية، وقابلة للمساءلة.
فالسياسة الدولية تتعامل في نهاية المطاف مع من يستطيع أن يقول: هذا هو الموقف الفلسطيني، وهذه هي مؤسساته، وهذه هي قواعد انتقاله السياسي، وهذه هي مسؤولياته وحقوقه.
ومن هنا تنطلق هذه الخارطة من فكرة بسيطة لكنها عميقة: قبل أن يطالب الفلسطيني العالم بأن يعترف بحقه في المستقبل، عليه أن يستعيد قدرته على تنظيم هذا المستقبل سياسياً ومؤسسياً.
أولاً: الانتقال من فراغ السلطة إلى شرعية الإدارة
أخطر ما يمكن أن يحدث في غزة بعد كل ما جرى هو نشوء فراغ طويل في الإدارة، فالفراغ لا يبقى فراغاً، وفي المجتمعات المنهكة بالحرب، يمكن أن يتحول سريعاً إلى تعدد مراكز القوة، أو اقتصاد ظل، أو نفوذ عائلي وفصائلي، أو فوضى أمنية، أو اعتماد كامل على الجهات الخارجية التي تقدم الغذاء والخدمات والأمن، وهو ما يخطط له الاحتلال أن يكون.
ولهذا فإن الأولوية الأولى يجب أن تكون منع الفراغ الإداري، خصوصاً بعد أن قدمت الإدارة الحكومية استقالتها للمجتمع المدني والفصائل.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل وجود ترتيبات دولية أُقرت بالفعل لإنشاء إدارة انتقالية فلسطينية تكنوقراطية لقطاع غزة، فقد أقر مجلس الأمن، في القرار 2803 لعام 2025، إطاراً لإدارة انتقالية تشمل لجنة فلسطينية تكنوقراطية من سكان القطاع لإدارة الخدمات والشؤون المدنية اليومية، كما أعلنت الأمم المتحدة أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة بدأت عملها في يناير/كانون الثاني 2026.
وفي مايو/أيار 2026، أفاد تقرير للأمم المتحدة بأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة تشكلت من فلسطينيين تكنوقراط من القطاع، وأنها بدأت الإعداد لتولي مسؤوليات الاستقرار والتعافي وإعادة الإعمار، إلا أن الإطار المؤسسي ظل في طور التطور، ولم تكن الصلاحيات الفعلية قد استقرت بصورة كاملة، وبقيت هذه اللجنة مجرد أسماء غائبة عن الأرض والفعل والقدرة، وليست تشبه شيئاً إلا لهايات الأطفال الرضع.
وهنا ينبغي أن يكون الموقف الفلسطيني أكثر دقة من مجرد القبول أو الرفض، فالمطلوب ليس إنشاء إدارة فلسطينية موازية للإدارة الانتقالية القائمة، بل ضمان أن تكون عملية الانتقال ذات ملكية فلسطينية حقيقية، وألا يتحول الفلسطينيون إلى مجرد موظفين في ترتيبات يقررها الآخرون، ولا منتظرين لإدارة قد لا تأتي أبداً.
ومن هنا يمكن تشكيل مجلس فلسطيني مدني استشاري وانتقالي واسع التمثيل، يعمل بالتنسيق مع الإدارة الانتقالية القائمة والفصائل والسلطة والمنظمة، ولا ينافسها على الصلاحيات.
يتكون هذا المجلس من:
شخصيات وطنية مستقلة.
ممثلين عن النقابات والاتحادات المهنية.
ممثلين عن الجامعات والقطاع التعليمي.
ممثلين عن الشباب والنساء.
ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني.
المثقفين والإعلاميين.
شخصيات اقتصادية ومهنية.
ممثلين عن البلديات والهيئات المحلية.
شخصيات اجتماعية وعائلية، مع ضمان ألا تتحول العائلة أو العشيرة إلى بديل عن المؤسسة السياسية.
على أن تكون مهمته الأساسية استتباب العمل الإداري الحكومي وحالة وسيطة مع الإدارة الانتقالية أثناء غيابها، ومواصلة مراقبة أدائها إن حضرت، ونقل احتياجات المجتمع إليها، والمساعدة في بناء المؤسسات التي ستسلم إليها مسؤولية الحكم مستقبلاً، وبهذا يتحول المجتمع من متلقٍّ للمساعدة إلى شريك في إدارة المرحلة الانتقالية.
ثانياً: شرعية الإدارة لا تُمنح، بل تُكتسب
لا تكفي تسمية أي لجنة بأنها “وطنية” كي تصبح شرعية، فالشرعية السياسية لا تأتي من الأسماء، ولا من البيانات، ولا من عدد الفصائل التي توافق على تشكيل مؤسسة ما، وإنما من أربعة عناصر متلازمة: التمثيل، والشفافية، والمساءلة، والقدرة على الإنجاز.
ولذلك ينبغي أن تلتزم أي مؤسسة انتقالية فلسطينية بمجموعة من القواعد الواضحة:
نشر أسماء أعضائها واختصاصاتهم.
إعلان مدة عملها وصلاحياتها.
نشر قراراتها وميزانيتها ومصادر تمويلها.
إنشاء آلية مستقلة لتلقي شكاوى المواطنين.
منع تضارب المصالح.
ضمان تمثيل النساء والشباب وأصحاب الكفاءات.
إخضاع المساعدات وإعادة الإعمار لنظام رقابة مالي مستقل.
الالتزام بعدم استخدام المؤسسات المدنية لخدمة أي جهة دون غيرها.
وهنا تكمن نقطة جوهرية: إذا أراد الفلسطينيون إقناع العالم بأنهم قادرون على إدارة دولتهم غداً، فعليهم أن يقدموا نموذجاً مصغراً للدولة التي يريدونها، فقد راهن الاحتلال دوماً على أن الفلسطينيين لا يستطيعون إدارة “حارة” لا دولة.
فالدولة الفلسطينية المستقبلية لا تبدأ يوم إعلان الاستقلال فقط، إنها تبدأ من طريقة إدارة مدرسة، ومستشفى، وبلدية، وميناء، ومعبر، ومال وغيره.
ثالثاً: عقد اجتماعي فلسطيني جديد
لا يمكن بناء شرعية وطنية في ظل انقسام يرى فيه كل طرف أن انتصار خصمه يعني هزيمته بل وهزيمة فلسطين، ولهذا فإن المطلوب ليس مجرد “مصالحة” بالمعنى التقليدي، بل عقد اجتماعي وطني جديد، ويقوم هذا العقد على مبدأ أن الخلاف السياسي حق، لكن تحويل الخلاف إلى عنف داخلي جريمة سياسية ووطنية.
ويجب أن يتضمن، في حده الأدنى:
تحريم الانتقام السياسي.
حماية المدنيين من أي اعتداء داخلي.
منع الاعتقال على أساس الانتماء السياسي.
منع استخدام السلاح في الخلافات الداخلية.
رفض تحويل الانتماء العائلي أو المناطقي إلى ولاء سياسي بديل.
حماية حرية التعبير والصحافة.
ضمان حق التنظيم السياسي والنقابي.
تحريم التحريض على الكراهية والاقتتال الداخلي.
الاتفاق على أن تداول السلطة لا يكون بالقوة.
وهنا يمكن الاستفادة من تجربة رواندا، ولكن بحذر شديد.
فرواندا لم تحل مشكلتها بمجرد إعلان المصالحة، بل أنشأت بعد الإبادة مؤسسات وبرامج للعدالة والمصالحة وإعادة بناء الهوية الوطنية، وأُنشئت في عام 1999 لجنة الوحدة والمصالحة الوطنية، كما استخدم نظام المحاكم المجتمعية “غاكاكا” لمعالجة عدد هائل من القضايا، في محاولة للجمع بين العدالة والحقيقة والمصالحة وإعادة دمج المجتمع.
والدرس الفلسطيني من التجربة ليس تقليد النموذج الرواندي، بل فهم مبدأ واحد: المجتمع الخارج من كارثة كبرى لا يستطيع أن يعيش طويلاً على منطق الثأر؛





